التفاسير

< >
عرض

وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً
١١
إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً
١٢
وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً
١٣
يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً
١٤
إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً
١٥
فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً
١٦
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً
١٧
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً
١٨
إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً
١٩
-المزمل

التبيان الجامع لعلوم القرآن

لما امر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله بالصبر على اذى قومه، وأن يهجرهم هجراً جميلا قال على وجه التهديد للكفار {وذرني} يا محمد {والمكذبين} الذين يكذبونك فيما تدعوهم اليه من التوحيد وإخلاص العبادة والاعتراف بالبعث والنشور، والثواب والجزاء، كما يقول القائل: دعني وإياه إذا أراد أن يهدده، يقال: يذر بمعنى يترك، ويدع، ولا يستعمل ماضيه، ولا ماضي (يدع) ولا يقال: وذر، ولا ودع، استغناء بقولهم ترك عن ذلك، لان الابتداء بالواو عندهم مكروه، ولذلك أبدلوا منها الهمزة في قولهم {أقتت} والاصل (وقتت)، وقالوا {تخمة} والاصل (وخمة) وكذلك كل ما يصرف منه مما فى أوله واو إلا قولهم: وادع من الدعة فلم يستغنوا عنه بتارك.
وقوله {أولي النعمة} معناه ذوي النعمة أي اصحاب النعمة، والنعمة - بفتح النون - لين الملمس وضدها الخشونة، ومعناه {وذرني والمكذبين} أي ارض بعقاب المكذبين لست تحتاج إلى اكثر من ذلك كما يقال: دعني وإياه، فانه يكفيه ما ينزل به من غير تقصير مما يقع به، وهذا تهدد شديد.
وقوله {ومهلهم قليلاً} أي اخرهم فى المدة قليلا فالتمهيل التأخير فى المدة، وقد يكون التأخير فى المكان، فلا يسمى تمهيلا، فاذا كان في المدة فهو تمهيل كما ان التأخير في الاجل تأجيل آخر.
وقوله {إن لدينا أنكالاً} أي قيوداً - في قول مجاهد وقتادة - واحدها نكل {وجحيماً} أي ناراً عظيمة، وجحيم اسم من اسماء جهنم {وطعاماً ذا غصة} قال ابن عباس: معناه ذا غصة بشوك يأخذ الحلق، فلا يدخل ولا يخرج. وقيل: معناه يأخذ بالحلقوم لخشونته وشدة تكرهه {وعذاباً أليماً} أي عقاباً موجعاً مؤلماً. ثم بين متى يكون ذلك فقال {يوم ترجف الأرض} أي اعتدنا هذه الانواع من العذاب في يوم ترجف الارض أي تتحرك باضطراب شديد {والجبال} أي وترجف الجبال معها أيضاً {وكانت الجبال كثيباً مهيلاً} قال ابن عباس: تصير الجبال رملا سائلا متناثراً، فالكثيب الرمل المجتمع الكثير، ومهيل مفعول من هلت الرمل اهيله وذلك إذا حرك اسفله فسال أعلاه، ويقال: مهيول كما يقال مكيل ومكيول، وانهال الرمل انهيالا و {الغصة} تردد اللقمة في الفم لا يسيغها الذي يروم أكلها قال الشاعر:

لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري

يقال غص بريقه يغص غصصاً، وفي قلبه غصة من كَذا، وهي كاللذغة التي لا يسيغ معها الطعام ولا الشراب.
وقوله {إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم} اخبار من الله تعالى وخطاب للمكلفين في عصر النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده بأنه أرسل اليهم رسولا يدعوهم إلى عبادته وإخلاص توحيده {شاهداً عليكم} بقبولهم إن قبلوا وعليهم إن لم يقبلوا {كما أرسلنا} أي ارسلناه اليكم مثل ما أرسلنا {إلى فرعون رسولا} يعني موسى ابن عمران عليه السلام. ثم اخبر عن فرعون فقال {فعصى فرعون الرسول} يعني موسى، فلم يقبل منه ما أمره به ودعاه اليه {فأخذناه أخذاً وبيلاً} أي اخذاً ثقيلاً شديداً عقوبة له على عصيانه موسى رسول الله، وكل ثقيل وبيل، ومنه: كلأ مستوبل أي متوخم لا يستمرء لثقله، ومنه الوبل، والوابل، وهو المطر العظيم القطر، ومنه الوبال وهو ما يغلظ على النفس وأصله الغلظ قال طرفة:

فمرت كهاة ذات خيف جلالة عقيلة شيخ كالوبيل يلندد

الوبيل - ها هنا - الغليظ من العصى و (كهاة) ناقة مسنة و (الخيف) جلد الضرع و (يلندد) شديد الخصومة.
قوله {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً} أي إن كفرتم بالله وجحدتم نعمه، وكذبتم رسوله، وإنما جعل الولدان، وهم الأولاد الصغار شيباً لشدته، وعظم أهواله، كما يقال: قد حدث أمر تشيب منه النواصي. وقيل: {يوماً يجعل الولدان شيباً} على وجه المثل، والشيب جمع أشيب، يقال: شاب الانسان يشيب شيباً إذا ابيض شعره. ثم زاد في صفة شدة ذلك اليوم أيضاً فقال {السماء منفطر به} أي متصدع بشدة ذلك اليوم، وإنما لم يقل منفطرة، لانه جرى على طريق النسبة أي ذات انفطار، ولم يجر على طريق (فاعلة) كما قالوا للمرأة: مطفل أي ذات طفل. وقال الزجاج: تقديره السماء منفطر باليوم مثقلة به. وقال الحسن: معناه السماء مثقل به. وقال غيره: السماء مثقلة بذلك اليوم من شدته. وقال قوم: معناه متشقق بالأمر الذي يجعل الولدان شيباً. والسماء يؤنث ويذكر، فمن ذكر أراد السقف.
وقوله {كان وعده مفعولا} معناه إن ما وعد الله به فلا بد من كونه، فلذلك عبر عنه بلفظ الماضي فكأنه قد وجد. ثم قال {إن هذه تذكرة} أي هذه القصة التي ذكرناها وبيناها {تذكرة} أي عظة لمن انصف من نفسه وفكر فيها، فالتذكرة التبصرة، وهي الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه.
وقوله {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} معناه إن من شاء من المكلفين اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا، لانه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل الى الثواب. والله تعالى قد دعاه إلى ما يوصله اليه ورغبه فيه، وبعث رسولا يدعوه ايضاً اليه. وإن لم يفعل فبسوء اختياره انصرف عنه.