التفاسير

< >
عرض

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
١١
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً
١٢
وَبَنِينَ شُهُوداً
١٣
وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً
١٤
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
١٥
كَلاَّ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً
١٦
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
١٧
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
١٨
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
١٩
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
٢٠
ثُمَّ نَظَرَ
٢١
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
٢٢
ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ
٢٣
فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ
٢٤
إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ
٢٥
-المدثر

التبيان الجامع لعلوم القرآن

يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه التهديد للكافر الذى وصفه {ذرني ومن خلقت وحيداً} ومعناه دعني وإياه فاني كاف فى عقابه كما تقول العرب: دعني وإياه لا أن الله تعالى يجوز عليه المنع حتى يقول: ذرني وإياه. ولكن المعنى ما قلناه. وقوله {وحيداً} قال الزجاج: يحتمل ان يكون من صفة الخالق، ويحتمل أن يكون من صفة المخلوق، فاذا حملناه على صفة الخالق كان معناه دعني ومن خلقته متوحداً بخلقه لا شريك لي في خلقه وجعلته على الاوصاف التي ذكرتها، وإذا حمل على صفه المخلوق، كان معناه ومن خلقته فى بطن أمه وحده لا شيء له ثم جعلت له كذا وكذا - ذكره مجاهد وقتادة - وقوله {وجعلت له مالا ممدوداً} أى مالا كثيراً له مدد يأتي شيئاً بعد شيء، فوصفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: نزلت الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي. وقالا: كان ماله الف دينار. وقال سفيان: كان ماله أربعة آلاف دينار. وقال النعمان بن سالم: كان أبرص. وقال عطاء عن عمر: كان غلة شهر شهر. وقال مجاهد: كان بنوه عشرة {وبنين شهوداً} أي واولاداً ذكوراً معه يستمتع بمشاهدتهم، وينتفع بحضورهم. وقيل كان بنوه لا يغيبون عنه لغنائهم عن ركوب السفر فى التجارة بخلاف من هو غائب عنهم.
وقوله {ومهدت له تمهيداً} أي سهلت له التصرف فى الأمور تسهيلا وقد يكون التسهيل من المصيبة ليخف الحزن بها، وقد يكون لما يتصرف فيه من المبالغة. وقوله {ثم يطمع أن أزيد} أي لم يشكرني على هذه النعم، وهو مع ذلك يطمع ان أزيد فى إنعامه. والتمهيد والتوطئة والتذليل والتسهيل نظائر.
ثم قال تعالى على وجه الردع والزجر "كلا" كأنه قال: ارتدع عن هذا وانزجر كما ان (صه) بمنزلة اسكت (ومه) بمنزلة اكفف. وإنما هي أصوات سمي الفعل بها، فكأنه قال: انزجر، فليس الأمر على ما تتوهم.
ثم بين لم كان كذلك فقال {إنه كان لآياتنا} أي إنما لم أفعل به ذلك، لانه لحجتنا وأدلتنا {عنيداً} أي معانداً، فالعنيد الذاهب عن الشيء على طريق العداوة له، يقال عند العرق يعند عنوداً، فهو عاند إذا نفر، وهو من هذا، والمعاندة منافرة المضادة، وكذلك العناد، وهذا الكافر يذهب عن آيات الله ذهاب نافر عنها. وقيل معنى {عنيد} عنود أي جحود بتكذيب المعاندة - فى قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه معاند، وبعير عنود أي نافر قال الشاعر:

إذا نزلت فاجعلوني وسطا إني كبير لا أطيق العندا

أي نفراً، وقوله {سأرهقه صعوداً} فالارهاق الاعجال بالعنف والصعود العقبة التي يصعب صعودها، وهي الكؤد والكدود فى ارتقائها ونقيض الصعود الهبوط، وقيل: صعود جبل من نار فى جهنم يؤخذون بارتقائه، فاذا وضع يديه ذابت، فاذا رفعها عادت وكذلك رجلاه، فى خبر مرفوع. وقيل: صعود جبل فى جهنم من نار يضرب بالمقامع حتى يصعد عليه، ثم يضرب حتى ينزل ذلك دأبه ابداً.
ثم قال {إنه فكر} أى فكر فكراً يحتال به للباطل، لانه لو فكر على وجه طلب الرشاد لم يكن مذموماً بل كان ممدوحاً، ولذلك مدح الله قوماً فقال
{ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } أى على وجه طلب الحق. وقوله {وقدر} أي قدر فقال: إن قلنا شاعر كذبتنا العرب باعتبار ما أتى به، وإن قلنا كاهن لم يصدقونا، لان كلامه لا يشبه كلام الكهان، فنقول ساحر يأثر ما أتى به عن غيره من السحرة. فقال الله تعالى {فقتل} أى لعن {كيف قدر} هذا. ثم كرر تعالى فقال {ثم قتل كيف قدر} أى عوقب بعقاب آخر كيف قدر من ابطال الحق تقديراً آخر. وقيل: لعن بما يجري مجرى القتل، ومثله { قتل الخراصون } وقال الحسن: هو شتم من الله لهذا الكافر.
وقوله {ثم نظر} نظر من ينكر الحق ويدفعه، ولو نظر طلباً للحق كان ممدوحاً وكان نظره صحيحاً. وقوله {ثم عبس} أى قبض وجهه تكرها للحق، يقال: عبس يعبس عبوساً، فهو عابس وعباس فالعبوس والتكليح والتقطيب نظائر فى اللغة، وضده الطلاقة والبشاشة. وقوله {وبسر} فالبسور بدّو التكره الذى يظهر فى الوجه وأصله من قولهم: بسر بالأمر إذا عجل به قبل حينه، ومنه البسر لتعجيل حاله قبل الارطاب قال توبة:

وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها

فكأنه قيل: قبض وجهه وبدى التكره فيه. وقوله {ثم أدبر} فالادبار الأخذ فى جهة الدبر خلاف جهة الاقبال، فذلك ادبار وهذا إقبال، يقال: دبر يدبر دبوراً وأدبر إدباراً، وتدبر نظر في عاقبة الأمر، ودبره أى عمله على إحكام العاقبة وكل مأخوذ من جهة الخلف مدبر.
وقوله {واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} أى طلب كبراً ليس له، ولو طلب كبراً هو له لم يكن مذموماً، وفي صفات الله تعالى
{ الجبار المتكبر } لان له الكبرياء، وهو كبير الشأن في أعلى المراتب لاختصاصه باتساع مقدوراته والمعلوم في أعلى المراتب. وقيل: ان الوليد قال في القرآن: والله ليعلو وما يعلا وما هو بشعر ولا كهانة، ولكنه سحر يؤثر من قول البشر، والسحر حيلة يخفى سببها فيوهم الشيء على خلاف ما هو به وذلك منفي عن كل ما يشاهد ويعلم انه قد خرج عن العادة مما لا يمكن عليه معارضة، ولو كان القرآن من قول البشر لامكنهم أن يأتوا بمثله، كما لو كان قلب العصا حية من فعل ساحر لأمكن السحرة أن يأتوا بمثله. ثم قال يعني الوليد {إن هذا إلا قول البشر} أى ليس هذا إلا قول البشر وليس من كلام الله عناداً منه وبهتاناً.