التفاسير

< >
عرض

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
٥
يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
٦
-الأنفال

التبيان الجامع لعلوم القرآن

من مد الف {كما} فلأن المد يقع في حروف اللين، وهي الالف والواو والياء، فاذا كان الحروف منها قبل همزة، وكانت الواو والياء ساكنتين والالف لا تكون الا ساكنة مدوا الالف كألف هذه الكلمة، وكقوله { من السماء من ماء } بمد الف السماء والف ماء، والياء نحو قوله { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } بمد الياء من الهوي، والواو نحو قوله { قالوا أأنت فعلت هذا } بمد الواو.
واختلفوا في الكاف من قوله {كما} إشارة إلى ماذا؟ فقال الزجاج وغيره: قوله {كما أخرجك} معطوف على قوله {قل الأنفال لله والرسول} والمعنى في ذلك أن رسول الله لما جعل النفل لمن جعله له وسلمه المؤمنون لذلك على كراهية بعضهم له كراهية طباع، فقال {الأنفال لله والرسول} فامض لذلك، وإن كرهه قوم كما مضيت {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} وهم كارهون أيضاً لأنهم كانوا كرهوا خروجه الكراهية التي ذكرناها، وليس على المؤمنين في هذه الكراهية حرج، إذا سلموا الأمر لله ورسوله وعملوا بما فيه طاعاتهما. وقال غيره: ذلك معطوف على قوله {يسألونك عن الأنفال} كأنه قال: يسألونك الأنفال كما جادلوك عند ما اخرجك ربك من بيتك، فذلك قوله {يجادلونك في الحق بعد ما تبين}. وقال قوم: يجوز أن يكون الكاف عطفاً على قوله {أولئك هم المؤمنون حقاً... كما أخرجك ربك من بيتك بالحق}. وقال بعضهم {كما أخرجك ربك من بيتك... فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}. وقال مجاهد {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق... يجادلونك في الحق من بعد ما تبين} يعني يجادلونك في القتال بعد ما أمرت به. وقال الفراء: قوله {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} جواب قوله {وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} فقال: فامض لأمرك في الغنائم على ما شئت {كما أخرجك ربك} مجاز اليمين كأنه، قال والذي اخرجك ربك، فتكون "ما" في موضع الذي كقوله
{ وما خلق الذكر والأنثى } } وتقديره والذي خلق الذكر، وقال ابو عبيدة معمر بن المبنى: "ما" في قوله {كما أخرجك} كما في قوله { وما بناها } اي وبنائها. وقال عكرمة: المعنى {اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} فان ذلك خير لكم {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} وكان خير لكم.
وقال بعضهم: الكاف بمعنى (على) كأنه قال: إمض على الذي اخرجك من بيتك. والحق الذي جادلوا فيه هو القتال في قول مجاهد. و {بيتك} يراد به المدينة، اخرجه الله إلى بدر - في قوله ابن جريج، وابن ابي نجيح واكثر المفسرين -
ووجه كراهية القتال - ما ذكره ابن عباس - من ان أبا سفيان لما اقبل بعير قريش من الشام فيها أموالهم، ندب النبي صلى الله عليه وآله المسلمين إلى الخروج اليها، قال لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب اليهم، فخف بعضهم، وثقل بعضهم، ولم يظنوا أن رسول الله ملقي كيداً ولا حزنا، وهو قول السدي والمفسرين. واختلفوا في المؤمنين الذين كرهوا القتال، وجادلوا النبي صلى الله عليه وآله. فقال قوم: أراد به أهل الايمان يوم بدر - ذكر ذلك عن ابن عباس، وابن اسحاق - وقال قوم: عنى المشركين - ذهب اليه ابن زيد - وقال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعوهم إلى الاسلام، وهم ينظرون، قال وتكون هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر. وقول ابن عباس هو الظاهر، وعليه اكثر المفسرين، وهو ان هذا صفة للمؤمنين لكن كرهوا ذلك كراهية الطبع، لكونهم غير مستعدين للقتال، ولقلتهم وكثرة المشركين، ويقوي ذلك قوله بعد هذه الآية {وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم} فبين بذلك انهم كانوا يودون العير دون الحرب.
وقوله {بعد ما تبين} انك يا محمد لا تصنع إلا ما امرك الله به. وقال ابن عباس معناه يجادلونك في القتال بعد ما امرت به. والجدل شدة الفتل ومنه قولهم: جدلت الزمام إذا شددت فتله، والاجدل الصقر لشدته.
وقوله {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} معناه كأن هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدو في كراهتهم للقتال إذا دعوا اليه وصعوبته عليه بمنزلة من يساق إلى الموت، وهم يرونه أو يتوقعونه.
والسوق الحث على السير عجلة. والاخراج في الاية معناه الدعاء إلى الخروج الذي يقع به، تقول: اخرجه فخرج اي دعاه فخرج، ومثله اضربت زيداً عمراً، فضربه وسمي البيت بيتاً لأنه جاء مهيئاً للبيتوتة فيه. وقوله "من بيتك" قال الحسن وابن ابي برة وابن جريج معناه من المدينة.