التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ
٢٩
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
٣٠
وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ
٣١
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ
٣٢
وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ
٣٣
فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
٣٤
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٣٥
هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
٣٦
-المطففين

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ حفص {فكهين} بغير الف بمعنى فرحين مرحين. الباقون "فاكهين" بألف بمعنى لاهين، وهو بمنزلة طامع وطمع، فالفاكه الطالب ما يتفكه به من نوادر الأمور والفاكه الناعم المعجب بحاله والتفكه التمتع بالمأكول من غير أخذه للقوت. وقرأ ابو عمرو - في رواية هارون - وحمزة والكسائي {هل ثوب} بالادغام، لقرب مخرج اللام من الثاء، الباقون واليزيدي عن ابي عمرو بالاظهار.
قيل إن هذه الآية نزلت في جماعة من كفار قريش كانوا يعيرون جماعة من المسلمين الذين سبقوا إلى الايمان، ويهزؤن منهم، فقال الله تعالى مخبراً بأن المجرمين كانوا من الذين آمنوا بالله ووحدوه وأخلصوا له العبادة وصدقوا أنبياءه {يضحكون} على وجه الاستهزاء بهم والسخرية منهم {وإذا مروا بهم} يعني إذا مر بهم المؤمنون وجازوا عليهم غمز بعضهم بعضاً عليهم على وجه التعجب منهم والسخرية {وإذا انقلبوا إلى أهلهم} يعني الكفار إذا انقلبوا إلى اهلهم واصحابهم {انقلبوا فاكهين} أي لاهين. ومن قرأ {فكهين} أراد مرجين "معجبين" بحالهم {وإذا رأوهم} يعني الكفار إذا رأوا المؤمنين في دار الدنيا {قالوا} يعني بعضهم لبعض {إن هؤلاء} وأشاروا به إلى المؤمنين {لضالون} عن طريق الحق وعادلون عن الاستقامة، فقال الله تعالى {وما أرسلوا عليهم حافظين} أي لم يرسل هؤلاء الكفار حافظين على المؤمنين، فيحفظون ما هم عليهم، والمراد بذلك الذم لهم بعيب المؤمنين بالضلال من غير أن كلفوا منعهم من المراد وأن ينطقوا في ذلك بالصواب، فضلوا بالخطأ في نسبهم إياهم إلى الضلال، فكانوا ألوم منهم لو اخطئوا فيه، وقد كلفوا الاجتهاد.
ثم قال {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} معناه إن يوم القيامة الذي يجازي الله تعالى كل احد على عمله فيجازي المؤمن بالثواب والنعيم، ويجازي الكافر بالعذاب والجحيم، ففي ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار، كما كان الكفار يضحكون من المؤمنين في الدنيا، وقيل الوجه في ضحك أهل الجنة من أهل النار أنهم لما كانوا أعداء الله تعالى وأعداءهم جعل لهم سروراً في تعذيبهم ولو كان العفو قد وقع عنهم لم يجز أن يجعل السرور في ذلك، لانه مضمن بالعداوة وقد زالت بالعفو.
وقوله {على الأرائك ينظرون} معناه إن المؤمنين على سرر في الحجال واحدها أريكة ينتظرون ما يفعله الله بهم من الثواب والنعيم في كل حال، وما ينزل بالكفار من اليم العقاب وشديد النكال.
ثم قال {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} وقيل في معناه قولان:
احدهما - هل جوزي الكفار إذا فعل بهم هذا الذي ذكر بما كانوا يفعلون.
الثاني - ينظرون هل جوزي الكفار، فيكون موضعه نصباً بـ {ينظرون} والاول استئناف لا موضع له. وإنما قال "هل ثوب" لأن الثواب في أصل اللغة الجزاء الذي يرجع على العامل بعمله، وإن كان الجزاء بالنعيم على الاعمال في العرف، يقال: ثاب الماء يثوب ثوباً إذا رجع، وثاب اليه عقله إذا رجع. ومنه التثاؤب. وقال قوم: يقول المؤمنون بعضهم لبعض: هل جوزي الكفار ما كانوا يفعلون سروراً بما ينزل بهم. ويجوز أن يكون ذلك من قول الله أو قول الملائكة للمؤمنين تنبيهاً لهم على أنه جوزي الكفار على كفرهم وسخريتهم بالمؤمنين وهزئهم، بأنواع العذاب ليزدادوا بذلك سروراً إلى سرورهم.