التفاسير

< >
عرض

وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ
١
ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
٢
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
٣
أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ
٤
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ
٥
يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٦
-المطففين

التبيان الجامع لعلوم القرآن

{ويل} كلمة موضوعة للوعيد والتهديد، ويقال ذلك لمن وقع في هلاك وعقاب. وقيل: إن ويلا واد في جهنم قعره سبعون سنة. وقيل {ويل} دعاء عليهم. وقال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلا إلى أن انزل الله تعالى {ويل للمطففين} فاحسنوا الكيل، فهدد الله تعالى بهذا الخطاب كل من بخس غيره حقه ونقصه ماله من مكيل او موزون، فالمطفف المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. والطفيف النزر القليل، وهو مأخوذ من طف الشيء وهو جانبه، والتطفيف التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن، وأما التنقيص في ما يرجع إلى مقدار الحق فلا يكون تطفيفاً، ولفظة (المطفف) صفة ذم لا تطلق على من طفف شيئاً يسيراً إلى أن يصير إلى حال تتفاحش، وفي الناس من قال: لا يطلق حتى يطفف أقل ما يجب فيه القطع في السرقة، لانه المقطوع على أنه كبيرة.
وقوله {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} فالاكتيال الاخذ بالكيل ونظيره الاتزان وهو الاخذ بالوزن، والاعتداد الاخذ بالعدد، يقال: اكتان يكتال اكتيالا، وكاله يكيله كيلا وكايله مكايلة وتكايل تكايلا، وإنما ذكر في الذم {إذا اكتالوا على الناس يستوفون} ليبين منزلتهم في تعدي الحق بأنهم لم ينقصوا الناس عن طريق مسامحة يعاملون الناس بمثل ذلك بل على محض الظلم في البخس ويقال: اكتالوا ما عليهم بمعنى اخذوا ما عليهم، واكتالوا منهم أى استوفوا منهم. وقيل: على الناس، فكنى عنهم. وقوله {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} كان عيسى ابن عمر يجعل (هم) فصلا في موضع رفع بمعنى الفاعل. والباقون يجعلونه في موضع نصب، وهو الصحيح، وهو قول اكثر المفسرين. وأهل الحجاز يقولون: وزنتك حقك وكلتك طعامك. وغيرهم يقولون: كالوا لهم ووزنوا لهم، وفي الكتاب {كالوهم أو وزنوهم} بلا الف. ومن قال تقديره: كالوا لهم أو وزنوا لهم، قال حذف (لهم) للايجاز من غير اخلال بالمعنى، ويقال أخسر وخسر لغتان إذا نقص الحق.
وقوله {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} تبكيت للكافر ولكل ظالم وباخس حق غيره في صورة الاستفهام. و (الظن) ها هنا بمعنى العلم، وتقديره ألا يعلم انه يبعث يوم القيامة ويجازى على افعاله من طاعة او معصية فيجازى بحسبها في اليوم الذى وصفه بأنه يوم عظيم. ويحتمل أن يكون المراد بالظن الحسبان ايضاً من ظن الجزاء والبعث وقوي في نفسه ذلك، وإن لم يكن عالماً يجب عليه أن يتحرز ويجتنب المعاصي خوفاً من العقاب الذى يجوزه ويظنه، كما أن من ظن العطب في سلوك طريق وجب أن يتجنب السلوك فيه. قال البلخي: قال قوم: المعنى افما يوقنون انهم مبعوثون، جعله خطاباً للمؤمنين المصدقين بالبعث. ثم زاد في صفة يوم القيامة الذي وصفه بأنه يوم عظيم وبينه فقال {يوم يقوم الناس لرب العالمين} أي يوم يبعثون يوم تقوم الناس من قبورهم ويجتمعون في ارض المحشر، وإنما يقومون من قبورهم الى ارض المحشر لجزاء رب العالمين، وحذف ذلك للدلالة عليه، ويحتمل {يوم يقوم} ثلاث أوجه: النصب على ذلك اليوم يقوم او مبعوثون يوم يقوم. والرفع على الاستئناف، والجر على البدل من {ليوم عظيم} وقال قتادة: يقومون مقدار ثلثمائة سنة ويقصر على المؤمنين حتى يكون كأحدى صلاة المكتوبة، وروي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله ان أحدهم ليغيب في رشجه الى انصاف أذنيه.