التفاسير

< >
عرض

وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ
١
وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ
٢
وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
٣
قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ
٤
ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ
٥
إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ
٦
وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ
٧
وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ
٨
ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ
١٠
-البروج

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قوله: {والسماء ذات البروج} قسم من الله تعالى بالسماء، ومنهم من قال تقديره برب السماء. وقد بينا ما فى ذلك فى غير موضع. ثم وصف السماء بأنها ذات البروج. فالبروج المنازل العالية. والمراد - ها هنا - منازل الشمس والقمر - في قول المفسرين - ومثل ذلك قوله { ولو كنتم في بروج مشيدة } أى فى منازل عالية. وقيل: السماء اثنى عشر برجاً يسير القمر فى كل برج منها يومين وثلثاً، فذلك ثمانية وعشرون منزلا. ثم يستتر ليلتين، ومسير الشمس فى كل برج منها شهر. وقيل: البروج النجوم التي هي منازل الشمس والقمر.
وقوله {واليوم الموعود} قسم آخر بهذا اليوم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه اليوم الذى يجازى فيه ويفصل فيه القضاء، وهو يوم القيامة - وهو قول الحسن وقتادة وابن زيذ -.
قوله {وشاهد ومشهود} قسم آخر بالشاهد والمشهود، فالشاهد النبي صلى الله عليه وآله والمشهود يوم القيامة - في قول الحسن بن علي عليه السلام وتلا قوله
{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } وقال { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، وفي رواية اخرى عن ابن عباس إن الشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة. وقال قتادة: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وقال الجبائي: الشاهد هم الذين يشهدون على الخلائق، والمشهود هم الذين يشهدون عليهم، قال: ويجوز أن يكون المراد المدركين والمدركات. وجواب القسم محذوف، وتقديره الأمر حق فى الجزاء على الاعمال. وقيل الجواب قوله {قتل أصحاب الأخدود} وقال الأخفش: يجوز أن يكون على التقديم والتأخير، وتقديره {قتل أصحاب الأخدود.. والسماء ذات البروج} وقوله {قتل أصحاب الأخدود} معناه لعن. وقيل لعنوا بتحريقهم فى الدنيا قبل الآخرة. وقال الجبائي: يحتمل أن يكون المعنى بذلك القاتلين، ويحتمل أن يكون المقتولين، فاذا حمل على القاتلين، فمعناه لعنوا بما فعلوه من قتل المؤمنين وإن حمل على المقتولين، فالمعنى انهم قتلوا بالاحراق بالنار. وذكر الله هؤلاء. المؤمنين بحسن بصيرتهم فى الصبر على دينهم حتى أحرقوا بالنار، لا يعطون التقية بالرجوع عن الايمان. والاخدود هو الشق العظيم في الارض، ومنه ما روي في معجزة النبي صلى الله عليه وآله أن الشجرة دعاها النبي صلى الله عليه وآله فجعلت تخد الأرض خداً، حتى اتته. ومنه الخد لمجاري الدموع. والمخدة لوضع الخد عليها، وتخدد لحمه إذا صار فيه طرائق كالشقوق.
وقوله {النار ذات الوقود} فجرّ النار على البدل من الاخدود، وهو بدل الاشتمال، ووصفها بأنها ذات الوقود، فالوقود - بفتح الواو - ما يشعل من الحطب وغيره - وبضم الواو - الايقاد. وإنما وصفها بأنها ذات الوقود مع ان كل نار ذات وقود لامرين:
أحدهما - انه قد يكون نار ليست ذات وقود كنار الحجر ونار الكبد.
والثاني - انه أراد بذلك وقوداً مخصوصاً، لانه معروف، فكأنه أراد الوقود بأبدان الناس، كما قال
{ وقودها الناس والحجارة } } وقوله {إذ هم عليها قعود} أي حين هم قعود عليها أي بالقرب منها، وقال الربيع بن أنس: الكفار الذين كانوا قعوداً على النار خرج لسان منها فأحرقهم عن آخرهم. وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام (أنهم كانوا من المجوس) وقال الضحاك: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: كانوا من اليمين. ومعناه هم عليها قعود حين كان أولئك الكفار قعوداً عند النار. والقعود جمع قاعد كقولك: شاهد وشهود، وراكع وركوع، والقعود أيضاً مصدر قعد يقعد قعوداً.
وقوله {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} أي حضور على مشاهدتهم لهم، فكل حاضر على ما شاهده إما بسمع أو بصر، فهو شاهد. والمشاهد هو المدرك بحاسة.
وقوله {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} معناه انه لم ينقم هؤلاء الكفار من أولئك المؤمنين الذين أحرقوهم بالنار إلا لايمانهم بالله تعالى القاهر الذى لا يُقهر {الحميد} فى جميع أفعاله، فالنقمة ايجاب مضرة على حال مذمومة. ونقيض النقمة النعمة، فهؤلاء الجهال نقموا حال الايمان، لانهم جعلوها بجهلهم حالا مذمومة قال الشاعر:

ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا

والداعي لهم إلى ان ينقموا من الايمان الجهل والخلاف، لأن ما سبقوا اليه من الجهل يدعوهم إلى عداوة من خالفهم وسخف آرائهم، وإن ذلك يفسد عليهم ملكهم. ويصرف الوجوه عنهم.
وقوله {الذي له ملك السماوات والأرض} صفة {العزيز الحميد} والمعنى إن هؤلاء الكفار نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله تعالى العزيز، ومعناه القاهر الذي لا يغالب الحميد ومعناه المستحق للحمد على جميع أفعاله {الذي له ملك السماوات والأرض} ومعناه له التصرف فى السموات والارض ولا اعتراض لاحد عليه. ثم قال {والله على كل شيء شهيد} أي عالم بجميعه لا يخفى عليه شيء من ذلك.
وقوله {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} قال ابن عباس وقتادة والضحاك: حرقوهم بالنار {ثم لم يتوبوا} إنما شرط عدم التوبة، لانهم لو تابوا لما توجه اليهم الوعيد، وإن لم يتوبوا توجه اليهم الوعيد بقوله {فلهم عذاب جهنم} يعني في الآخرة {ولهم عذاب الحريق} في الدنيا - في قول الربيع - قال الفراء: لما خدّدوا للمؤمنين الاخاديد وطرحوا فيها النار وطرحوا فيها المؤمنين أرتفعت النار عليهم، فاحرقتهم فرق الاخاديد ونجا المؤمنون.
وقال قوم {إن الذين فتنوا المؤمنين} جواب القسم في أول السورة، وهذا غير صحيح، لان الكلام قد طال وانقطع بالاخبار ما بينها، وقال الزجاج: لهم عذاب بكفرهم، وعذاب باحراقهم المؤمنين.