التفاسير

< >
عرض

فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ
١١
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ
١٢
فَكُّ رَقَبَةٍ
١٣
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
١٤
يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ
١٥
أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ
١٦
ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ
١٧
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ
١٨
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ
١٩
عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ
٢٠
-البلد

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي {فك رقبة أو إطعم في يوم ذي مسغبة} بغير الف على انه فعل ماض. الباقون {فك رقبة} على الاضافة ويكون الاضافة إلى مفعول {أو إطعام} فوجه الأول قوله {فلا اقتحم العقبة فك رقبة} الثاني أنه على جواب و {ما أدراك ما العقبة} فيكون الجواب بالاسم وتلخيصه هلا اقتحم العقبة ولا يجوز الصراط إلا من كان بهذه الصفة يفك رقبة او يطعم يتيماً فى يوم ذي مسغبة مجاعة، فلا اقتحم بمعنى لم، كما قال { فلا صدق ولا صلى } ومعناه لم يصدق ولم يصل، وإنما لم يكرر (لا) لان معنا {ثم كان من الذين آمنوا} يدل على انه لم يقتحم ولم يؤمن، وقرأ ابو عمرو وحمزة وحفص وخلف {مؤصدة} بالهمز. الباقون بغير همز وهما لغتان، يقال: أصدت الباب اوصده إيصاداً فهو مؤصد بالهمز، وأوصدته فهو موصد بغير همز. والوصيد الباب من أوصدت.
لما نبه الله تعالى الانسان على وحدانيته وإخلاص عبادته بقوله {ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين} وما فيهما من الدلالة على قدرته وعلمه وانه هدى الانسان طريق الخير والشر ورغبه فى اتباع الخير وزجره عن إتباع الشر، قال حاثاً له على فعل الخير بقوله {فلا اقتحم العقبة} قال الحسن: عقبة - والله شديدة - مجاهدة الانسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان، ولم يكرر (لا) في اللفظ، وهي بمنزلة المكرر في المعنى كأنه قال: أفلا اقتحم العقبة وحذف الاستفهام، والمراد به التنبيه، والاقتحام الدخول على الشدة يقال اقتحم اقتحاماً، واقحم إقحاماً وتقحم تقحماً وقحم تقحيماً ونظيره الادخال والايلاج. والمعنى هلا دخل في البر على صعوبة كصعوبة اقتحام العقبة، والعقبة الطريقة التى ترتقى على صعوبة ويحتاج فيها إلى معاقبة الشدة بالتضييق والمخاطرة، وقيل: العقبة النتئة الضيقة في رأس الجبل يتعاقبها الناس، فشبهت بها العقبة في وجوه البر التى ذكرها الله تعالى. وعاقب الرجل صاحبه إذا صار في موضعه بدلا منه. وقال قتادة: فلا اقتحم العقبة إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله. وقال أبو عبيدة: معناه فلم يقتحم في الدنيا.
ثم فسر العقبة فقال {وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة} وتقديره إقتحام العقبة فك رقبة، لان العقبة جثة والفك حدث، فلا يكون خبراً عن جثة. قال ابو علي و (لا) إذا كانت بمعنى (لم) لم يلزم تكرارها.
ثم بين تعالى ما به يكون اقتحام العقبة فقال {فك رقبة} فالفك فرق يزيل المنع، ويمكن معه أمر لم يكن ممكناً قبل، كفك القيد والغل، لانه يزول به المنع، ويمكن به تصرف في الارض لم يكن قبل، ففك الرقبة فرق بينها وبين حال الرق بايجاب الحرية وإبطال العبودية. وقوله {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} فالمسغبة المجاعة سغب يسغب سغباً إذا جاع، فهو ساغب قال جرير:

تعلل وهي ساغبة بنيها بأنفاس من الشبم القراح

وقوله {يتيماً} نصب بـ {إطعام} في قراءة من نون نصبه بالمصدر. ومن قرأ على الفعل الماضي نصبه به، فهو مفعول به في الحالين، واليتيم الصبي الذي قد مات ابوه وأمه، والاغلب في اليتيم من الأب في الناس. وقوله {ذا مقربة} معناه ذا قرابة، ولا يقال: فلان قرابتي وإنما يقال ذو قرابتي، لانه مصدر، كما قال الشاعر:

يبكى الغريب عليه حين يعرفه وذو قرابته في الناس مسرور

وقوله {أو مسكيناً} عطف على يتيماً. و {ذا متربة} معناه ذا حاجة شديدة من قولهم: ترب الرجل إذا افتقر - في قول ابن عباس - أيضاً ومجاهد، يقال: أترب الرجل إذا استغنى، وترب إذا افتقر.
وقوله {ثم كان من الذين آمنوا} معناه كان الانسان من جملة المؤمنين إذا فعل ذلك وعقد الايمان، ثم أقام على إيمانه {وتواصوا} أي وصى بعضهم بعضاً {بالصبر} على الشدائد والمحن والمصائب {وتواصوا} أيضاً {بالمرحمة} أي وصى بعضهم بعضاً بأن يرحموا الفقراء وذوي المسكنة.
وقوله {أولئك أصحاب الميمنة} معناه إنهم متى فعلوا ذلك كانوا أصحاب الميمنة الذين يعطون كتابهم بأيمانهم أو يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، والميمنة اليمن والبركة، والمرحمة حال الرحمة.
وقوله {والذين كفروا بآياتنا} معناه إن الذين يجحدون نعم الله ويكذبون أنبياءه {هم أصحاب المشأمة} أي ذات الشمال فيؤخذ بهم الى النار، ويعطون كتابهم بشمالهم، واشتقاقه من الشؤم خلاف البركة {عليهم نار مؤصدة} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: معناه عليهم نار مطبقة.