التفاسير

< >
عرض

إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا
١
وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا
٢
وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا
٣
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا
٤
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا
٥
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ
٦
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
٧
وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ
٨
-الزلزلة

التبيان الجامع لعلوم القرآن

قرأ عاصم في رواية أبان عنه {خيراً يره وشرّاً يره} بضم الياء فيهما بمعنى انه يريه غيره. الباقون بفتح الياء بمعنى أنه يراه ويبصره. وقرأ ابن عامر - في رواية هشام - وابن عامر والكسائي عن أبي بكر - بسكون الهاء - في قوله {خيراً يره، وشراً يره} الباقون بالاشباع فيهما. قال ابو علي: الاشباع هو الأصل، وهو الوجه، كما تقول: اكرمهو، وضربهو. وإنما يجوز إسكانها في الشعر. وقد حكى ابو الحسن أنها لغة رديئة فمن سكن فعلى هذه اللغة. وقرأ ابو جعفر من طريق ابن العلاف وروح - بضم الياء - من غير صلة بواو فيهما وقد بينا الوجه فيه.
يقول الله تعالى مخوفاً لعباده أهوال يوم القيامة ومنذراً لهم بالآيات الباهرة بأن قال {إذا زلزلت الأرض زالزالها} فالزلزلة شدة الاضطراب بما يهدم البنيان زلزل يزلزل زلزالا، فكأنه مكرر (زل، يزل) للتكثير والتعظيم، والزلزال - بكسر الزاي - المصدر، وبالفتح الاسم. وقال الحسن: زلزلت ورجت ورجفت بمعنى واحد
وقوله {وأخرجت الأرض أثقالها} قال ابن عباس ومجاهد: معناه أخرجت موتاها، وأثقال الارض ما فيها مدفون من الموتى وغيرها، فان الأرض تلفظ بكل ما فيها عند انقضاء أمر الدنيا، وتجديد أمر الآخرة.
وقوله {وقال الإنسان مالها} معناه يقول الانسان: أي شيء اصارها إلى هذه الحالة التي ترى بها، يقول الانسان ذلك متعجباً من عظم شأنها وأنه لأمر عظيم لفظت بما فيها، وتخلت من جميع الامور التي استودعها. وقوله {يومئذ تحدث أخبارها} قيل معناه يظهر بالدليل الذي يجعله الله فيها ما يقوم مقام اخبارها بأن أمر الدنيا قد انقضى وأمر الآخرة قد أتى، وانه لا بد من الجزاء وأن الفوز لمن اتقى وأن النار لمن عصى. وقيل: معناه تحدث أخبارها بمن عصا عليها إما بأن يقلبها حيواناً قادراً على الكلام فتتكلم بذلك أو يحدث الله تعالى الكلام فيها، ونسبه اليها مجازاً او يظهر فيها ما يقوم مقام الكلام فعبر عنه بالكلام، كما قال الشاعر:

امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويداً قد ملأت بطني

وقال آخر:

وقالت له العينان سمعاً وطاعة

ويقولون عيناك تشهد لسهرك، وغير ذلك مما قد مضى نظائره. وقال ابن مسعود: الارض تتكلم يومئذ، فتقول أمرني الله بهذا. وقوله {بأن ربك أوحى لها} معناه إن الارض تحدث بهذا، فتقول: إن ربك يا محمد أوحى اليها. قال العجاج:

وحى لها القرار فاستقرت

أي أوحى اليها بمعنى القى اليها من جهة تخفى يقال: أوحى ووحى بمعنى واحد، ثم قال تعالى {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم} اخبار من الله تعالى بأن ذلك اليوم يصدر الناس أشتاتاً أي مختلفين {ليروا أعمالهم} أي ليجازوا على أعمالهم او ليريهم الله جزاء أعمالهم. وقيل: معنى رؤية الأعمال المعرفة بها عند تلك الحال، وهي رؤية القلب، ويجوز أن يكون التأويل على رؤية العين بمعنى ليروا صحائف أعمالهم يقرؤن ما فيها لقوله {وقالوا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} وقيل ليروا جزاء اعمالهم حسب ما قدمناه. وقيل يرى الكافر حسناته فيتحسر عليها، لانها محبطة، ويرى المحسن سيئاته مكفرة وحسناته مثبتة
ثم قال تعالى على وجه الوعيد {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} قال ابو عبيدة: مثقال ذرة شراً يره أي يرى ما يستحق عليه من العقاب، ويمكن أن يستدل بذلك على بطلان الاحباط، لان عموم الآية يدل أنه لا يفعل شيئاً من طاعة أو معصية إلا ويجازى عليها وعلى مذهب القائلين بالاحباط بخلاف ذلك، فان ما يقع محبطاً لا يجازى عليه ولا يدل على أنه لا يجوز أن يعفى عن مرتكب كبيرة، لأن الآية مخصوصة بلا خلاف، لأنه ان تاب عفى عنه وقد شرطوا أن لا يكون معصية صغيرة، فاذا شرطوا الامرين جاز أن نخص من يعفو الله عنه.