التفاسير

< >
عرض

قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٣٨
وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٣٩
-البقرة

تفسير صدر المتألهين

لا بدّ في تكرار الأمرْ بالهبوط من نكتةٍ فذكَروا في ذلك وجهين:
أحدهما: قول الجبائي، وهو إنّ الهبوط الأوّل غير الثاني، فالأوّل كان من الجنّة إلى سماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض.
الوجه الثاني: إنّ التكرار للتأكيد.
واعترض الإمام الرازي على أوّل الوجهين من وجهين:
أحدهما: إنّه قال في الهبوط الأوّل:
{ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } [البقرة:36]. فلو كان الاستقرار في الأرض إنّما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكرُه عقيبَ الأمر بالثاني أولى.
وثانيهما: إنّ ضمير {ٱهْبِطُواْ مِنْهَا} عائدٌ إلى الجنة: وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنّة.
أقول: للمناقشة في كِلا البحثين مجالٌ:
أما الأوّل: فإنّ الاستقرار المذكور وإن لم يحصل إلاّ بعد الهبوط الثاني، لكن يجوز ذكره سابقاً عليه لفوائد أُخرى كالتشديد، والمبالغة في الاخراج، كمَن يقول لأحد يريد اخراجه من داره "أُخرُج فإنّك لا تليقُ بهذه الدار، ومكانك ينبغي أن يكون في بلاد الهند".
ويؤيّد قولَ الجبائي ما ورَد في حكاية آدم وخروجه من الجنّة أنَّه "لما أُمر بالخروج أتى إلى باب الجنة ليخرج منها، فلمّا أراد أن يضعَ قَدمَه خارجاً قال {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فلمَّا سمع جبرائيل منه أوقفَه انتظاراً للرحمة، فقال "إِلهي ارحم عليه، فقد ذكَر كلمةً عظيمة" فأعاد الله الأمر بالهبوط، ونبَّه على أنّ له في هذا الأمر رحمة آجلة أعظم وأوسع من هذه الرحمة العاجلة" فالقصّة دالّة على أنّه وقَع لآدم وقفة في سور الجنّة المضروب بينها وبين سماء الدنيا.
والمراد من السماء الدنيا على طريقة التوصيف مجموع عالَم السماء، لأنّها بالقياس إلى الجنّة دانية، فالأمر بالهبوط الثاني كان متعلّقاً بنزول آدم من السماء إلى الأرض بعد خروجه من الجنّة بالأمر الأوّل إلى بابها الذي هو في عالَم السماء.
وأمّا الثاني: فعودُ الضمير إلى الجنّة إنما وقَع لأنّ ابتداء الهبوط كان منها، وليس قوله {مِنْهَا} داخلاً في المأمور به.
ثمّ قال: "وَعندي وجهٌ ثالث أقوى من الوجهين، وهو أنّ آدمَ وحواء لما أتيا بالزلّة أُمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط. فأعاد الله الأمر بالهبوط مرّة ثانية ليعلما أنَّ الأمر بالهبوط ما كان جزاءً على ارتكاب الزلّة حتى يزول بزوالها، بل هو باقٍ بعد التوبة، لأنّ الأمر بالهبوط كان تحقيقاً للوعد المتقدّم في قوله:
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة:30].
وقيل: سبب التكرار اختلاف المقصود في الأمرين. فإنّ الأوّل: دلّ على أنّ هبوطَهم إلى دار بليّة يتعادون فيها ولا يخلّدون، والثاني: أشعر بأنّهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى نجا، ومن ضلّ هلك، كما يقال: "اذهبْ سالماً معافياً، اذهبْ مصاحباً" وإن كان الذهاب واحداً لاختلاف الحالين.
وهاهنا وجهٌ آخر، وهو أنّه يحتمل أن يكون الهبوط الأوّل إلى البدن، والهبوط الثاني إلى الدنيا. ومنشأ الأوّل حاجةُ النفس لتكميلها إلى قواها، ودواعيها، كالشهوة، والغضب التي في البدن، ومنشأ الثاني حاجتُها بواسطة تكميل البدن ومنافعه ومضارّه إلى الأمور الخارجة عنه.
وممّا رُوي في الأخبار والحكايات: أنَّ آدم (عليه السلام) أهبط بالهند وحوّاء بجدّة، وإبليس بموضع من البصرة، والحيَّة باصبهان.
إشارةٌ قرآنيةٌ
كراهيّة الإنسان للهبوط ثمّ للعروج
ثمّ إنّ في الآية اشعاراً لطيفاً بأعجب أحوال الإنسان، فإنّ من عجيب أحواله أنَّ مفارقتَه عالَم القدس والرحمة، وبُعدَه عن درجة المقربين، وهبوطَه إلى دار الدنيا، كان صعْباً عليه في أول الأمْر بمقتضى صفائه الذاتي، وفطرته الأصلي، ولم يرض بالكون في هذا العالَم بل استكرهه واستوحشَه، حتّى صدَر الأمْر بهبوطه مرّة بعد أولى، ثمّ إذا وقع في هذه الدار - دار الغربة والوحشة - ومضَت عليه بُرهةٌ من الزمان، نسي موطنه الأصلي، وداره، وأحبَّاءه الذين صحِبهم فيها، وألِف هذا المنزل وتثبَّط فيه، وكره الخروجَ منه، واستأنسَ بأهل الدنيا، واستصعب مفارقتَهم.
وللشيخ أبي علي بن سينا قصيدةٌ يومئ إلى هذا المعنى وإلى بعض أحوال النفس من تجرّدها وتعلّقها، هذه بعض أبياتها قال:

هَبطتْ إليكَ مِن المحلِّ الأرفَع وَرْقاءُ ذات تعزّزٍ وتمنُّعِ
محجوبة عن كلِّ مقلةِ عارفٍ وهي التي سفرَت ولم تَتبرقَعِ
وصَلتْ على كُرهٍ إليكَ وربَّما كَرِهتْ فراقَكَ وهي ذاتُ تفجُّعِ
أنِفتْ وما سكَنتْ فلمّا واصَلتْ كَرِهتْ مُفارقةَ الخَرابِ البلقَعِ
وأظنُّها نَسيتْ عُهوداً بالحمى ومَنازلاً بفراقِها لمْ تقنَعِ

و "المحلُّ الأرفع". هو العالَم الأعلى النوري المجرّد بالكلّية عن ملابسَة الأجساد، وهو أرفع درجةً ومكانةً من عالَم الجنان، لأنّ الجنّة جسمانيّة، وعالَم النور المحض مجرّد عقلي.
وقد سبق أنَّ النفس الآدمية كان معدنها الأصلي أوّلاً عالَم العلم الإلهي، والقضاء الربّاني حيث كان مقدّراً في علمه تعالى، أنّه جاعلٌ في الأرض خليفة، والعلْم بالشيء هو نحوٌ من وجود ذلك الشيء، ثمّ نشأت بقدرته تعالى في عالَم الأرواح العقلية حينما صارت منفوخاً فيها روح الله، ومسجوداً لملائكته، ثمّ سكنت بأمر الله في الجنة، وتناولت من ثمارها وأشجارها، ثمّ هبطت بعد ذلك إلى القالَب، وبالقالَب إلى هذا العالَم.
و "الوَرقاء" حمامة خضراء يشبه لونها لونَ السماء. شبَّه النفسَ الإنسانية بالورقاء لكثرة استئناسها بصورة الإنسان، وشدّة ميلها بالعود إلى المحلّ المعتاد الذي يتحقّق به المعاد، وأصل التشبيه لها بالطير مطلقاً لصفة تجرّدها عن البدن، وهو بمنزلة القفَص للطير، والمشابهة لصفة الطيران. وإنّما شبّهت بالطائر الأخضر اشعاراً بأنّها من عالَم السماء وقد ورَد في الحديث:
"إنّ الأرواح بعد البدن تكون في قوالِب طيور خُضر" وورَد أيضاً في الحديث: "إنّها في قناديل معلّقة تحت العرش
"
. ويمكن أن يكون المراد بالأرواح ما هو أرفع من النفوس، وهي العقول. والمراد من الطيور الخُضر النفوسُ التي في عالَم البرزخ، ومن القناديل المعلّقة تحت العرش ما هي بمنزلة الأبدان هناك، وهي المُثُل المعلّقة في عالَم الأشباح المثاليّة.
و "الكاف" في قوله: "إليكَ" إن أريد بها نفسك، فالمراد من "الورقاء" الروح. ومن "المحلّ الأرفع" عالَم القدس العقلي، وإن أريد بها بدنُك، فالورقاء هي النفس، والمحلّ الأرفع هو عالَم الجنّة، والثاني أنسب بما بعده.
و "السفر" في قوله: "سفَرت" كشفُ الوجه. و "التبرقُع" ستْرُه. وتقديم لفظ "الكلّ" عليها لرعاية الوزن. والمراد منه: أن النفسَ لتجرّدها محجوبةٌ، متبرقعةٌ عن الأبصار، ولنوريّتها واسفرار وجهِها مكشوفة، على البصائر و "هي ذات تفجُّع" أي: ذات جزع وفزع.
و "البَلقَع" أي: الخالي. والمراد به عالَم الأجسام، لخلوّها في نفسها عن الصوَر والهيآت، لأنّها فائضة عليها من عالَم العقل والنفْس. أو البدن فإنّه من حيث هو خراب خالٍ عن القوى الروحانيّة، والنفسانيّة.
وحاصل القول: أنَّ العناية الإلهيّة قد جرت في الأزل وتعلّقت بهبوط النفس الإنسانيّة من عالَم الأرفع النوري إلى الهيكل المزاجي الانسي، بواسطة وجود الاعتدال فيه، الذي هو ضرب من الوحدة الحقيقيّة وظلٌّ منها.
فنزلت النفس من جوّ الفضاء العقلي، والمصعد الأعلى السماوي إلى مستوكر البدن الظلماني على سبيل الكراهة والصعوبة، لأنّ مفارقة الوطن الأصلي - سيّما عالَم القدس النوري - تكون صعبةً، ومجاورة الأضداد والأعداء أصعب منها. لكن بحكم التقدير الأزلي والقضاء الإلهي - حيث لا مردّ لقضائه ولا مانِع لحُكمه - فارقَت العالَم الأعلى كُرهاً وتعلّقت بالمستوكر الأدنى جبراً وقهراً. وانفصلَت عن الطهارات والتقدّسات الروحيّة النوريّة، وتعلّقت بالأدناس، والألواث البدنيّة، والقاذورات الطبيعيّة وهبطتْ في مقر السعير الظُّلماني، ومهوى الحضيض الجسماني، والجحيم النفساني، مقيّدة بالسلاسل والأغلال في سجون التعلّقات، أسيرةً بأيدي الشياطين والأغوال لشجون الأوهام والخيالات، محترقة بنيران الشهوات، ملسوعة بسموم العقارب والحيّات.
فلمّا قيّدت كالحمامة بشبكة البدن وحبوب القوى، أنِستْ بها بعد ما كَرهتْها وألِفت بها بعدما أنِفَت، ونسيتْ عالَمها بعد ما ذكَرت، كما قال تعالى:
{ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [طه:115]. وقوله: { نَسُواْ ٱلذِّكْرَ } [الفرقان:18]. وقوله: { نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة:67]. ورضيت بهذه الحياة الدنيا واطمئنّت بها ويئسَت من الآخرة، وأخلَدتْ إلى الأرض، واتَّبعت هواها، كما قال تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } [يونس:7]. وقال: { يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ } [الممتحنة:13].
فلمَّا جهل أبناء الدنيا عن أحوال الآخرة ومقاماتها، اشتغلوا عند ذلك بطلب الدنيا، ونعيمها، ولذّاتها، وشهواتها، وتمنّوا الخلود فيها، لأنّها محسوسة لهم يشاهدونها بحواسّهم - وتلك الدار ونعيمها ولذّاتها ومشتهياتها غائبة عنهم وعن ادراك حواسّهم - فتركوا البحث عنها، والرغبة فيها، والطلب لها، والسعي إلى ذكْر الله وذكْر الآخرة، فلا جرم احتاجت عند ذلك نفوسُهم إلى من يذكّرها العهد القديم، ويجدّد عليها الذكْر الحكيم، ويشوقها إلى ما عند الله، ويسوقها من دار الدنيا إلى الدار الآخرة.
فالرحمة الإلهيّة أجادت بإرسال الرسل إليها، وإنزال الكتب عليها، فمنهم مَن آمن لبقاء نور الفطرة في قلبِه، ومنهم من صدَّ عنه لانطماس نور فطرته ومسخه، وتراكم الظلمة على قلبه، واسوداده بالمعاصي، ولذلك قال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} الآيتين.
فصل
سرّ الاتيان هنا بحرف الشكّ
"إنْ" للشرط، و "مَا" مزيدةٌ أكّدت بها إن، ولهذا حسُن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب، وجواب الشرط الأوّل الشرط الثاني مع جوابه، كقولك: "إن جئتَني، فإن قدرتُ أحسنتُ إليك" والمعنى: "إن يأتينّكم منّي هدىً بإنزال أو إرسال فمَن تبعَه منكُم نجَا مِن قيْد الدنيا وعذاب الآخرة في الجحيم، وفاز بالجنّة والنعيم، ومن كفر وكذّب بالهدى والآيات فهو من أهل النار والعذاب الدائم، فقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ} - إلى آخره - عطفٌ على الجملة السابقة قسيمٌ لها، فالمجموع بمنزلة قضيّة شرطيّة متّصلة، تاليها بمنزلة منفصلة مانعة الجمع، مركّبة من شرطيّتين متّصلتين.
وإنّما وقع الكلام بحرف الشكّ والتردّد، والحال أنَّ اتيان الهدى إلى كافّة الناس كائنٌ لا محالة، لأن ذلك أمرٌ غير واجب لا لما ذهبت إليه الأشاعرة من نفي الوجوب والايجاب العقليّين بل لدقيقةٍ علميّة هي أنَّ أسباب الأكوان وغاياتها بعضها علل ذاتيّة، وبعضها علل غير ذاتية لتلك الأكوان، ويقال للقسم الثاني: "العلل الاتّفاقية" فكل ما لزم من الصفات والأفعال للأنواع في أوائل طبيعتها الأصلية، وبحسب كمالها الأوّل فهو ناشئٌ من الأسباب الذاتيّة، وكلّ ما لحقها في فطرتها الثانية وبحسب كمالها الثاني، فهو من الأسباب الاتّفاقية كاستعداد مادّة، أو مصادفة حالة غريبة، أو معاونة أمر مبائن.
إذا تقرّر هذا فنقول: إنَّ الإنزال والإرسال، والترغيب والترهيب، والموعد والوَعيد، كلُّها أمور غريبة طاريةٌ على أفراد الإنسان، ليست ناشئة من عللها الذاتيّة المقتضية لأصل ذاتها ووجودها، وإلاّ لَما انفكّ منها واحد من أفراد الناس. نَعم هي تفضّلات واحسانات من قِبل الله إلينا، بعد وجود المبادئ والأسباب الذاتيّة، وإن كان الكلّ من فضله وجودِه، وهي نافلةٌ لوجوده، لكنّ الكلام بعد تحقّق العلل الضروريّة، وإن كانت الاتفاقيّات أيضاً منجرّة إلى أمور ضروريّة، لكونها مستندةً إلى ما في علْم الله وعالَم قضائه الحتمي.
ولكن السبب الذاتي لشيء قد يكون غريباً لشيء آخر وكذا الشيء قد يكون بالنسبة إلى أسبابه القريبة اتّفاقياً، وبالقياس إلى البعيدة لزوميّاً - كما مرّ في مسألة اختيار العبد - وإذا كان الأمر غير ضروريّ حسُن الاتيان به بلفظ دالّ على الامكان والشكّ، فإنّ الشك في التصور بازاء الامكان في الوجود.
ومن هذا يُعلم أن لا يقين في الحوادث والمتغيّرات إلاّ من جهة العلْم بأسبابها الذاتيّة الضروريّة، ولهذا قالت الحكماء: "العلْم بذي السَّبب لا يَحصل إلاّ من جهة العلْم بسببه".
وقال صاحب الكشّاف في وجهِ المجيءِ بكلمة الشكّ: "إنّه للايذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل، وإنزال الكتب، وأنّه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتاباً كان الإيمان به وتوحيده واجباً بما ركّب فيهم من العقول، ونصَب لهم من الأدلّة، ومكّنهم من النظر والاستدلال".
أقول: ما ذكَره يوجب تخصيص الهدى والإرسال والإنزال، وهو تخصيص بغير دليل، لأنّ المراد منه كما ذكَره بعضهم كلّ دلالة وبيان، فيدخل فيه غرائز العقول وقيام الأدلّة، والقُدرة على النظر والاستدلال، وكلّ كلام نزل على كلّ نبي.
فصل
إعلم أنّ الآية تدلُّ على أُمور:
الأوّل: التنبيه على جليل عناية الله وعظيم رحمته في حقّ آدم وذريته. إذ كأنّه يقول: "إنّي وإن أهبطتكم إلى الأرض، وأوقعتُكم إلى الدنيا من المنازل العاليَة فقد، عظمْتُ عليكم الرحمة، وأنعَمت عليكم بما يؤديكم مرة أُخرى إلى الجنّة على وجهٍ أتمّ وأدوم زماناً، وأكثر عدداً، لأنّ آدم وحوّاء لو لم يهبطا إلى الأرض، وبقيا في الجنّة ابتداء من غير ابتلاء، لكان كثيرٌ غير محصور من الكمالات، والخيرات فيهما في حدِّ القوَّة، من غير أن يخرج إلى الفعل - مع امكان الخروج - ولم يدخل معهما في الجنّة أعداد نفوس غير محصورة من أولادهما، فعلم أن خروجهما من الجنّة متضمّن لخيرات كثيرة، ونعَمٍ جليلة لهما ولذرياتهما.
الثاني: إنّه تعالى بيّن أنّ من اتّبع هداه بحقّه عِلماً وعمَلاً - بالاقدام على ما يلزم، والاحجام عمّا يحرم - فإنّه يبلغ إلى منزلة لا يعتريه فيها خوف من المآل، ولا حُزنٌ في الحال. وهذا متضمّن لجميع ما أعدّ الله لأوليائه، لأنّ زوالَ الخوف يتضمّن السلامة من جميع الآفات، وزوالَ الحزن يقتضي الوصول إلى كلّ اللذَّات والمرادات.
لا يقال: هذا يستلزم أن يتساوى جميع أهل الهداية في السعادات، ولا يتفاوت فيها بين الأنبياء والأمَم.
لأنّا نقول: كلُّ واحد من أهل السعادة ينال جميع ما يستلذّه، ويسلم من جميع ما يستكرهه، وهم مع ذلك متفاوتون في السعادات، لتفاوتهم في الشهوات وتفاوت ادراكاتهم للخيرات، وكلّ ينال بقدر قوّة وجوده وعلمه سعادة تليق بحاله وكماله.
الثالث: الآية تدلُّ على أنّ المؤمن المتَّبع للهُدى، المعرِض عن آفة الهوى لا يلحقه خوفٌ أصلاً لا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصْب الموازين، ولا عند الصراط، كما قال سبحانه:
{ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } [الأنبياء:103].
ومنهم مَن استدلّ بعموم قوله:
{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ } [الحج:2]. وسائر العمومات الواقعة في أحوال القيامة وشدائدها، على أنّ أهوالها كما تصل إلى الكفّار والفجّار كذلك تصِل إلى المؤمنين والأخيار.
والجواب: إنّ قوله:
{ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } [الأنبياء:103] خاصٌّ، وقوله: { يَوْمَ تَرَوْنَهَا } [الحج:2] وأمثاله عامٌّ، والخاصّ مقدّمٌ على العامّ عند التعارُض.
والرابع: إنّ الهدى قد يثبت ولا اهتداء، لأنّ الأوّل فعل الله وسنّته، ولا تبديل لسنة الله. والثاني فعْل العبد، وهو في معرض التجدّد والانفكاك. فلذلك قال: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ}.
والخامس: بطلان القول بأنّ المعارف ضروريّة.
السادس: ابطال التقليد فيها، لأنّ الآية دلّت على أنّ الخلاص من الخوف والحزن إنّما يترتّب على اتّباع الهدى، والمقلّد لا يَصدق عليه أنَّه اتّبعَ الهُدى، لأنّ ذلك يتوقّف على البصيرة في المقلّد.
السابع: إنّ بمجرّد اتّباع الهدى يحصل استحقاق الجنّة، لأنّ قلبَ الانسان في نفسه لطهارته الأصليّة صالحٌ للوصول إلى عالَم الجنان، وإنّما عاقتْه عن ذلك كُدورة الظلمات، والجهالات، وثقْل الأوزار، والتعلّقات، وباتّباع الهدى عادَ إلى فطرته الأصليّة مع زيادة نور العلم والعبادة، فيستحقّ الجنّة أتمّ استحقاق.
وقرئ "هديَّ" على لُغة هذيل - بقلْب الألف ياء - وقرأ يعقوب {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} بنصب الفاء في جميع القرآن. والباقون بالرفع والتنوين.
فصل
{وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ} الآية
قد جعل الله الكفر والتكذيب بالآيات في مقابلة الاتّباع للهدى، وعُلم أنَّ المراد من الهدى الآيات، وجَعل الكفار والمكذّبين قسيماً للمؤمنين المتّبعين للآيات، فأوعَد هؤلاء بالعذاب الدائم، والخلود في النار كما وَعَد أُولئك بالأمن من العذاب والحُزن.
و "الآية" في اللُّغة العلامة. ومنه قوله تعالى:
{ عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ } [المائدة:114]. أي: علامة لاجابتك دعاءنا، ويقال للمصنوعات من حيث دلالاتها على وجود الصانع وعلمِه وقدرته، ولكلّ بعض من كتاب الله المتميّز بفصلٍ عنه غيره لدلالته على معرفة من معارف الله.
وهي مشتقّة من "أيّ" لأنّها تُبيّن أيّا مِن أيّ، أو من "أوى إليه" واصلها "أيَة" أو "أَوْية" كتمْرة، فأبدلت عنها على غير قياس أو "أَيْيَة" أو "أَوْيَة" كرَمْكَةَ فأُعلّت أو "آيية" كقائلة. فحذفت الهمزة كذا في البيضاوي.
والمراد من الآيات: المنزَلة - كالكتب والرسل - أو ما يَعمّها والمعقولة. وعند التحقيق مرجعهما واحد، لأن معاني الكتب عين البراهين العقليّة، وذوات الرسل عين مبادئها التي هي عقول بالفعل. والكلّ شواهد الجمال، وآيات العظمة والجلال، والاعراض عن معرفتها، وعن الاهتداء بها يوجِب العذاب والنَّكال، والسقوط عن درجة الكمال، والانحطاط إلى مَهوى الأرذال، ومهبط النزّال.
وأما الكلام في أنّ العذاب هل يَحسن من الله، أم لا؟ وبتقدير حُسنه: هل يحسُن على الدوام، أم لا؟ فقد مرّ ذكره في تفسير قوله:
{ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْْ } [البقرة:7].
واعلم أنَّ الله سبحانه بيَّن حالَ طائفتين من طوائف الناس بحسب العاقبة، لكون كلّ منهما في طرف التضادّ في الآخر إحداهما: الكاملون في السعادة، والأُخرى: الكاملون في الشقاوة، ولم يبيّن حال الأوساط إمّا لأنّ حالهم يُستفاد من أحوال هاتين الطائفتين بوجه، وإمّا لأنّ المقام لا يقتضي تفصيل مراتب الناس بحسب العاقبة، لأنّ الكلام مسوقٌ هاهنا في أحوال مبادئ نشأة الإنسان، وأوائل فطرته، وإنّما انجرَّ إلى ذكر نبذ من أحوال النهاية تبعاً وإجمالاً. والتفصيل فيها موكولٌ إلى مواضع أخرى من القرآن، مثل قوله تعالى:
{ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة:106]. وكقوله: { وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [التوبة:102].
والحق أنَّ الموجبَ للعذاب الدائم ضربٌ من الكفر، وهو الذي يكون مع أهل النفاق المكذّبين المعانِدين، حيث يتركّب فيهم الجهل مع الاستكبار والرسوخ فيه.
وأمّا الكفر بمعنى الصفة العدميّة هي عدم الإيمان بالله ورسوله بواسطة قصور النفس عن درجة هذا الكمال، وانحطاطها عن اكتساب هذا النور، فلا يوجب ذلك إلاّ دوام الكون في النار، وعذاباً أدنى من عذاب أهل الشرك والظلم نعوذ بالله.
وهاهنا آخر الآيات الدالّة على أحوال مبادئ نِعم الله على الإنسان، وكيفيّة تكوّنه أوّلاً في عالَم القدس والأُنس، ونزوله ثانياً من أعلى المراتب إلى أدنى المنازل ليستعدّ بذلك النزول للبلوغ إلى السعادة القصوى، والمملكة العظمى في النهاية.
ويُستفاد منه الدلالة على التوحيد، والنبوّة، والمعاد:
أمّا التوحيد فمن حيث إنّ المبدع المنشئ له في أكمل النشأة، وأحسن التقويم، والمردّد له في محالّ الجبروت، ومنازل الملكوت، والمقلّب له في أطوار الخِلْقة، وأحوال الفطرة، قادرٌ، حكيمٌ، فاطرٌ، عليمٌ، محيطٌ بكلّ شيء، وله الخَلْق والأمْر.
وأمّا الدلالة على النبوّة فمن حيث إنَّ محمداً (صلى الله عليه وآله) أخبرَ عن هذه العلوم الغيبية التي عجزَت عن كُنه ادراكها عقول الحكماء المتفكّرين، وقصرت أفهامُهم عن تحصيلها من ماهيّة الروح الإنسانية، وتردّدها في مكامن الغيب قبل مظاهر الشهادة - من غير تعلّم من أستاذ بشري، بل بوحي إلهي وعلم لدنّي. وهؤلاء بدقّة أفكارهم لم يعلموا من الروح الإنساني إلاّ ما حدث عن مزاج البدن في الشهر الرابع من تكوّن النطفة في الروح، ولم يعلموا من بقائها إلاّ استمرار وجودها على نعتٍ واحد وجوهريّة واحدة، غير مطّلعين على نشآتها السابقة على الكون في الرحم، ولا على تمام نشآتها اللاحقة بعد الموت، وتفاصيلها كالقبرِ والبعثِ، والحشرِ، والصراطِ، والحسابِ، والميزانِ، والجنّةِ، والنارِ والرؤيةِ، واللقاءِ.
وأمّا الدلالة على المعاد فمن حيث إنَّ القادر الذي يخلق بدايات خِلْقة الإنسان لا بدّ وأن يخْلق نهايات خلْقه وغاياته فإنّ كلّ ما له بداية فله نهاية، والإنسان لجامعيّةِ ذاته، وشموله على الطبع، والحسّ، والنفْس، والروح والسرّ المنفوخ، فله بحسب كلّ منها بدايات متتابعة، ونهايات متلاحقة. وهذا بيان برهاني له شرحٌ وتفصيل سيأتي إن شاء الله.
وأمّا ما قيل في اثبات المعاد في مواضع عديدة "إنّه مَن قَدر على خلْق هذه الأشياء ابتداء قَدر على خَلْقها اعادة" فهو بمجرّده لا يثبت وجوب المعاد - بل إمكانه - إلاّ أن يضم إليه سائر الأدلّة.