التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٦
-البقرة

تفسير صدر المتألهين

"إنّ" من الحروف، والحروفُ بما هي حروفٌ، لا أصل لها في العلم، إلاّ انَّ "إنَّ" وأخواتها لمّا شابهت الفعلَ - في عدد بسائطها، وبنائها على الفتح، ولزوم الأسماء، وإعطاء معانيه وخصوصاً المتعدّي في دخولها على اسمين - عملت عملَه الفرعي، وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني ايذاناً بأنّه فرعٌ في العمل دخيل فيه. ومعناها؛ تأكيد النسبة وتحقيقها، ولذلك يتلقّى بها القسم، وتصدّر بها الأجوبة، وتذكر في معرض الشكّ.
روى الأنباري: انّ الكندي المتفلسِف ركب الى المبرّد وقال: إنّي أجد في كلام العرب حشواً؛ أجد العربيَّ يقول: عبدُ الله قائم، ثمّ يقول: إنّ عبد الله قائمٌ، ثمّ يقول؛ إنّ عبد الله لقائم، فقال المبرّد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ.
ففي الأول: إخبارٌ عن قيامه، وفي الثاني: جوابٌ عن سؤال سائل، وفي الثالث: جوابٌ عن إنكار منكرٍ لقيامه.
وتعريف الموصول إمّا للعهد، إذا كان إشارة الى جماعة معيّنة كأبي جهل وأبي لهب والوليد بن مغيرة وأحبار اليهود، أو للجنس، إذا أُريد به المتناول للمصمّمين على الكفر وغيرهم، فخصّ عنهم غير المصرّين بما اسند إليه.
والكُفْر في اللغة: إخفاء حقّ النعمة. وهو منقولٌ لغويٌ عن الكَفر بالفتح، وهو الستر، ولهذا يقال للزارع: الكافر، وكذا الليل. ولكمام الثمرة: كافور.
وفي عرف الشريعة: إنكار ما عُلم بالضرورة من دين نبيّنا (صلّى الله عليه وآله)، وذلك أنّ كل ما نقل عنه (صلّى الله عليه وآله) انّه ذهب اليه وقال به، فإمّا أن يعرف صحّة ذلك النقل بالضرورة، أو بالاستدلال، أو بخبرٍ الواحد.
أما القِسم الأول - هو الذي علم بالضرورة مجيء الرسول (صلّى الله عليه وآله) به - فمَن صدّقه في جميع ذلك فهو مؤمنٌ، ومن لم يصدّقه في كل ذلك، فإمّا بأن لا يصدّقه في جميعها، أو بأن لا يصدّقه في البعض دون البعض، فذلك هو الكافر، إذا الكفر عدم تصديق الرسول (صلّى الله عليه وآله) في شيء مما علم بالضرورة مجيئُه به.
ومثاله من أنكر وجودَ الصانع، أو كونه عالِماً قادراً مختاراً، أو كونه واحداً منزّهاً عن النقائص والآفات، أو أنكر صحّة نبوّة النبي (صلّى الله عليه وآله)، أو صحة القرآن، أو الشرائع التي علم كونها من دين نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) كوجوب الصلاة والزكاة، وحُرمة الزنا والخمر، فهو كافرٌ لإنكاره ضروريّاً من هذا الدين.
فأما الذي يعرف بالدليل انّه من الدين، مثل عينيّة الصفات له تعالى، أو زيادتها، وكونه تعالى جائز الرؤية أم لا، وكون كلام الله قديماً أو محدَثاً، وكونه خالق أفعال العباد أم لا مما لم ينقل بالتواتر القاطع أحدُ طرفَيه، فليس إنكاره ولا الإقرار به داخلاً في ماهية الإيمان، ولا موجباً للكفر.
والدليل عليه؛ انّه لو كان جزءاً لماهية الإيمان، لوجب أن لا يحكم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بايمان أحدٍ إلاّ بعد أن يعرف انّه هل يعرف الحق في تلك المسألة؛ ولو كان كذلك، لاشتهر قول النبي (صلّى الله عليه وآله) في تلك المسألة بين جميع الأمّة، ولكانَ منقولاً بالتواتر، وليس الأمر كذلك، ونفيُ التالي يوجب نفي المقدّم، فوجب أن لا تكون معرفتها من أجزاء الإيمان ولا إنكارها موجباً للكفر. وأما المنقول بخبر الواحد، فالأمر فيه أظهر.
فهذا تحقيق ماهية الكُفر على قاعدة الإستدلالات الكلاميّة، وظهَر منه انّه يرجع الى الإنكار الباطني، أو عدم التصديق القلبي، فيكون من أعمال القلب كالإيمان، لكونهما متقابلان إما تقابل التضاد، أو تقابل العدَم والمَلَكة كالعلْم والجهْل، فعلى هذا لبس الغبار وشد الزنّار ونحوهما إنّما يسمّى كفراً، لأنّها تدل على تكذيب الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ من آمن بالله وصدّق الرسول، لا يجترئ عليها ظاهراً لا أنها كفر في نفسها كما انّ التزّيي بشعار المسلمين دالٌّ على الإيمان، لا أنّه إيمان.
وأما تحقيق حقيقة الكفر عند العرفاء الذين يعرفون الأمور بالبصيرة الباطنيّة لا بالاستدال الكلامي، فهو انّه عبارة عن الاحتجاب عن نور الإيمان، لما علمت انّ الإيمان الحقيقي نور فائض من الله على القلب، به تنكشف أحوال المبدأ وأسرار المعاد، ولهذا الإيمان قشرٌ وهو إيمان المتكلّم، ولقشرة قشرٌ وهو إيمان العوامّ.
فالكفر الذي يقابله، هو الستر والاحتجاب عن ذلك النور بالكليّة، وهو على ضربين: لأن هذا الاحتجاب: إمّا بأمر وجودي كالظلمة التي تضادّ ذلك النور، وهو الجحود للحقّ والانكار له عدواناً وعناداً، للجهل المركّب الراسخ في النفس، أو بأمر عدمي، هو عبارةٌ عن عدم الإيمان، للجهل البسيط المقابل للعلم تقابُل العدم للمَلَكة.
وقد وقع الفرقُ بين القسمين في كلام الله كثيراً، كما في هذه الآية، والآية التي تتلوها، ولهذا قيل: إنّ المراد ها هنا بقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مشركو مكّة، وصناديد قريش من الذين غلظت طبائِعُهم، وغلبت الكثافةُ والجسميّة على نفوسهم، والختمُ على قلوبهم، فقلوبهم في أكنّة ونفوسهم لم تخرج بعد من القوّة الى الفعل، لعدم المسع الباطني والبصر الباطني لهم.
ونظيره ما قال تعالى:
{ { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [يس:9] الآية.
وقوله:
{ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ } [فصّلت:4 - 5].
والمراد بقوله:
{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } [البقرة:8] رؤساء اليهود وأحبارهم، الذين عانَدوا الحقَّ وأنكروا الآيات وجحَدوها، وكانوا يُخادعون الله ورسوله، وهؤلاء أسوأ حالاً وأردأ مآلاً من المشركين، وسنزيدك ايضاحاً إنشاء الله.
فصل
[الأقوال في حدوث كلامه تعالى]
احتجّت المعتزلة على حدوث كلامه تعالى - سواء كان ألفاظاً بهذه الحروف والأصوات أو شيئاً آخر - بالإخبارات الواقعة في القرآن بصيغة الماضي، الدالّة على تقدّم الواقعة المخبَر عنها بهذه الصيغة عليه، اذ القديم لا يكون مسبوقاً بغيره.
وأجابت الأشاعرة عنه بما هو المشهور عنهم بأنّ التجدّد والمضيَّ والانقضاء وغيرها، كلّها صفة تعلّق الكلام، وحدوث التعلّق لا يوجب حدوثَ الشيء المتعلّق، نظيره في صفة العلم، أنّ الله تعالى كان في الأزل عالماً بأنّ العالَم سيوجد، فلمّا أوجده انقلب العلم بأنّه سيوجد في المستقبل علماً بأنّه قد وجد في الماضي. ولم يلزم حدوث علم الله، فكذا ها هنا بأن يقال أخبر الله تعالى في الأزل بأنّهم سيكفرون فلمّا وجد كُفرهم صار ذلك خبراً عن أنّهم قد كفَروا ولم يلزم حدوثٌ.
وكلمات الفريقين في هذه المسألة كثيرة ممّا لا طائل تحتها، ولا يزيد الخوضُ فيها إلاّ بُعداً عن الحقّ وقساوة في القلب، والصوابُ الرجوعُ عنها الى طريقة أهل الله، والاقتباس عن مشكاة النبوّة بحقّ المتابعة للرسول وآله عليهم السلام.
فصل
قوله: سواء عليهم، هو اسم بمعنى الاستواء. وصف به كما وصف بالمصادر، ومنه قوله تعالى:
{ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } [آل عمران:64] وقوله: { { فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ } [فصّلت:10]. بمعنى مستوية وهو مرفوع إمّا بأنّه خبر لإنّ وانذَرْتَهُمْ امْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ في موضع المرتفع به على الفاعليّة، كأنّه قيل: إنّ الكافرين مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه.
أو بأنّه خبر لأَنذَرْتَهُمْ امْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، وانذَرْتَهُمْ امْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ في موضع المبتدإ المقدم عليه خبُره، والجملة خبر لإنّ، بمعنى إنذارك وعدمه سيّان عليهم.
والثاني أَوْلىٰ، لأنّ "سواء" اسم، فتنزيله منزلة الفعْل تركٌ للظاهر بلا ضرورة، فأمّا صيروة الفعل مبتدأ مخبَراً عنه ها هنا - مع انّهم اتّفقوا على أنّ الفعل لا يكون مخبِراً ولا مخبَراً عنه - فمن قال: (ضرب خرج) لم يكن آتياً بكلام منتظم، فالوجه في صحّته: انّ الفعلَ إنّما يمتنع الإخبار عنه إذا كان على صرافة حاله وتمام مفهومه الموضوع له من حيث اشتماله على المعنى النسبيّ الممتنع الحكم عليه وبه. وأمّا لو أُطلق واريد به اللفظ كما في قولك: "ضربَ على وزن فعَل" أو مطلق المعنى الحدَثي الدالّ عليه الفعل ضمناً على سبيل الاتّساع، فهو كالاسم فيما يختصّ به من الإضافة والإسناد اليه كما في قوله تعالى:
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ } [البقرة:13]، وقوله: { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ } [يوسف:35]. وقوله: { يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } [المائدة:119]. وقولهم: تسمعُ بالمُعَيْدي خيرٌ من أن تراه.
ولأنا إذا قلنا الفعلُ لا يخبر عنه، فهذا خطأ، إذ قد صار الفعل مخبَراً عنه، ولأن المخبَر عنه بأنه فعل، لا بدّ وأن يكون فعلاً، فالفعل قد أخبر عنه بأنّه فعل.
فإن قيل: المخبَر عنه تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم، قلنا: إذا كان اسماً كان الإخبار عنه بأنّه فعل، كذِباً.
والتحقيق: انّ المخبَر عنه بأنّه فعلٌ لا يخلو، إمّا أن يكون اسماً، أو فِعلاً فإن كان اسماً، فقد حكمت على الاسم بأنّه فِعل، فيكون كاذباً، وإن كان فِعلاً فقد وقع الإخبار عن الفعلِ، وهو المطلوب.
وهذا الوجه الأخير الذي قلته ممّا ذكره صاحب التفسير الكبير.
وأقول: هذه شبهة كشبهة المجهول المطلق، لا يجوز التمسّك بها في هذا المقام ونظائره، لأنها منحلّة العقدة بما حُقّق في الحكمة الميزانيّة، وهو أنّ الحَمل - أي الحكم العقلي بالاتّحاد بين شيئين بهو هو - على ضربين:
أحدهما: الحمل الشائع، كما في قولك: زيدٌ حيوان، في الذاتيات وزيدٌ كاتب، في العرَضيات، ومفاده ومصداقه كون الموضوع من أفراد المحمول، سواء كان فرده بالذات أو بالعرَض، وسواء كان الحكْم على أفراد الموضوع كما في القضيّة المحصورة، أو على نفس مفهومه، كما في القضية الطبيعيّة.
وثانيهما: الحمل الذاتي الأولى، ومفاده: كون أحد المفهومين عنواناً للآخر سواء كان نفسه، كما في حمل المترادفين أحدهما على الآخر كقولك: الإنسانُ بشَر، أو كان بينهما تفاوت بالإجمال والتفصيل، كما في قولك: الإنسان حيوان ناطق، إذا حكمت على نفس المفهوم في المثالين.
فإذا تقررّ هذا فنقول: كل شيء فهو يصدق على نفسه بالحمل الأولي، لاستحالة سلب الشيء عن نفسه؛ وإنّ بعض الأشياء مما لا يصدق على نفسه بالحمل الشائع، بل نقيضه يصدق عليه بهذا الحمل، وبعضه يصدق على نفسه بكِلا الحملين.
فالأول: كالجزئي، فإنّه ليس بجزئيٍّ، لأنّ مقهومَه كلي، وكاللامفهوم، فإنّه مفهوم، والثاني: كالكليّ والمفهوم ونظائرهما.
فقولك: الجزئيُّ جزئيٌّ. والجزئيُّ ليس بجزئيٍّ، كلاهما صحيح صادق من غير تناقض عند اختلاف الحملَين.
ولهذا اعتبر في شرائط التناقض بين القضيّتين، وحدةُ الحمْل، سوى الوحَدات الثمان المشهورات
ثمّ إنّ جملة الأشياء التي يصدق ويكذب على نفسها وعينها مفهوم الفِعْل ومفهم الحَرف، فإن كلاً منهما يصدق على نفسه ويكذب عنها أيضاً من غير تناقضٍ، فمفهومُ الحَرفِ مفهُوم الحرَف بأحد الحملين، بمعنى انّه عين مفهوم ما دلّ على معنى في غيره، كعينية الحدّ مع المحدود وغيره بالحمل الآخر، إذ يصدق عليه حدّ الإسم.
وكذا لفظ "الحرْف" حرفٌ واسمٌ باعتبارين: باعتبار انّه بعينه لفظ الحرف، وباعتبار انّه يصدق عليه حدُّ الإسم، أي كلمةُ دلّت على معنى في نفسه، وعلى هذا فقِس الفعْل.
فقد ثبت وتحقّق بما ذكرنا، أنّ الفعل إذا أريد به المفهوم العنواني، يجوز الحكم عليه وبه بالاتّفاق من أفراد الإسم، كقولك: الفعلُ ما دلّ على معنى مقترن بالزمان، وهذا غير ما نحن فيه، إذ لا بحث عنه ها هنا ولم ينقل خلافٌ لأحد فيه، إنّما الكلام في أفراد هذا المعنى، وهي التي يصدق عليها حدُّ الفعل ومفهومه - كضرَبَ وعَلِم وأمثالهما-، هل يصح الإخبار عنها أم لا؟ وهذا هو محل البحْث وموضع الخلاف.
وبما ذكره لم يثبت صحّة الإخبار عن ما يصدق عليه الفعْل، فالوجه كما ذكر أولاً من جواز ذلك عند الضرورة، وعلى سبيل التجوّز، أو الحكاية لكن بقي ان يقال: ما الفائدة في العدول ها هنا عن الحقيقية؟ فنقول: قد عدل من المصدر الى الفعل تنبيهاً على التجدّد، لأن القوم كانوا قد بلغوا في الاصرار واللجاج والإنكار للحق، والإعراض عن الآيات والنُّذُر، الى حالة ما بقي منهم رجاءُ القبول ألبتّة، وقبل ذلك ما كانوا كذلك، ولو قال: "سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك" لم يفد تجدّد هذه الحالة في هذا الوقت دون ما قبله.
واعلم أنّ "الهمزة" و"أم" ها هنا عاريتان عن معنى الاستفهام، وإنّما هما لتقرير معنى الاستواء وتأكيده فقط، قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك: اللهم اغفر لنا، أيّتها العصابة، فإنَها لمجرد الاختصاص.
ومعنى الإنذار: هو التخويف عن عقاب الله وإنّما اقتصر عليه دون البشارة، لأنّ تأثيره أوقع في القلب وأشدّ من جهة انّ دفع المضرّة أهمّ من جلب المنفعة.
وفي "أَأَنذَرْتَهُمْ" ستّ قراءات: تحقيق الهمزتين بينهما ألف أوْلا، وتخفيف الثانية بين بين، وبينهما ألف أَوْلا، وحذف الاستفهاميّة والقاء حركته على الساكن، وقرئ بتخفيف الأولىٰ وإبدالها هاءً، وهو شاذّ.
وقوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ} جملة مفسرة لما قبلها لإجماله في ما فيه الاستواء، فلا محلّ لها من الإعراب، أو حال مؤكِّدة له، أو بدل عنه، أو خبر إنّ وما قبلها، اعتراض بما هو سبب الحكم.
فصل
[احتجاجات الأشاعرة والمعتزلة بهذه الآية ونظائرها]
وممّا احتجّ به أهل السّنّة على صحّة القول بالتكليف بما لا يطاق عليه، هذه الآية ونظائرها. كقوله:
{ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } [يس:7] وقوله: { وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف:103]. وقوله: { { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } [المدثر:17]. وقوله: { { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ } [المسد:1].
وبيانه من جهة الكلام: أنّه تعالى أخبر عن شخصٍ معيّن انّه لا يؤمن قطّ، فلو صدر منه الإيمان، يلزم الكذب على الله في كلامه. ومن جهة العلم، أنّه تعالى علم منه في الأزل أنّه لا يؤمن. فلو آمن يلزم انقلاب علمه جهلاً وذلك محال؛ فكذا ما يستلزمه فصدور الإيمان منه محالٌ وقد كلّف به.
وأيضاً: الإيمان يُعتبر فيه التصديق بكلّ ما اخبر الله عنه، ومن جملته: أنّهم لا يؤمنون، فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات.
فهذه عمدة الوجوه التي تمسّك بها السلفُ من الأشاعرة في دفع أصول المعتزلة وهدم قوانينهم. وهم تفصَّوا عن هذه الاحتجاجات إجمالاً وتفصيلاً.
أمّا المقام الأول: فبيان أنّ علم الله تعالى وخبَره عن عدم الايمان، لا يجوز أن يكون مانعاً من الإيمان لوجوه:
الأول: أن القرآن مملوء من الآيات على أن لا مانع لأحد من الإيمان، كما قال تعالى:
{ { وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ } [الإسراء:94]. والكلام إنكار بصورة الاستفهام، دالّ على أن المانع من أن يؤمنوا منتفٍ في الواقع. وكقوله لإبليس: { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [ص:75]. وقوله: { { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [الانشقاق:20] { فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } [المدثر:49].
والثاني: أن الله تعالى قال:
{ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } [النساء:165]. وقال: { وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ } [طه:134]. فقد تبيّن انه ما أبقى لهم عذراً إلا وقد أزاله عنهم. فلو كان علمه تعالى بكفرهم مانعاً لهم عن الإيمان، لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة لاستقحاقهم للعقاب. والتالي باطل، فكذا المقدّم.
والثالث: انه ذكر في مقام الذم والزجر والتقبيح قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} الآية، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه، لما استحقوا التقبيح البتة، بل كانوا معذورين كالأعمى في أن لا يرى.
والرابع: إنّ القرآن إنّما أُنزل ليكون حجّة لله ولرسوله عليهم، لا أن يكون حجّة لهم على الله وعلى رسوله، فلو كان العلمُ والخبر مانعين، لكان لهم أن يقولوا: إنّما كفَرنا لسبْق القضاء على كُفرِنا، وتركُ المقضيّ مستحيل، فلِمَ يُطلب المحالُ مِنّا ولِمَ يأمرنا بالمحال؟!
والخامس: إنّه لو كان علمُه السابق بعدم الإيمان مانعاً عن الإيمان، لوجَب أن لا يكون الله قادراً على شيء أصلاً. والتالي باطل فكذا المقدم بيان الملازمة: أنّ الذي علم وقوعه واجب والذي علم عدم وقوعه ممتنع، وشيء من الواجب والممتنع لا يكون مقدوراً، إذ المصحّح للمقدوريّة هو الإمكان، دون قسيميه.
والسادس: إنّ الأمر بالمحال سفَه وعبث، فلو جاز ورود الشرع به، لجاز وروده بكلّ أنواع السفَه، فما كان يمنع وروده باظهار المعجزة على يد الكاذب، فلا يبقى وثوقٌ بصحّة النبوّات ولا بصحّة القرآن وسائر الكتب، بل يجوز أن يكون الكلُّ سفَهاً وباطلاً.
والسابع: لو جاز ورود الأمر بالمحال، لجازَ الأمر للأعمىٰ برؤية النجوم في السماء، والزمِن بالطيران في الهواء، ولو جاز ذلك، لجازَ بعثةُ الأنبياء (عليهم السلام) الى الجمادات والعجماوات، وإنزال الكتب والملائكة عليها لتبليغ التكاليف حالاً بعد حال، ومعلومٌ أنّ ذلك سخريّة وتلاعب بالدين.
قال الصاحب بن عبّاد في فصل له في هذا الباب: كيف يأمره بالإيمان وقد منعَه منه؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه؟ وكيف يصرفهم عن الإيمان ثمّ يقول:
{ { أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } [غافر:69]. ويخلق فيهم الإفك ثمّ يقول: { أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } [المائدة:75]. وأنشأ فيهم الكفر ثمّ يقول: { { لِمَ تَكْفُرُونَ } [آل عمران:98]. وخلق فيهم لبس الحق بالباطل، ثمّ يقول: { وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ } [البقرة:42]. وصدّهم عَن السبيل ثمّ يقول: { { لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } [آل عمران:99]. وحالَ بينهم وبين الإيمان ثمّ قال: { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ } [النساء:39]. وذهب بهم عن الرشد ثمّ قال: { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } [التكوير:26]. وأضلّهم عن الدين حتّى أعرضوا ثمّ قال: { فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } [المدثر:49].
والثامن: من الآيات الدالّة على أنّ التكليف بما لا يطاق لم يقعْ قال سبحانه:
{ { لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [البقرة:286]. وقال: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج:78]. وقال: { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } [الأعراف:157]. وأيّ حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال.
أما المقام الثاني، فهو الجواب على سبيل التفصيل فللمعتزلة فيه طريقان:
أحدهما: طريقة أبي هاشم، وأبي علي الجبائي، والقاضي عبد الجبّار: قالوا لمن قال: "لو وقع خلافُ عِلْمِ الله، لانقلبَ علمُه جهلاً" إنّه قد أخطأ من قال: "إنّه لانقَلَب علمُه جهلاً"، وأخطأ أيضاً من قال: "إنَ علمَه لا ينقلب جهلاً" ولكن يجب الإمساك عن القولين.
وثانيهما: طريق الكعبي، واختيار أبي الحسين البصري والمتأخرين منهم: انّ العلمَ تبعُ للمعلوم، فإذا فرَضت الواقعُ من العبد هو الايمان؛ عرفت أنّ الحاصِلَ في الأزل لله تعالى العلمُ بالإيمان ومتى فرضت الواقع منه هو الكفْر بدلاً عن الإيمان؛ عرفت أنّ الحاصلَ في الأزل هو العلم بالكفر بدلاً عن الإيمان، فهذا فرض علمٍ بدلاً من علْم آخر، لا انّه انقلابٌ في العلم وتغيّر له.
تبصرة مشرقية
[الجبر والتفويض]
إعلم أنّ مسألة الجبر والاختيار من المسائل العظيمة المهمّة في الاسلام، وهي ممّا لم تتنقّح بعدُ الى الآن بين جمهور أهل الكلام، مع أنّهم صرفوا عمرَهم في تحرير الدلائل والمناقضات، وتقدير المباحث والمناظرات، وتطويل الكلام وكثرة الردّ والإحكام والنقض والإبرام، حتّى صارت معارك للآراء ومصادم للأهواء، ولم يبق لأحد من الجانبين منزعة في كان فكره إلاّ ورماها الى صاحبه في ميدان المجادلة والمناظرة، ومع ذلك لم يأت أحد منهما بحاصل في الدين، ولم يظفر بطائلٍ في سلوك طريق اليقين.
بل ما زادتهم هذه إلاّ استكبارً وجحوداً وعناداً، ولم تزدهم إلاّ نفرة عن الحقّ وبعاداً، وذلك لاشتغالهم بالفروع عن الأصول، واهتمامهم عن الواجب المهمّ بالفضول، واستغراقهم في المجادلة بالردّ والقبول، ولذلك حُرموا عن الوصول، ومُنعوا عن معاينة المعاني، لا بفكر ونظم قياسي، ويئسوا عن مشاهدة الحقائق لا باعتمال ونصْب تعريف حدّي أو رسمي، بل بأنوار شارقة متفاوتة، وإلهامات بارقة متتالية، تزيد في العمر والبقاء، وتطلق الروح عن المهوى، وتسلب النفس عن هذه القوى وترغبها عن الدنيا، وتسوقها الى العُقبى، وتشوّقها الى لقاء الربّ تعالى.
واعلم أنّ أكثر أصحاب البحوث، قد تركوا وصيةَ ربّهم ونصيحةَ نبيّهم سلام الله عليه وآله فيما أُمروا، من تزكية نفوسهم، وتصفية بواطنهم، وإصلاح قلوبهم، وتعديل قُواهم، وتهديب أخلاقهم، وتصقيل، مرآة قلوبهم لتتجلّى فيها خبايا عالَم الملكوت، وتنكشف لديها خفايا أسرار الجبروت، وادركوا الأشياء كما هي، كما وقع دعاء نبيّهم (صلّى الله عليه وآله) له ولأمته: "اللّهم أرنا الأشياء كما هي".
فرفضوا طريق الهداية والسعي في بلوغ النهاية، ولم يقرؤوا صحيفةَ الملكوت من كتابها، ولم يأتوا البيوت من أبوابها، فاغترّوا من حقائق الدين بلوامع سرابها، وقنعوا فيه من أنوار وجوه الحكمة واليقين بظلمات نقابها، فاشتَغلوا بما قد نُهوا عنه بذكر عيوب بعضهم بعضاً، وشنعة بعضهم على بعض، فصاروا فِرقاً ومذاهب وشِيَعاً وأحزاباً، كلّ حزبٍ بما لديهم فرِحُون، وهم في العذاب مشتركون، إلاّ مَن آمنَ منهم بالله واليوم الآخر ببصيرة صافية عن غشاوة الشكّ والامتراء، وقلبٍ فارغ عن مرَض العناد والمراء.
ولما تركوا وصيّة ربّهم، ونصيحةَ رسولهم، ونسوا يومَ الآخرة، وركَنوا الى الدنيا، توقّدت بينهم نيرانُ العداوة والبغضاء الى يوم القيامة، فيلعنُ بعضُهم بعضاً، ويكفّر بعضُهم بعضاً، ويطعن بعضه على بعض، بحرقة في قلوبهم، وألم في نفوسهم، كما حكى الله عن أهل الجحيم بقوله:
{ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } [الأعراف:38 - 39]. وقالوا: { رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا } [الأعراف:38 - 39] يعني: من كان بينهم رئيساً ومقتدىً في رأيهم في الضلال، وقيل لَهُمْ: { فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } [الأعراف:38 - 39].
وبظهور هذه الآراء الفاسدة، والبِدع الخبيثة، والأهواء الرديّة، انطمَس أهل الحقّ وضاعت السَيرُ الفاضلة، وغابت العلوم الإلٰهية من بين الخلْق، وصارت كأنْ لم تكن شيئاً مذكوراً.
وهذه الآراء والأهواء كثيرة كلّها من هذا القبيل، وستعلم وجهَ بطلانها مع هذه الشهرة العظيمة للقائلين بها، والرواج لها، حيث ترى الكتب الكلامية وغيرها مشحونة بذكرها وذكر نظائرها، ونسبة قائلها الى الفضل والبراعة، والخوض في تحقيق أُصول الشريعة وفروعها بهذه الكلمات الواهية والآراء العاطلة.
فكانوا يتصدّون في المجالس، ويتفاخَرون على الأماثل، ويُعيَّنون بالأنامل، وبضاعتهم في العلم والمعرفة، ورأس مالهم في الفضيلة أمور لا تفيد علماً ولا تنتج فائدة. مثل كلامهم في الطفرة والتفكيك، وسكون المتحرّك، والتداخل، وشيئية المعدوم وإعادته، ونفي الجزء وإثبات الخلاء، وإنكار الروح، ونفي التوحيد، وإثبات الكثرة على الله، وتجويز الرؤية له، وخلْق الأعمال، ونفي القدرة عن العبد، ونفي الوجود الذهني؛ وانكار عالَم الملكوت والنشأة الباقية، وجوهرية الطعوم والروائح بل رؤيتها، الى غير ذلك من المسائل المموّهة المزخرفة التي لا حقيقة لها ولا وجود إلا في الأوهام الكاذبة، لا تصحّ لمدع فيها حجة ولا لسائل عنها برهان.
وثلّة من الأولين منهم قد بقوا في هذا الزمان، شاهَدناهم يخوضون في الثواني والمعقولات، وهم لا يعرفون الأوائل والمحسوسات، ويتعاطون البراهين من غير ممارسة علم المنطقيّات، ويتكلّمون في الإلٰهيّات، وهم يجهلون الطبيعيّات، وإذا سئلوا عن أشياء مقرون بها عند أكثر الناس، لا يُحسنون أن يجيبوا عنها.
وإذا استقصى عليهم السؤال والبحث، فكلامهم فيها أوهن من بيوت العنكبوت، ويأبون أن يقولوا: لا ندري، الله ورسوله وأولياؤه أعلم، بل يلجّون في خيالاتهم الواهية وهي طغيانهم يعمهون.
فلنرجع الى تحقيق القول في هذه المسألة، وتوهين ما قرّروه، والجواب عمّا ذكروه وكشف الفضيحة عما تصوّروه، في فصلين نذكر فيهما فساد القولين وبطلان المذهبين: الجبر والاختيار.
فصل
[رد احتجاجات المجبرة]
أما قول المجبّرة بجواز تكليف المحال، والجبر للعبد في الأفعال من جهة علم الله بحقيقة الأحوال، أو إخباره عن كفر طائفة ونكالهم في الآخرة والمآل، ففي غاية السخافة والوهْن، فإنّ العلم والجَبر لا يسلبان عن العباد القُوى والقُدرة، بل القدرة ثابتة للعبد، والتمكّن من أفعاله وأقواله مبذولٌ له، والتصرّف في قواه الإدراكية - كالمسع والبصر - وأعضائه التحريكيّة - مثل اليد والرِّجل - متى شاء وكيف شاء مفوَّضٌ إليه ميسّر له، والعلم بوجوه النفع والضرّ، والخير والشرّ ممنون عليه من قِبَل الله، لأنّ هذه المبادي والقوى القريبة خلقتْ موجبةً لأفاعيله وحركاته، مقتضيةً لآثاره وتبعاته، جعلها الله خادمةً للقلب، مسخرةً له، وهو المتصرّفُ فيها بقوتّه المدبّرة، وهي مجبولة على طاعة القلب، لا يستطيع له خلافاً ولا عليه تمرّداً.
وفائدة التكليف له والإنذار كالابتلاء وغيره، عائدة إليه ولو قليلاً، وإلى غيره كثيراً، ولا يلزم أن تكون فائدة التكليف لأحد بشيءٍ، نفس ذلك الشي؛ إذ ربما يترتّب على التكليف فائدة اخرى، غير ما كلّف به، فلي لهم أن يقولوا بنفي الأعراض وبطلان الدواعي واثبات التعطيل، والعبَث في فعل العبد، ذلك ظنّ الذين كفروا من المجوس والثنويّة، النافين لاختيار العبد، المثبتين لإجباره، ولهذا المعنى قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله):
"القدرَيّة مجوس هذه الأمّة" .
ومن الحكايات المأثورة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذلك، ما رواه جماعة من علماء الإسلام أنّه قال (صلّى الله عليه وآله): "لُعنت القدَرية على لسان سبعين نبيّاً، قيل: ومَن القدَرية يا رسول الله؟ قال: قومٌ يزعمون انّ الله سبحانَه قدَّر عليهم المعاصي وعذّبهم عليها" .
ومنها أيضاً ما رواه صاحب الفائق محمود الخوارزمي وغيره من العلماء، عن محمد بن علي المكّي باسناده قال: "إنّ رجلاً قدِم على النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أخبرني بأعجب شيء رأيته، قال: رأيت قوماً ينحكون أمَهاتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لِمَ تفعلون؟ قال: قضى الله تعالى وقدَّره. فقال: سيكون في أُمّتي أقوام يقولون مثلَ مقالتهم، أُولئك مجوس أمتي" .
ومنها أيضاً ما ذكره صاحب الفائق وغيره من علماء الاسلام، عن جابر بن عبد الله أنّه قال: يكون في آخر الزمان قومٌ يعملون بالمعاصي ويقولون: إن الله قد قدَّرها عليهم، الرادّ عليهم كشاهر سيفه في سبيل الله.
ومن الحكايات في هذا الباب ما يروى من انّ أبا حنيفة اجتاز على موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) فقال سائلاً: المعصيةُ ممّن؟ فقال له موسى الكاظم (عليه السلام): اجلس حتّى اخبرك، فجلس أبو حنيفة، فقال (عليه السلام): لا بدّ أن تكون المعصية من العبد أو من الله تعالى أو منهما جميعاً، فإن كانت من الله تعالى، وهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده الضعيف، ويؤاخذه بما لم يفعله، وإن كانت المعصية منهما، فهو شريكه، والقويّ أَوْلىٰ بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت المعصية من العبد وحده؛ فعليه وقعَ الأمر وإليه توجّه النهي، وله حقّ الثواب والعقاب، ووجبت له الجنّة والنار، فقال أبو حنيفة: ذريّة بعضها من بعض والله سميع عليم.
وقد نظم هذا بعض شعرائهم:

لم تخلُ أفعالُنا اللاتي نلام بها إحدى ثلاث خصالٍ حين نأتيها
إمّا نفرّدَ بارينا بصنعتها فيسقط اللوم منّا حين نُبديها
أو كان يُشركنا فيها، فيلحقه ما سوف يلحقه من لائمٍ فيها
أولم يكن لإلٰهي في جنايتها ذنبٌ، فما الذنب إلاّ ذنب جانيها

ومنها ما رواه جماعة من العلماء، أنّ الحجاج بن يوسف كتبَ الى الحسن البصري والى عمرو بن عبيد والى واصل بن عطاء والى عامر الشعبي: أن يذكروا ما عندهم وما وصل اليهم في القضاء والقدَر. فكتب اليه الحسن البصري: إنّ مِن أحسن ما انتهى الينا ما سمعتُ عن امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: أتظنّ أنّ الذي نهاك دهاك؟ إنّما دهاك أسفلك وأعلاك، والله بريٌّ من ذاك.
وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدَر، قولُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): لو كان الوِزْر في الأصل محتوماً، كان الوزر في القصاص مظلوماً.
وكتب إليه واصلُ بن عطاء: أحسن ما سمعت في القضاء والقَدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): أيدلّك على الطريق ويأخذ عليك المضيق؟
وكتب إليه الشعبي: أحسن ما سمعت في القضاء والقدَر قول أمير المؤمنين علي يبن أبي طالب (عليه السلام): كلّما استغفرتَ الله منه فهو منك، وكلّما حمدتَ الله تعالى عليه فهو منه، فلما وصلت كتبُهم الى الحجّاج ووقَف عليها قال: لقد أخذوها عن عينٍ صافيةٍ. هذا مع ما كان عنده من الفضاضة والأمور الواهية.
ومما روي أيضاً أن رجلاً سأل جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) عن القضاء والقَدر؟ فقال: ما استطعت أن تلوم العبدَ عليه فهو فِعلُه، وما لم تستطع أن تلومَ العبدَ عليه، فهو فعلُ الله يقول الله للعبد: لِمَ عصيتَ لِمَ فسقتَ لِمَ شربتَ الخمرَ لِمَ زنيتَ؟ فهذا فعل العبد، ولا يقول: لِمَ مرضتَ؟ لِمَ قَصُرتَ؟ لِمَ ابيضضت؟ لِمَ اسوددت؟ لأنه من فِعل الله في العبد.
ومن الحكايات أيضاً: أنّ الفضل بن سهل سأل علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) بين يدي المأمون؛ فقال: يا أبا الحسن، الخَلقُ مجبورون؟ فقال: الله تعالى أعدل من أن يجبر خَلقَه ثمّ يعذبهم، قال فمُطْلَقون؟ قال: الله تعالى أحكم من يهمل عبدَه ويُكله الى نفسه.
ومنها: أنّ رجلاً وقَف على جماعة من المجبّرة فقال لهم: أنا ما أعرف المجادلَة والإطالَة في الكلام؛ لكنّي أسمعُ في القرآن قوله تعالى:
{ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ } [المائدة:64]. ومفهوم هذا الكلام عند كلّ عاقل، أنّ الموقِد للنار غير المطفئ. فانقطعوا ولم يردّوا جواباً.
وقيل لجبري: نرى الله يقول:
{ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } [الشمس:9 - 10] مَن هذا الذي قد خاب؟ فلم يكن له من ذلك جواب.
وقال معتزلي لجبري: ممّن الحقُّ؟ فقال: من الله. قال له: فمَن المحقّ؟ قال: هو الله قال له: فممّن الباطلُ؟ قال: من الله. فقال له: فمن هو المبِطلُ؟ فانقطع المجبّر ولم يقدم على أن يقول: إن الله - تعالى عن ذلك علواً كبيراً- هو المبطِل. وكان يلزمه ذلك على مذهبه.
ومن عجائب ما يعتقده المجبّرة ويلزمهم أيضاً، أنّه يجوز من الله في عقولهم مع عدله وحكمته، أن يجمع الأنبياءَ والمرسلين والملائكةَ المقرّبين وعباده الصالحين، فيخلّدهم في الجحيم والعذاب الأليم أبد الآبدين، ويجمع الكفّار والملحدين والزنادقة والمنافقين وإبليس والشياطين، ويخلّدهم في الجنة والنعيم دهر الداهرين، وزعموا ذلك إنصافاً منه وعدلاً، وركبوا في ذلك مكابرةً وجهلاً ولعلّه قد كان لهم سلَفٌ صدرت منهم كلماتٌ على سبيل الزمر والإشارة وما بلغت عقول هؤلاء على كنْه أقوال أولئك الأوائل، أو كان في عقول طائفة من رؤسائهم جهلٌ وسفَه أوجبَ مثلَ هذا الاعتقاد، وجاء الخلفُ مقلّداً للسلف، محبّاً للمنشأة وسنّة الآباء، كما حكى الله عن أشباههم من الأخلاف الذين قلّدوا آراء الأشياخ والأسلاف، حيث ذكر:
{ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ } [الزخرف:22] { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } [البقرة:170].
وإن كان ذلك كذلك، فأيّ عذرٍ بقيَ للمتأخّرين من الأحياء والأبناء في اتّباع السلَف والآباء على الضلال في أمرٍ لا يخفى على أدنى العقلاء؟ فما أحسن ما يقرؤونه في كتابهم:
{ { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الأنعام:91] لا والله ما قدَروا الله حقَّ قدره، ولا هذا قدْرُ جلالته وعظمته، ولا جزاء إحسانه ونعمته.
والعجب، أنّهم زعموا أنّ هذا ما عليه أكابر العرفاء ومحقّقو الصوفيّة من القول بالتوحيد الأفعالي، وليس كذلك، كما يظهر من تتبّع كلماتهم وتصفّح مقالاتهم، قال الشيخ العظيم محيي الدين الأعرابي في الباب التاسع عشر وثلاثمأة من الفتوحات المكيّة: "إنّ رافعَ الأسباب سّيء الأدب مع الله، ومَن عزلَ مَن ولاّه الله تعالى فقد أساء الأدبَ وكذّب في عزْل ذلك الوالي، فانظر ما أجهلَ من كفَر بالأسباب وقال بتركِها، ومَن تَرك ما قرّره الحقُّ، فهو منازعٌ لا عبد، وجاهل لا عالم واني أعظِك أن تكون من الجاهلين، وأراك في مذهب الجبر تكذب نفسك في ترك الأسباب، فإنّي أراك في وقت حديثك معي في تركِها ورمْيها يأخذكَ العطشُ، فتترك كلامي وتجري الى لماء فتشرب منه لتدفعَ بذلك المَ العطش، وكذلك إذا جِعتَ تناولتَ الخبزَ، وغايتك أن لا تتناوله بيدك حتى تجعل في فيك، فما حصل في فَمِك مضغته وابتلعته فما اسرَع ما اكذبتَ به نفسك بين يدي.
وكذلك إذا أردتَ أن تنظر الى شيء افتقرتَ الى فتح عينك، فهل فَتَحها إلاّ سبب، فكيف تنفي الأسبابَ بالأسباب؟ أترضى لنفسك بهذه الجهالة؟ فالأديب الإلٰهي العالِم مَن اثبتَ ما اثبتَه الله في الموضع الذي أثبته، وعلى الوجه الذي أثبته، ثمّ تكذب نفسَك في عبادة ربّك. أليست عبادتُك سبباً في سعادتك وأنت تقولُ بترك الأسباب؟ فلِمَ لا تقطع العملَ.
أرأيت أحداً من رسولٍ ولا نبيّ ولا وليٍّ ولا مؤمنٍ ولا كافرٍ ولا شقيٍّ خرجَ قطّ عن رقِّ الأسباب مطلقاً، أدناها التنفّس؟ فيا تارك السببِ لا تتنفّس؛ فإنّ التنفّس سببٌ لحياتك فأمسِكْ نفسَك حتّى تموتَ فتكونَ قاتلَ نفسك فتحرُم عليك الجنة. وإذا فعلتَ هذا فأنت تحت حكم السبب..."
"فما اظنّك عاقلاً إن كنتَ تزعم أن ترفعَ ما نصبَه الله وأقامه علماً مشهوداً، ودعْ عنكَ ما تسمعُ من كلام أهل الله، فإنّهم لم يردوا بذلك ما توهّمته، بل جهلتَ ما أرادوا بقطع الأسباب، كما جهلتَ ما أراد الحقُّ بوضع الأسباب، ولقد ألقيتُ بكَ على مدرجة الحقّ، واتيتُ لكَ الطريقة التي وضعَها لعباده وأمرهم بالمشي عليها فاسلُكْ:
{ { وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [النحل:9].
وقال في الباب السادس والتسعين ومائتين: "ولقد نبّهني الولدُ العزيز العارف شمسُ الدين إسماعيل بن سودكين التوري على أمرٍ كان عندي من غير الوجه الذي نبَّهنا عليه هذا الولد؛ وهو التجلّي في الفعل، هل يصحّ أو لا يصحّ؟ فوقْتاً كنتُ أنفيه بوجهٍ، ووقْتاً كنتُ اثبته بوجهٍ يقتضيه التكليفُ، إذ كان التكليفُ بالعمل لا يمكن أن يكون من حكيمٍ يقول: "اعمَلْ وافعل" لمَن يعلم انّه لا يعملُ ولا يفعلُ، إذ لا قدْرة له عليه.
وقد ثبت الأمرُ الإلٰهي بالعمل للعبد، مثل قوله تعالى:
{ { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ } [البقرة:43] و { ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } [آل عمران:200] { وَجَاهِدُواْ } [التوبة:41].
فلا بدّ أن يكونَ له في المنفعل عنه تعلّق من حيث الفعل فيه، فيسمّى به فاعلاً وعاملاً، وإذا كان هذا، فبهذا القدر من النسبة يقع التجلّي فيه، فبهذا الطريق كنتُ أثبته، وهو طريقٌ مرضيٌّ في غاية الوضوح، يدلّ على أنّ القدْرةَ الحادثة لها نسبةُ تعلّقٍ بما كُلّفت عليه لا بدّ من ذلك، ورأيتُ حجّة المخالف واهية في غاية من الضعف والاختلال.
ولمّا كان يوماً فاوضَني في هذه المسألة هذا الولدُ فقال لي: وأيّ دليلٍ أقوى على نسبة الفعل إليه والتجلّي فيه، إذا كان من صفته من كون الحقّ خلَق الإنسانَ على صورته، فلو جرّد عنه الفعْلَ، لما صحَّ أن يكون على صورته، ولما قَبِل التخلّقَ بالأسماء، وقد صحّ عندكم وعند أهل الطريق بلا خلاف، أنّ الإنسان مخلوق على الصورة، وقد صح التخلُّق بالأسماء؟
فلا يقدر أحد أن يعرف ما يدخل عليّ من السرور بهذا التنبيه، فقد يستفيد الاستاذ من التلميذ أشياء من مواهب الحقّ تعالى لم يقض الله للاستاذ أن ينالَها إلاّ من التلميذ، كما يعلم قطعاً انّه قد يفتح للإنسان الكبير في أمر يسأله عنه بعض العامّة، فيرزق العالِم في ذلك الوقت لصدْق اللسان علم تلك المسألة، ولم يكن عنده قبل ذلك عناية من الله بالسائل ان حصل للمسؤول علماً لم يكن عنده، ومن راقَب يجدُ ما ذكرناه. فالحمد لله استفَدنا من أولادنا مثل ما استفاد منّا شيوخنا أموراً كانت أشكلت عليهم" انتهى كلامه.
فصل
فيما يرد على المعتزلة
القائلين باستقلال العبد في أفعاله وحركاته
فممّا يرد عليهم أنّهم اشركوا بالله في أفعاله، ولم يتّفق لهم التوحيد الأفعالي، كما لم يبق للأشاعرة - المثبتين للصفات - التوحيد الوصفي.
ويرد عليهم أيضاً؛ انّهم منكرون لقضاء الله وقدَره في كلّ شيء، ولم يذعنوا انّ الخيرات والشرور كلّها بقضائه وقدَره. أمّا الخيرُ فهو مقضيٌّ بالذات، وأما الشرّ فهو مقضيٌّ بالعرَض. ومذهبهم في صدور الأفاعيل من العباد قريبٌ من مذهب بعض الطبيعيّين والأطبّاء الذين جعلوا مبدأ فعل الآدمي طبيعتَه ومزاجَه، ولم يرتفع نظرُهم الى ما فوق الدهر والطبيعة من الملكوت الأعلى والأسباب القُصوى، ولم يعلموا أنّ كل ما يقع في هذا العالَم من الحوادث والأكوان والأفعال والإرادات والحركات والسكَنات، مقدّر بهيئته وزمانه في عالم آخر قبل؛ كما دلّت عليه البراهين العقليّةُ والمشاهدات الذوقيّةُ والمناماتُ الصادقة، والإلهامات، والكلمات الإلٰهيّة، والأحاديث النبويّة، منها قوله تعالى:
{ { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } [القمر:52-53].
ومنها قوله تعالى:
{ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [الأنعام:59]. ومنها قوله تعالى: { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ } [يس:12]. وكذا قوله: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية:29]. وقوله: { { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } [الحديد:22]. الى غير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث النبويّة قوله عليه وآله الصلاة والتحيّة:
"جفَّ القلمُ بما هو كائن" ، "اعلموا فالكلُّ ميسّر لما خُلق" .
ومنها قوله: "إنّ أحدَكم يجمَع في بطنِ أمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمّ يكون مضْغةً مثل ذلك، ثمّ يُرسل الله مَلكاً فينفخ فيه الروحَ فيؤمَر بأربع كلماتٍ فيكتبُ رزقَه، وأجلَه، وعمله، وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إلٰه غيره، إنّ أحدكم ليعملُ عملَ أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبين الجنّة إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم الله له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدَكم ليعلمُ بعمل أهل النار حتّى [ما] يكون ما بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم الله له بعمل أهل الجنّة فيدخلها" .
وقريبٌ من هذا ما ورَد من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، رواه رئيس المحدّثين محمد بن يعقوب الكلينيرحمه الله عن عدّة من أصحابه، مسنداً الى أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّه قال: "يُسلك بالسعيد في طريق الأشقياء حتّى يقولَ الناسُ ما أشبهه بهم بل هو منهم، ثمّ تتداركه السعادة. وقد يُسلك بالشقيّ طريق السعداء حتّى يقولَ الناسُ ما أشبهه بهم، بل هو منهم. ثمّ يتداركه الشقاءُ. إنّ من كتَبه الله سعيداً وإن لم يبق من الدنيا إلاّ فواق ناقة خُتم له بالسعادة".
ونقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "اعلموا علماً يقيناً أنّ الله لم يجعل للعبد وإن عظمتْ حيلتهُ وقويتْ مكيدتُه واشتدتْ طَلِبته، أكثر ممّا سمّى له في الذكر الحكيم".
وفي طريقتهم أيضاً رواه الكليني عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: "إنّ ممّا أوحى الله الى موسى (عليه السلام) وأنزل عليه [في] التوراة: إنّي أنا الله لا إلٰه إلاّ أنا، خلقتُ الخلْقَ وخلقتُ الخيرَ وأجريته على يدي مَن أحبّ فطوبىٰ لمَن أجريته على يديه، وأنا الله لا إلٰه إلاّ أنا خلقتُ الخلْقَ وخلقتُ الشرَّ وأجريتُه على يدي مَن أريده، فويلٌ لمَن أجريتُه على يديه" وعن أبي عبد الله (عليه السلام): "ما من قبضٍ وبسطٍ إلاّ ولله فيه [مشيئةٌ وقضاءٌ وابتلاءٌ".
وعنه (عليه السلام): "إنّه ليس شيءٌ فيه] قبض أو بسطٌ ممّا أمر الله به أو نهى عنه، إلاّ وفيه لله عزّ وجلّ ابتلاءٌ وقضاءٌ".
وعنه (عليه السلام) أيضاً في كتاب الكافي انّه قال: "لا يكون شيءٌ في الأرض ولا في السماء إلاّ بهذه الخصال السبع: بمشيئة، وإرادة، وقدَر، وقضاء، وإذن، وكتابٍ وأَجَل؛ فمَن زعم انّه يقدِر على نقْض واحدة فقد كفَر".
وعنه أيضاً (عليه السلام) مثله بسند آخر. وفيه أيضاً عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: "لا يكون شيء في السموات ولا في الأرض إلاّ بسبع: بقضاءٍ، وقدَرٍ وإرادةٍ، ومشيئةٍ، وكتابٍ وأجَلٍ، وإذْنٍ، فمَن زعم غير هذا فقد كذب على الله".
ومن طريقه فيه باسناده عن محمّد بن عبد الرحمن [عن أبيه] رفعه الى من قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول:
"قدَّر الله المقاديرَ قبل أن يخلقَ السمواتِ والأرضَ بخمسين الف سنة" .
ومن طريقهرحمه الله في كتاب مَن لا يحضره الفقيه مسنداً الى اسماعيل بن مسلم انّه سأل جعفر الصادق (عليه السلام) عن الصلاة خلفَ رَجل يُكَذّبُ بقَدَر الله عز وجل؟ قال: "لِيُعِدْ كلّ صلاةٍ صلاّها خلفه".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:
"خرجَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) وفي يده كتابان، فقال للذي في يده اليُمنى: هذا كتاب من ربِّ العالَمين، فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم اجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً ثمّ قال للذي في شماله هذا كتابٌ من ربّ العالَمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثمّ اجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً. ثم مال بيده فنبذهما ثمَّ قال: فرغ ربُّكم من العباد، فريقٌ في الجنّة وفريقٌ في السعير" .
ومن الحكايات التي نقلها أهلُ الإسلام في كُتب الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، مناظرةُ آدم وموسى (عليهما السلام)، وهي انّه قال (صلّى الله عليه وآله): "احتجّ آدم وموسى عند ربّهما، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدمُ الذي خلقَكَ الله بيده ونفخَ فيكَ من روحه وأسجدَ لكَ ملائكتَه، وأسكنكَ في الجنّة، ثمّ أهبطت الناس بخطيئتك الى الأرض فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقرّبكَ نجيّاً، فبِكَمْ وجدتَ الله كتبَ التوارة قبل أن أخلَق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدتَ فيها: وَعَصَى آدمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ؟ قال: نعم قال: أفتلومني على أن عملتُ عملاً كتَبه الله عليَّ أن أعملَه قبلَ أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله): فحجَّ آدمُ موسى (عليه السلام)".
والمعتزلة طعنوا في هذا الحديث من وجوه:
أحدها: أنّ هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذمَّ آدمَ على الصغيرة، وذلك يقتضي الجهلَ في حقّ موسى (عليه السلام)، وذلك غير جايز.
وثانيها: إنّ الولدَ كيف يُشافه الوالدَ بالقول الغليظ؟
وثالثها: إنّه قال: "أنتَ أشقيتَ وأهبطتَ الناس من الجنّة" وقد علِم موسى أنّ شقاء الناس وإخراجهم من الجنّة لم يكن من جهة آدم، بل الله أخرجه منها.
ورابعها: إنّ آدم احتجّ بما ليس حجّةً. إذ لو كان حجّة، لكان لفرعونَ وهامانَ وسائر الكفار أن يحتجّوا به، ولمّا بطل ذلك، علِمنا فسادَ هذه الحجّة.
وخامسها: إنّ الرسولَ صوّبَ آدمَ في ذلك، مع أنّا بيّنا أنّه ليس بصواب، إذا ثبت هذا وجب حملُ الحديث على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: إنّه (صلّى الله عليه وآله) حكى ذلك عن اليهود - لا انّه حكاه عن الله أو عن نفسه - واشتبه على الراوي.
وثانيها: انه قال: "فحجّ آدم - منصوباً - أي: إنّ موسى جعلَه محجوجاً.
وثالثها: وهو المعتمَد أنّه ليس المراد من المناظرة الذمّ على المعصيَّة، ولا الاعتذار منه بعلم الله، بل موسى سأله عن السبب الذي حملَه على تلك الزَّلة حتّى خرجَ بسببها من الجنَّة، فقال آدمُ: إنّ خروجي منها لم يكن بسبب تلك الزلّة، بل بسبب أنّ الله تعالى كان قد كتَب عليَّ أن أخرج إلى الأرض وأكونَ خليفة فيها، وهذا المعنى كان مكتوباً في التوارة، فلا جرم كانت حجّة آدمَ قويّة، وصار موسى في ذلك كالمغلوب.
واعلم أنّ الكلام يؤدّي الى التطويل، وإلاّ لأّجبتُ عن تلك الوجوه الخمسة متفصّيا، ولناقَضتُ لهذه الوجوه الثلاثة مفصِحاً عن فسادها، فاضحاً لقصور قائلها، كاشفاً عن اختلال أحواله، وبطلان مقاله، واعوجاج سبيله، وانبتات سلوكه لفقدان دليله، حيث لا حجّة ولا برهان، ولا حديث ولا قرآن، ولا عقل ولا ايمان.
قال بعض أكابر الحكماء في وصفهم عندما نقَل بعضاً من الآراء السخيفة عنهم في إثبات شيئيّة المعدوم وثبوت الأحوال: "وهؤلاء قومٌ نبَغوا في ملّة الإسلام وما كانت لهم أفكارٌ سليمةٌ، ولا حصَل لهم ما حصل للصوفيّة من الأمور الذوقيّة، ووقع بأيديهم ممّا نقل جماعةٌ في عهد بني اميّة، من كتب قوم كانت أساميهم تُشبه أسامي الفلاسفة، فظنَّ القومُ أنّ كلّ اسم يوناني [هو] اسم فيلسوف، فوجدوا فيها كلمات استحسنوها وذهبوا عليها وفرّعوها رغبة في الفلسفة، وانتشرت في الأرض وهم فرِحون بها، وتبعَهم جماعةٌ من المتأخّرين وخالفوهم في بعض منها، إلاّ انّ كلّهم إنّما غلَطوا بسبب ما سمعوا أسامي يونانيّة لجماعة صنّفوا كتباً يتوهم انّ فيها فلسفةً - وما كان فيها شيء منها - فقبِلَها متقدّموهم، وتبَعهم فيها المتأخّرون، وما خرجت الحكمةُ عن يونان، إلاّ بعد انتشار أقاويل عامّة اليونان وخطبائهم وقبول الناس لها.
ولنرجع الى طريق العقل في هدم قاعدة الاعتزال، بعد أن ذكرنا من طريق السمع ما يليق بذلك من الأقوال.
تبصرة عقلية
[علمه تعالى وقضاؤه]
قد علمت أنّ جميع الأشياء صادرة من الله تعالى وهو عالِمٌ بصدورها عنه راضٍ بذلك غير كاره، وهذا معنى مختاريّته الخالي عن النقص والقصور والتغيّر. وقد ثبتَ في العلوم اليقينيّة: أنّ العلمَ بالسبب التام يستلزم العلمَ بالمسبّب، فإذاً كان تعالى عالِماً في الأزل بجميع الموجودات الروحانيّة والجسمانيّة، والعلويّة والسفليّة على ما هي دفعة واحدة من غير تجدّد وانفعال في علمه - وهو معنى قضائه - ويكون مخرِجاً إيّاها من القوّة الى الفعْل شيئاً بعد شيءٍ على سبيل التجدّد والانقضاء على التفصيل - وهو معنى قدره -، وقد ثبت أنّ كلّما لم يجب لم يوجَد، فقضاؤه نافذٌ في قدَره، حاكمٌ على كل أحد من هذا العالَم في نفعه وضرّه وخيره وشره، فالإيمان بالقدَر واجبٌ من هذه الجهة، والرضا بالقضاء فرضٌ متحتّم من هذا البرهان. كما ورد في الحديث الإلٰهي:
"من لم يرضَ بقضائي ولم يصبر على بلائي فليبعدْ رباً سوائي وليخرج من أرضي وسمائي" .
ومن الأحاديث المستفيضة الشائعة بين طوائف العلماء المتَّفق عليها، ما رواه محمد بن عقوب الكلينيرحمه الله في باب الجبْر والقدَر والأمر بين الأمرين منه عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، وإسحق بن محمد، وغيرهما رفعوه، قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إذ أقبَل شيخٌ فجثا بين يديه، ثمّ قال له: يا أمير المؤمنين، أَخبرِنا عن مسيرنا الى أهل الشام، أبقضاء من الله وقدَر؟ فقال له أميرُ المؤمنين (عليه السلام): أجَلْ يا شيخ، ما عَلَوتُم تلعةً ولا هبطتم بطنَ واد إلاّ بقضاء من الله وقدَرٍ، فقال له الشيخ، عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال له: مَهْ يا شيخ، فوالله لقد عظّم الله لكم الأجرَ في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مُقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرَفكم وأنتم منصرفون. ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرَهين، ولا إليه مضطرّين.
فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرَهين ولا إليه مضطرّين، وكان بالقضاء والقدَر مسيرُنا ومنقَلبنا ومنصرَفُنا؟ فقال: أو تظنّ أنّه كان قضاء حتماً وقدَراً لازماً إنّه لو كان ذلك كذلك، لبطلَ الثوابُ والعقابُ، والأمر والنهي، والزجرُ من الله وسقط معنى الوعْدِ والوعيدِ. فلم يكن لائِمةٌ للمذنبِ، ولا محمَدةٌ للمحسِن، ولكان المذنبُ أولى بالإحسان من المحسِن، وكان المحسنُ أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدةِ الأوثان، وخُصماء الرحمن، وحزب الشيطان، وقدَريّة هذه الأمّة ومجوسها، إنّ الله تباركَ وتعالى كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُعطِ مكرَهاً ولم يملك النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً:
{ { ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } [ص:27]. فانشأ الشيخ:

أنتَ الإمامُ الذي نرجو بطاعتهِ يومَ النجاةِ من الرحمٰنِ غُفرانا
أوضحتَ من أمرنا ما كان ملتبسا جزاكَ ربُّك بالإحسانِ إحسانا

ومما رواه أيضاً عن عليّ بن إبراهيم [عن أبيه] عن اسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا يونس، لا تقل بقول القَدَريّة، فإنّ القدَريّة لم يقولوا بقول أهل الجنّة، ولا بقول أهل النار، ولا بقول إبليس؛ فإنّ أهل الجنّة قالوا: { { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } [الأعراف:43]. وقال أهل النار: { { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ } [المؤمنون:106]. وقال إبليس: { { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي } [الحجر:39]. الحديث.
وروى أيضاً عن الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشّا، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاءِ فقد كذبَ على الله. ومن زعم أنّ الخيرَ والشرَّ إليه فقد كذبَ على الله" - الظاهر أنّ الضمير في "إليه" راجعٌ الى الموصول.
وعن الحسين، عن معلّى، عن الحسن بن علي الوشّا، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته فقلت: الله فوَّضَ الأمرَ إلى العباد؟ قال: الله أعزُّ من ذلك، قلتُ: فجبَرهم على المعاصي؟ قال: الله أعدلُ وأحكمُ من ذلك، ثمّ قال الله: يا ابن آدم، أنا أَوْلىٰ بحسناتِك منكَ. وأنت أولى بسيّئاتك منّي، عملتَ المعاصي بقوّتك التي جعلتُ فيك.
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيئة الله، فقد أخرج اله من سلطانه. ومن زعَم أنّ المعاصي بغيره قوّة الله، فقد كذب على الله.
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) سأل عنه رجلٌ قال: قلت: أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: لا، قال: قلت: ففوّضَ إليهم الأمَر؟ قال: لا، قلتُ: فماذا؟ قال: لطفٌ من ربّك بين ذلك.
عُقدة وحَلّ
[اختيارنا في أفعالنا]
ولمّا ثبت وتحقّق ممّا ذكر من الكلام أنّ كلّ ما يقع في هذا العالَم أو سيقع مقدّر مكتوبٌ بهيئته وزمانه ووضعه ومكانه في عالم آخر، فإن اشتبه عليك أيّها القدَري حالُ الأفعال المنسوبة الى الاختيار، وتخيّل لك أنّها على هذا التقدير واقعة بالاضرار والإجبار؛ فما بالنا نتصرفُ فيها بالتدبير والتغيير، ونصرّفها بالتقديم والتأخير، ونجد الفرق بين المجبور عليه والمخيّر، والمختار والمضطرّ في جريان الأمر الإلٰهي في مجاري القضاء والقدر.
وتفكّر في ترتيب سلسلة الأسباب والعلل، واعلم أنّ قدرةَ العبد وإرادته وعلمه وشوقه من الأسباب القريبة لفعله، وهي مستندة بأسباب أخرى متوسطة، وأخرى بعيدة، حتى تنتهي الى قدرة الله وعلمه وإرادته ومشيئته وقضائه وقدَره.
فالقضاءُ والقدَر، إنّما يوجبان ما يوجبان بتوسّط أسبابٍ وعللٍ بعضها مقدّمات مدبّرات، كالملائكة السماوية، عقليّة كانت أو نفسيّة، قلميّة كانت أو لوحيّة وبعضها فاعلات محرّكات وموجبات مقتضيات، كالمبادي العالية من الجواهر الفلكيّة والصوَر المنطبعة، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتيّة وعارضيّة.
والصور اللاحقة الماديّة والأوضاع الفلكية والأمور الاتفاقية كالإدراكات والإرادات الإنسانية، والحركات والسكنات الحيوانيّة، تختصّ بحال دون حال، وبصورة دون صورة، ترتّباً وانتظاماً معلوماً في القضاء السابق.
فاجتماع تلك الأسباب والشرائط، مع ارتفاع الموانع، سببٌ تامٌّ يجب بها وجودَ ذلك الأمر المدبَّر المقضيّ المقدّر، وعند تخلّف شيء منها، أو حصول مانع، يبقى في حيّز الإمكان أو الامتناع، فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصاً القريبة - وجودُ هذا الشخص الإنساني وعلمه وإرادته وقدرته وتشوّقه وتفكّره وتخيّله اللذان هما مختار أحد طرفي الفعل والترك، كان ذلك الفعل اختياريّا واجباً وقوعه بجميع تلك الأمور التي هي علّة تامّة لوجود المقدور، ممكناً بالنسبة الى كل واحد منها، فوجب الفعل لا ينافي اختياريّته. كيف! وقد مرّ أنّ الشيء ما لم يجبْ لم يوجَد.
فإن قلت: مع حصول القُدرة والإرادة إن كان الترك ممكناً، لم يكن الفعل واجباً، وإن لم يكن ممكناً لم يكن العبدُ مختاراً؟
قلت: التركُ غير ممكن، ولا يلزم من ذلك أن يكون مختاراً، فإنّ الفعل الاختياريّ ما يكون الاختيار من جملة أسبابه، ويكون صدوره موقوفاً بالاختيار، لا ما يكون ممكناً على تقدير تحقّق علّته التامّة التي من جملتها الإرادة.
عقدة وَحَلّ
[لِمّية التكليف]
ثمّ إذا رجعت إلينا ثانياً وقلت: فما فائدة التكليف على هذا التقدير؟ لأنّه إذا كانت الأسبابُ العالية مقتضية، والقوابل السفلية حاملة، والاستعدادات الماديّة مهيّئة، أو متأبّية معوّقة؛ فصدور الفعل إمّا واجب او مستحيل، وعلى أي الوجهين فالتكليف بالأفاعيل عبثٌ.
وأيّ فائدة للتكليف بالطاعات، وبعثة الأنبياء بالمعجزات والآيات، وأيّ تأثير للسعي والجهد وأي توجيه للوعيد الوعْد، وما معنى الابتلاء في قوله:
{ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [هود:7] إذا كان الكلُّ بالتقدير والقضاء؟ إذ مدار التكليف والسعي والجهد والوعيد والوعْد على الاختيار، لا على الإجبار والاضطرار.
قلنا: فائدة التكليف والوعْد الوعيد، تحصيل الشوق الذي هو مبدأ الإرادة للأفعال الجميلة، فإنّ المراد ها هنا بالإرادة: هي العزيمة الثابتة الباعثة الجازمة على الفعل أو الترك، فإذا أدركنا شيئاً وعلمناه؛ فإن اعتقدنا ملائمة أو منافرة لنا دفعة بالتوهّم أو ببديهة العقل، انبعث منه شوق الى جذبه او دفعه يتبعه إرادة، فإذا انضمّت الى المقدرة، انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء ليحصل الفعل بالاختيار، وإن لم نعتقد بالضرورة، الملائمة والمنافرة، أعملنا الرويَّة، واستعملنا القُوى الدرّاكة لطلب الترجيح بإرادة عقليّة أو وهميّة.
فربما كان ملائماً ببعض الوجوه، غير ملائم ببعضها، أو ملائماً للحسّ، غير ملائم للعقل، أو بالعكس، أو نافعاً في العاجل غير نافع في الآجل، أو بالعكس، ويحدث بسبب كلّ ملائمة داعٍ، وبحسب كلّ منافرةٍ صارف، ويترجّح عزْم أحد طرفَي الفعل والترك بحسب ترجيح دواعيه، وعند تعارض الدواعي وتكافؤ الأشواق، يقع التحيّر، ونستعمل القوّة الفكريّة حتى يسنح ما يرجّح أحد الطرفين، فنفعل بحسبه.
فنقول: كما تفطّنتَ أنّ الأشياء الداخلة في وجود الإنسان كالعلم والقُدرة والإرادة من جملة أسباب الفعل، فاحدسْ أنّ هذه الأمور الخارجة أيضاً من جملتها، فالدعوة والتكليف، والإرشاد والتهذيب، والوعد والترغيب، والإيعاد والتهديد، أمورٌ جعلها الله مهيّجات الأشواق، ودواعي الى الخيرات والطاعات، واكتساب الفضائل والكمالات، ومحرّضات على أعمال حسنة، وعادات محمودة، وملكات مرضيّة، وأخلاق فاضلة نافعة لنا في معاشنا ومعادنا، يحسن بها حالنا في دنيانا ويحسن بها سعادة عقبانا.
أو محذّرات عن أضدادها من الشرور والقبائح والذنوب والرذائل، مما يضرّنا في العاجل، ونشقى بها في الآجل.
وكذلك السعي والجدّ والتدبير والحذر، إذا قدّرت مهيّئة لمطالبنا، موصِلة إيّانا الى مقاصدنا، مخرِجة لكمالاتنا من القوّة الى الفعل، فجعلت أسباباً لما يصل إلينا من أرزاقنا، وما قدّر لنا من معايشنا، أو هيّىء لنا في آخرتنا، أو لما يصرفه الله عنّا من المكاره ويدفع عنّا من المضارّ والمفاسد، لم يحصل ذلك إلاّ بها، وكانت تلك الوسائط أيضاً مقدّرة لنا، واجبة باختيارنا، كما قال عليه وآله السلام لمن سأله:
"هل يغني الدواء والرقية من قدَر الله؟ قال: الدواء والرقية أيضاً من قدَر الله" .
ولما قال (عليه السلام): جفّ القلمُ بما هو كائنٌ، قيل: ففيمَ العمل؟ فقال: اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لما خُلق.
ولما سئل: أنحن في أمر فُرغ منه؟ قال: في أمر مفروغ منه وفي أمر مستأنف.
ومن هذا عُلم أنّ كل ما يصدر عنّا من الحركات والسكَنات، والحسَنات والسيِّئات، محفوظةٌ مكتوبةٌ علينا، واجبٌ صدورها عنّا مع كونها باختيارنا، كما قال:
{ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } [القمر:52 - 53] وغير ذلك من الآيات التي نقلناها.
فهذه معرّفات لسعادتنا وشقاوتنا في العقبى، ليست بموجبات، وكذلك ما يصل الينا من الرغائب والمكاره، كما قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله):
"واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف" .
تحقيق حكمي
[لا جبر ولا تفويض]
وإذا ثبت وتحقّق انّ جميع الممكنات، وسلسلة الأسباب التي من جملتها قدرة العبد وإرادته وعلمه، وشوقه ومشيئته، مستندة الى مشيئة الله وعلمه، مثبتة في قضائه وقدَره، وأنّ من الأسباب القريبة الظاهرة لأفاعيلنا إنّما هي قدرتنا وإرادتنا فمَن نظَر اليها قاصراً نظره الى هذه الأسباب القريبة، قال بالقدَر والتفويض، أي واقعةٌ بتقديرنا، مفوّضةٌ الى تدبيرنا.
قال النبي (صلّى الله عليه وآله):
"القَدريّة مجوس هذه الأمَّة" ، لأنّهم يثبتون مبدأين كالمجوس القائلين بيزْدان، , وأَهْرِمَن.
ومن نظرَ الى السبب الأوّل، وعلِم كون تلك الأسباب والوسائط بأسرها مستندة على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات الى الله استناداً واجباً وترتيباً معلوماً على وفْق القضاء والقدَر، وقطَع النظر عن الأسباب القريبة مطلقاً، قال بالجبر، وخلْق الأفعال، ولم يفرّق بينها وبين أفعال الجمادات.
وكِلاهما أعور يبصر بإحدى عينيه. أما القدريّة فبالعين اليُمنى - أي النظر الأقوى الذي به يدرك الحقائق - وأما الجبريّة فباليسرى - أي الأضعف الذي به يدرك الظواهر - فأما من نظَر حقّ النظر فأصاب، فقلبُه ذو عينين، يبصر الحقَّ باليمنى فيضيف الأفعال إليه خيرها وشرّها، ويبصر الخلْق باليُسرى فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال، ولا بمعنى الاشتراك كما توهّم بل بمعنى آخر يعلمه العارف الحكيم، وأشار اليه الصادق (عليه السلام) "لا جبرَ ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين"، فيذهب اليه ويتذهّب به وذلك هو الفضل الكبير.
روى صاحب الكافيرحمه الله ، عن عليّ بن ابراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس عبد الرحمن [عن غير واحد] عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقَه على الذنوب ثمّ يعذبهم عليها، والله أعزُّ من أن يريد أمراً فلا يكون.
قال: فسئلا (عليهما السلام): هل بين الجبر والقدَر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض.
وعن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن صالح بن سهل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام): سئل عن الجبر والقدر؟ فقال: لا جبَر ولا قدَر ولكن منزلة بينهما، فيها الحقّ التي بينهما؛ لا يعلمها إلاّ العالِم أو من علّمها إيّاه العالِم.
وأما من أضاف الأفعال الى الله تعالى بنظر التوحيد، وإسقاط الإضافة، ومحو الأسباب والمسببّات كما هي عليها عند الغايات، وعند فناء الممكنات، لا بمعنى خلْق الأفعال فينا، أو خلق قدرة وإرادة جديدتين مستقلّتين عند صدور الفعل عنّا - كما عليه المجبرة -، فهو الذي طوىٰ بساطَ الكون، وخلص عن مضيق البون، وخرج من البين والأين وفني في العين، لكنّه تروّح في المحْو، ولم يجئ الى الصحْو، مستغرقاً في عين الجمع، محجوباً بالحقّ عن الخلْق، ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله وسبَحات وجهه وذاته، الى ملاحظة صفاته، فاضمحلّت الكثرة في شهوده، واحتجب التفصيل عن وجوده، وذلك هو الفوز العظيم.
فإذا رجع الى الصحْو بعد المحو، نظَر الى التفصيل في عين الجمع، غير محتجب برؤية الحق عن الخلْق، ولا بالخلْق عن الحقّ، ولا مشتغلاً بوجود الصفات عن الذات، ولا بالذات عن الصفات، فذلك هو الوليّ المحقّ، والصديق المحقّق، صاحب التمكين والتحقيق، ينسب الأفعال الى الله بالايجاد، ولا يسلبها بالكليّة عن العباد، كما في قوله تعالى:
{ { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } [الأنفال:17]. وذلك هو الفوز العظيم والمنُّ الجسيم.
عقدة وَحَلّ
[بماذا يتفاضل السعيد على الشقي]
ولعلّك تضطرب أيّها القدَريّ وتصول، فتقول: إذا كانت الفضائل والرذائل والمحاسن والقبائح، والطاعات والمعاصي، وبالجملة الخيرات والشرور كلّها مقدّرة مكتوبة علينا قبل صدورها منّا، معجونة فينا، مربوطة بأوقاتنا التي تصدر فيها عنّا، فما بالُنا لا نتساوى فيها ولا نتعادل؟ ولِمَ لا نتشاكل فيها ونتماثل؟ وكيف نحترز عمّا يجب الاحتراز عنها، فننجو من وَبالِها وتَبعاتها؟ وبأيّ شيء يتفضّل السعيد على الشقيّ وقد تساوَيا فيما قدِّر لهما؟ وأين عدلُ الله فينا وقد قال تعالى:
{ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [ق:29].
فنجيبك أيّها القدريّ بما قد مرّ ذكره في تفسير قوله تعالى:
{ ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة:6] من أنّ الاستعدادات مختلفة، والصور النوعيّة الفائضة عليها من جهة الوسائط العقليّة الّتي (هي) مظاهر الأسماء الإلٰهيّة متنوّعة، فالأرواح الإنسيّة بحسب الفطرة الأولى متباينة، وفي درجات القُرب والبُعد من الله تعالى متفاوتة، وفي مراتب الصفاء والنوريّة والكدورة والظلمة متخالفة.
والموادّ السفليّة التي هي بإزائها أيضاً متفاوتة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي، فقابليّتها لما يتعلّق بها من الأرواح متباينة، وقد قدّر الله بإزاء كلّ روح فيضها في قضائه، ما يناسبها من الموادّ، وحصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم والادراكات دون بعض، موافق لبعض الأعمال والصناعات دون بعض، على ما قدّر لها في العناية الأولى والقضاء السابق، كما قال: "الناسُ معادن كمعادِن الذهب والفضَّةِ" وتتفاوت العقول والإدراكات، والأشواق والإرادات، بحسب اختلاف الطبائع والغرائز، فينزع بعضهم بطبعه الى ما ينفر عنه الآخر، ويستحسن أحدهما بهواه، ما يستقبحه الثاني. والعناية الإلهيّة تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن.
وأما كيف السبيل الى الاحتراز عمّا يجب الاحتراز عنه، فإنّ شريف النفس، نجيب الجوهر، طيّب الأصل؛ قلّما يهمّ بشيء ممّا ليس في فطرته، ولم يقدّر له من الفواحش والرذائل لعدم المناسبة، وإذا همّ نادراً لغلبة صفة من صفات نفسه وقواه، ولاستيلاء داعية من دواعي الوهم وهيجان من شهوة، زجرَه زاجرٌ من عقله. وهذا كما قال تعالى في حقّ يوسف (عليه السلام):
{ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } [يوسف:24].
فإذا كان دون ذلك في صفاء الاستعداد، فلا ينزجر الاّ بزجْر زاجر من الشرع والسياسة، والناصح والأديب وغير ذلك، ويستحيي منه، وإذا همّ بشيء مما فطربه من المحاسن، وَجَدَ باعثاً من عقله ودرايته، وناصراً من توفيقه وهدايته، فيقدر عليه بشوقه وشغفه لمناسبته إيّاه، لا ينتهي عنه بدفع دافعٍ ولا يمنعه منعُ مانعٍ، وإن كان دون ذلك، احتاج الى محرّض باعثٍ ومشوّقٍ من خارج.
والخسيسُ النفسِ، الخبيثُ الجوهرِ، الرديُّ الأصلِ، بالعكس، وكل يشتاق الى ما يفعله بطبعه وبحبّه ويستحسنه، وإن كان الثاني يعمل أنّ ضده أجود وأحسن، كمحبّة الزنجي ولده مع قُبحه، دون الغلام التركي مع علمه بحسنه، وأما حديث السعادة والشقاوة فيسأتي تحقيقه.
عقدة اخرى وَحَلّ
[لماذا الثواب والعقاب]
ثمّ لعلك تعود وترجع الى حال الثواب والعقاب فتقول: إذا كان الكلّ بقضاء الله وكتابه، فلِماذا يعاقَب من ساقَه القدرُ الى ارتكاب خطيئة أو اقتراف سيّئة؟
فنُجيبكَ يا أخا القدرَيّ: بأنّ العقابَ على فعل السيئات والخطيئات، ليس لمنتقمٍ خارجيّ غضبان يريد أن ينتقمَ من عدوِّه نيلاً لما يطلبه من إزالة ألم الغيظ؛ أو التشفيّ عن حرقة لهب الغضَب، بل النفسُ العاصيةُ الخاطئةُ، هي حمّالةُ حطب نيرانها الى يوم القيامة.
فإنّها ستحترق بنيران عقائدها الباطلة، وشهواتها الكامنة، وتلتدغ بحيّات وعقارب منبعثة عند الآخرة من سموم أخلاقها وعاداتها الرديّة.
فمن ساء عملُه، وأظلم جوهرُ نفسه، وكدّر مرآةُ فطرته، وأخطأ في اعتقاده واحتجب عن مراده بحسب ما اقتضاه في أصل استعداده، فقد ظلَم نفسَه بظلمة جوهره، وبطلان استعداده، فكان أهلاً للشقاوة في مرجعه ومعاده، ينادى على لسان المالك: "مهلاً، فيَداك أوكتا وفوكَ نفخ" كما قال سبحانه:
{ { وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [البقرة:225] وقوله: { { وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [النحل:33].
فثبت وتحقّق، أنّ ترتّب العقوبات ومقابلاتها من المثوبات، هي ثمراتٌ ولوازم، وتبعات وعوارض لأمور موجودةٍ فينا بالقوّة، تخرج اليوم الآخر من القوّة الى الفعل، بل هي مطويّةٌ في نفوسنا في هذه النشأة، مكمونةٌ في مكامن الطبيعة وغشاوات المادّة، فإذا قامت القيامة وكُشف الغطاء، وحُشرت النفوس، ونُشرت الصحائف، أظهرها الله وأبرزها، بحيث تترتّب عليها المثوبةُ والعقوبة، وتنبعث منها النعمةُ والنِّقمة، والراحةُ والمصيبة، والنعيم المقيم والعذاب الأليم.
عقدة اخرى وحَلّ
[الخلود في النار]
ولك أن تقول: إنّ الذي بقي من الإشكالات المتعلّقة بهذا المقام، والعقود المفصلة الغير المنحلّة الى الآن عند جمهور العلماء وأهل النظر والكلام - إلاّ من نوّر الله بصيرتَه بنور الكشف - إعضالُ خلودِ الكفار في النار بالعذاب الدائم، فإنّ شيئاً ممّا ذُكر من الأسباب الفاعلة، والمدبّرات العالية، لا يوجب ذلك - لأنّها مبرّأة عن الشرور والنقائص - ولا شيئاً من القوابل الماديّة يحتمل التعذيب الدائم والانفعال الغير المتناهي - كما بيّن في مقامه - والرحمةُ الإلٰهيّة التي وسعتْ كلَ شيءٍ تنافي التعذيبَ الدائم - كما مرّت الإشارة إليه عند قوله تعالى:
{ { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } [الفاتحة:7].
وهذه إحدى المسائل التي من مواضع الخلاف بين علماء الكشف وعلماء الرسوم، بل هي موضع الخلاف بين علماء الكشف بعضهم مع بعض أيضاً، فإنّهم اختلفوا على يُسَرْمد العذاب عليهم الى ما لا نهاية له، أو يكون لهم نعيمٌ بدار الشقاء، فينتهي عذابُهم الى أجلٍ مسمّى؟ مع الاتّفاق للجميع على عدم خروج الكفّار من دار البوار ومحلّ الأشرار، وأنّهم ماكثون.
قلنا: كلّ ما ذكرتَ في باب الاستحالة في صدور التعذيب الأبدي والايلام السرمدي، وقبولهما من الجهات الفاعلة والقابلة، ومخالفة ذلك للرحمة والعناية المقتضيتين لحفظ النظام، وإقامة القوام، وإبقاء الأنواع بالديمومة السرمديّة بتعاقب الأفراد وتوارد الأعداد، إنّما يقتضي الاستحالة والامتناع، إذا كان المعذَّب واحداً شخصيّاً، على صورة واحدة، واستعداد واحدٍ لقابلٍ واحد.
وأما إذا كانت الصوَر متواردة على قابلٍ واحد، والاستعدادات متعاقبة لمادّة واحدة ضعيفة الوحدة واهنة الوجود ما بين صرافة الوجود الفعليّة، ومحوضة العدم والقوّة، كما فصح عنه قوله تعالى:
{ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ } [طه:74] فتواردُ العقوبات الإلٰهيّة، وتعاقب التعذيبات والنقمات الجبّارية، على حسب توارد الصوَر المستقبحة، وتعاقب الاستعدادات الظلمانيّة في أزمنة متمادية الى ما لا نهاية له، كما قال تعالى: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } [النساء:56]. مما لا ينافي شيئاً من الأصول الحِكَميّة والقواعد العقليّة والسمعيّة.
فأهل الحجاب الكلّي والشقاء الطبيعي، ممّا لا طريق لهم إلا طريقَ جهنّم، ومسلك الطبيعة والهوى، وانسدّت عليهم سبل الاهتداء والاتقاء من هذه الهاوية السفلىٰ، ولا يفتّح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنّة والمنزل الأعلى، والأصول الحكميّة دالّة على أنّ القسر لا يدوم على طبيعة واحدة، وأنّ لكلّ موجود غاية يصل اليها يوماً، وأنّ الرحمة الإلٰهيّة نائلة لكلّ أحد، واسعة على كلّ شيء، كما قال تعالى:
{ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [الأعراف:156].
وعندنا أيضاً أصول دالّة على أنّ الجحيم وآلامها وشرورها دائمة بأهلها، كما أنّ الجنّة ونعيمها وخيراتها دائمة بأهلها، إلاّ انّ الدوام في كلّ منهما على معنى آخر، ولكلّ من الدارين عمّار من أهلها. ولهذا المقام شروحٌ كثيرةٌ وتحقيقات لطيفةٌ واستبصارات شريفةٌ، ذكرنا طرفاً منها في آخر سورة الفاتحة، وشطراً صالحاً في كتاب الشواهد الربوبيّة، وسنستقصي القول فيها في مواضع متفرّقة من هذا التفسير، إن ساعدَتني المشيّة الإلٰهيّة النافذة في التقدير، وفيما ذكرنا كفايةٌ ها هنا، ولنرجع الى ما نحن بصدده، مستعينين بالله وتوفيقه وتسديده.