التفاسير

< >
عرض

فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٥٤
-يس

تفسير صدر المتألهين

لأنه يوم ايفاء الحقوق وجزاء الأعمال على وجه الحق والعدل في الثواب والعقاب، إذ لا حكم لأحد غير الواحد القهار، لارتفاع الأسباب العَرَضية والعلل الإتفاقية، وانعدام أسباب الجور والظلم، من جهالة الحكّام وعجزهم عن امضاء الأحكام على التمام، وتدليس المتحاكمين وابدائهم الشبه والأوهام، ولانتفاء القواسر والموانع، وانسلاب التزاحم والتصادم والتضايق، وغير ذلك من الأمور التي هي من باب ضروريات الأكوان الدنيوية، والقوابل المادية المركّبة من العناصر المتضادات والأركان المتفاسدات الموجبة للتغالب والتفاسد في الموجودات المتغيرة الأحوال، المتخالفة الأغراض والآمال.
وأما الدار الآخرة، فالمؤثر هناك أسباب عالية بإذن ربهم، وعمّال مؤتمرة بأمر موجدهم، لا يعصون الله ما أَمَرَهُم ويفعلون ما يؤمرون، والمتأثر نفوس وأرواح إنسانية بحسب ضمائرهم ونياتهم، مجردة عن الأغشية واللبوسات، ووساوس النفس وسوء العادات.
وبالجملة، الظلم إذا وقع، فإنما يقع من الشخص على نفسه، أو من غيره عليه، وكلاهما مستحيلان يوم الآخرة.
أما استحالة الثاني فيه: فإن المؤثر في الشيء هناك ليس إلاّ ما هو علة ذاتية لذلك الشيء، لارتفاع الأسباب العَرَضية والمبادئ القسرية، وعدم تزاحم الأمور وتصادم الأسباب الاتفاقية، وتضايق الوجود فيه، والعلة الذاتية للشيء مقوم لوجوده ومحصل لذاته وملائم لطبعه
{ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } [الكهف:49].
وأما استحالة الشق الأول، فلأن ما يصل إلى أحد في الدار الآخرة ليس إلاّ حاصل ما فعله في الدنيا، لأنها دار الثواب والجزاء بلا عمل، كما أن الدنيا دار العمل بلا جزاء، فإن وقع ظلم من أحد على نفسه، فقد وقع في الدنيا لا في العقبى، ولهذا قال بعض الكبراء: "ليس الخوف من سوء العاقبة، إنما الخوف من سوء السابقة"، "الشقي شقي في بطن أمه" أي في الدنيا.
فقد ثبت قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً}، أي لا ينقص من له حق من حقه من الثواب، ولا يفعل به إلاّ بما يستحقه من العقاب، إذ الأمور جارية على مقتضى الحق والحساب، معمولة على قانون العدالة والصواب، وذلك قوله تعالى: {وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
بصيرة قَلْبِية
إن قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً}، مما يشعر بانحصار تحقق الظلم والشر في هذه الدنيا الفانية، وأما الواصل إلى الأشقياء من عذاب النار وشدائدها، فإنما هو نتيجة أعمالهم في الدنيا، وظلمهم على نفوسهم فيها، لقوله تعالى:
{ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلـٰكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [النحل:33] أي بما سبق منهم في الدنيا، وليس يتصور ظلم مُستأنف في الآخرة على أنفسهم ولا على غيرهم.
والسبب اللمي لاختصاص وقوع الظلم والشر في الدنيا دون الآخرة - مع أن الإله والمؤثر فيهما جميعاً واحد حق يفعل ما يشاء ويختار ما يريد من غير مدافع أو مشارك - هو ما وقعت الإشارة إليه من أنها "دار الحَرَكات والاستعدادات" لأنها واقعة في آخر الدرجات من الوجود، في أسفل الدركات من مراتب الخير والجود، وبعد مرتبتها في النزول والخسة، ليس إلاّ العدم المحض، والبطلان، بل وجودها في مرتبة العدم.
إلاّ أنها بحسب نسخها وجوهرها الهيولي، مما لها قوة وجود أشياء كثيرة، ولها استعداد للصور الحسية والنفسية والروحانية، بحسب امتزاجات وقعت بين عناصرها المتضادة، التي كل منها لا يتحرك عن مواضعها الطبيعية إلاّ بأسباب سماوية منبعثة لأغراض علوية، ومقاصد عقلية مترتبة على أشواقها الكلية، وحركاتها الدورية، حسب قضاء الله ومشيئته المقتضية نشوء الكائنات من الحيوان والنبات بعناصرها المتضادة وموادها المتفاسدة.
ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع الحيوان، وكان له استعداد الارتقاء إلى رتبة الشرف والكمال، واحتمال البقاء والدوام في نشأة أخرى هي نشأة التمام، ويوم قيام الخلائق بين يدي الحق العلاّم، ولا يمكن استكماله إلى هذه الغاية إلاّ بأسباب أخرى خارجية اتفاقية من التأديب والتهذيب، والهداية والارشاد، والوعد والإيعاد، منبعثة من جانب المبدء الجواد، بإنزال الملائكة والكتب والرسل للإمداد، والهداية إلى يوم المعاد ورب المعاد.
ولا يتعيش وجوده الدنيوي أيضاً إلاّ بتعاون وقع من بني نوعه وجنسه، وتمدن واجتماع ومعاملات وحكومة وسياسات وحدود وجرائم وقعت من سلطان قاهر له أو عليه.
وهذه جملة من الأسباب لا تنعقد إلاّ ويلزمها نقائص وآفات، وتصادم شرور وظلامات، فقد قضى الله بوجود هذه الشرور في هذه الدنيا لكونها لازمة لخيرات جمة، وهي أسباب سياقة عباده إلى رضوانه، فعلم "أن الظلم في الدنيا مَقْضي، والعدل مَرْضي"، وأما الآخرة التي هي دار المتقين، ففيها عدل بلا جور، وخير بلا شر.
ولهذا قال تعالى في حق حبيبه (صلى الله عليه وآله وسلم):
{ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ } [الضحى:4]. وقال حكاية عن دعاء خليله: { وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ } [الشعراء:83] وقال وليه وأخو رسوله (عليهما السلام) عند ضربة شهد فيها ربه: "فُزْتُ وربِ الكعبة"، وذلك لأن الدنيا مشحونة بالآفات والمِحن والظلم والجور على أولياء الله وأحبائه.
ويحكى عن بعض من يعتقد هذا الرأي، أنه لقي أخاً من أهل زمانه، فقال له: كيف أصبحت يا أخي في هذه الدنيا؟.
قال: بخير، نرجو خيراً من هذه الدنيا - إن سلمنا من آفاتها وبليّاتها انشاء الله -، فكيف أنت وكيف حالك؟.
فقال: كيف حال من يصبح في دار غربة أسيراً وفقيراً لا يقدر على جرّ منفعة ولا يرجو دفع مضرّة؟ قال أخوه: كيف ذلك؟
قال: لانّا قد أصبحنا في الدنيا معذبين في صورة المُنَّعمين، مجبورين في صورة المختارين، مغرورين في صورة المغبوطين، أحراراً كراماً في صورة عبيد مُهانين، مسلطاً علينا خمسة حكام يسوموننا سوء العذاب، ينفذون علينا أحكامهم شئنا أو أبينا.
قال له أخوه: أخبرني من هؤلاء الحكام؟
قال نعم: أوّلهم هذا الفلك الدوار الذي نحن في جوفه محبوسين، وكواكبه هذه السيّارة التي لا تزال تدور علينا لا تهدأ ولا تسكن، تارة تجيئنا بالليل وظلمته، وتارة بالنهار وهاجرته، وتارة بالصيف وحرارته، وتارة بالشتاء وبرودته، وتارة بالرياح العاصفة، وتارة بالغيوم الغاشية والأمطار والبروق الخاطفة، وتارة بالصواعق الزاجرة، والزلازل المهلكة، والأخاويف الموحشة، والخسوفات والكسوفات والعلامات المظلمة، وتارة بالجدب والغلاء، وتارة بالموت والوباء، وتارة بالحروب والفتن والبلاء، وتارة بالهموم والأحزان، ليس منها خلاص، ولا من سهامها مناص إلاّ بالموت.
وأما الآخر، فهو هذه الطبيعة وأمورها المركوزة في الجبلّة، من حرارة الجوع، ولهب العطش، ونار الشبق، وحريق الشهوات، والآلام والأمراض والأسقام، وكثرة الحاجات، ليس لها شغل إلاّ طلب الحيلة لجر منفعة أو لدفع مضرة عن هذه الأجساد المستحيلة، التي لا تقف على حالة واحدة طرفة عين، فنفوسنا في جهد وبلاء، وكد وعناء، وبؤس وشقاء، ليس لنا راحة منها إلاّ بالممات. فهذا اثنان.
وأما الثالث: فهو هذا الناموس الأكبر، وأحكامه وحدوده، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، وزجره وتهديده وتوبيخه، وألم الجوع عند الصيام وتعب الأبدان عند القيام، ومجاهدة النفس عند اخراج الزكوات، وتعب الأسفار عند قضاء الحج، ومشقة الأبدان عند المهاجرة، وجراحتها بالسيف والسنان عند المجاهدة ومحاربة أهل الكفر والعدوان، إلى غير ذلك من آلام ترك اللذات والراحات، وشدائد اجتناب الشهوات والمحرمات.
وأما الرابع: فهذا السلطان الجائر المالك للرقاب قهراً وجوراً والمستعبد للعباد جبراً وكرهاً، فان قمنا بخدمته وواجب طاعته فما نقاسي من الجهد والبلوي أكثر من أن يحصى، من تعب الأجساد، وهموم النفوس، وعناء الأرواح، وتضييع العمر في خدمته، وسخط الباري يوم القيامة وعذاب الآخرة، والحجاب عن الله في طاعته، وإن فررنا من سلطانه فلا عيش لنا إلاّ نكداً، لافتقارنا في الدنيا إلى التعاون والتمدن والسياسة والرياسة. فهذه أربعة.
وأما الخامس: فهو شدة الحاجة إلى مواد خارجيّة، وأغذية بدنية لا قوام لهذا الهيكل إلاّ بها، من المأكول والمشروب، واللباس والمسكن، والمنكوح والمركوب، وما لا بد منه في قوام هذه الحياة الدنيا، وما نقاسي من الجهد والبلوى في طلبها ليلاً ونهاراً، في تعلّم الصنائع الشاقّة، والتجارات المتعبة، والمكاسب المكّدة من الحرث والزرع والبيع والشراء والمناقشة في الحسابات والمكايسة في المعاملات، والحرص والشره في جميع الأموال وحفظها من اللصوص وحراستها من الآفات العارضة، ومكابرة القطّاع، ومنازعة أهل الجور والظلم، فهذه حالنا وأكثر أبناء جنسنا في هذه الدار.
وأما من يريد المقام في الدنيا، ويتمنّى الخلود فيها مع هذه الآفات والشدائد، فهو إما غير مؤمن بالآخرة، ولا مصدق بالمعاد، ولا متصور للوجود إلاّ هكذا، أو يتوهم أن بعد الموت عدماً صرفاً أو شراً محضاً، وعلى الحالين يئس من الآخرة، كما يئس الكفّار من أصحاب القبور.
وأما من تصوّر كيفية الدار الآخرة، وتحقق أمر المعاد وعرف فضلها وشرفها، وسرور أهلها، ولذات السعداء ونعيمهم وملكهم، فأي عذر له في التمني للخلود في الدنيا، والإخلاد إلى الأرض، وطلب الرفعة والرياسة فيها، إلاّ خللاً وسفهاً في عقله، أو فساداً في اعتقاده وإيمانه، كأكثر من نراه من المنتسبين إلى الإيمان،
{ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } [يوسف:106].
حكمة قرآنية
هذه الآية ونظائرها كقوله:
{ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [النمل:90] وقوله: { لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ } [النجم:39 - 40] وقوله: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً } [آل عمران:30] وغيرها، نصوص جليّة وبراهين واضحة، على أن الثواب والعقاب في دار الآخرة إنما يكونان بنفس الأعمال والأخلاق الحسنة والسيئة، لا بشيء آخر يترتب عليها، فالملذ والمؤلم، والنعمة والنقمة، والجنة والنار في دار القرار، هي نفس صور الأعمال والآثار، كما دلّ عليه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنما هي أعمالكم تُرَدّ عليكم" ، وقوله: "إن الجنة قيعان وإن غراسها سبحان الله" وكذا قوله تعالى: { يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ } [العنكبوت:54] وقد مر تحقيق هذا المطلب في سلف القول.
فالعقوبات الإلهية الواصلة إلى المجرمين، كما أنها ليست من باب الانتقام الواقع عليهم من منتقم منفصل مبائن يوقع الآلام والشدائد عليهم، ويوصل المكاره والمحن إليهم، فكذلك ليست الآلام والمكاره أموراً خارجة عن ذاتهم وصفاتهم مترتبة عليها، بل الأعمال القبيحة الواقعة منهم في الدنيا بواسطة ما في ضمائرهم ونيّاتهم، صارت ملكة راسخة في نفوسهم، وانحرفت بسببها فطرتهم الأصلية، توجب لهم تصورات باطلة، وأفكاراً مؤلمة موحشة موجودة بوجود أخروي يناسبها، فَتَطَّلع على أفئدتهم ما كان مستكنّاً فيها.
ولو تيسّر للشقي الفاجر أن يشاهد باطنه في الدنيا بنور البصيرة، ليراه مشحوناً بأصناف السباع والشياطين، وأنواع الوحوش والهوام، مثّل لغضبه وشهوته وحقده وحسده وعجبه ورياه ومكره وحيلته، وهي التي لا تزال تفترسه وتنهشه، إلاّ أنه محجوب عن مشاهدتها، فإذا رفع هذا الحجاب، وانكشف الغطاء، ووضع في قبره، عاينها وقد تمثلت بصورها وأشكالها الموافقة لمعانيها.
وأول ما يقع بصر أحدهم على صورة عمله - المطابقة إياه -، يرى بعينه العقارب والحيات قد أحدقت به، وإنما هي صفاته الحاضرة الآن قد انكشفت له صورتها، فيقول:
{ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ } [الزخرف:38]، ويريد أن يهرب عنها، وأنّى يتصور لأحد أن يهرب عن نفسه ولازم نفسه!.
وعلى هذا القياس، حكم الأعمال الحسنة الواقعة من أهل السعادة الأخروية المصورة في القيامة بصورة ملذة حسان، من حور وغلمان، وجنة ورضوان، فإن حقيقة تلك الصور هي موجودة معه مختفية في باطنه، وإنما تصير حاضرة مشهودة له يوم القيامة بواسطة رفع الحجاب، لقوله تعالى:
{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [السجدة:17].