التفاسير

< >
عرض

أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ
٧٧
-يس

تفسير صدر المتألهين

لما أشار إلى مخاصمة أعداء الدين لسيد المرسلين، وتكذيبهم إياه في ما أتى به من الآيات البيّنات، وما أنذر به من أمور الآخرة والقيامة والبعث والحشر، وذكر ما يتسلّى به الرسول (صلى الله عليه وآله)، فأراد أن يشير إلى تقبيح إنكارهم للحق، ومخاصمتهم للرسول، وتكذيبهم للبعث بأبلغ وجه وأشنع صورة، وأول دليل على غيّهم وضلالهم، وتمادي كفرهم وإصرارهم، وأعدل شاهد على جحودهم للنعم والأيادي، وعقوقهم بر المنعم عليهم وإحسانه، وتغلغلهم في الخسة والدناءة، وتوغلهم في المذلة والرداءة، حيث قرر ذلك بأن عنصرهم الذي خلقهم منه أخسّ شيء وأمهنه، وهو النطفة القذرة المذِرة المنتنة، الخارجة من الأحليل - الذي هو قناة النجاسة -.
ولقد كرر الله ذكر النطفة التي منها بدء خلقة الإنسان في مواضع كثيرة من القرآن، ليتفكر أنه من أي شيء خلقه الله، ولئلا ينسى ذاته ويغفل عن شكر منعمه وخالقه المعبود، الذي خلقه من أوهن مادة وأنجس طينة، وشرّفه بكسوة هذا الوجود، وصوره في أحسن صورة وتقويم، فقال:
{ قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ } [عبس:17 - 22]. وقال في موضع آخر: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } [الروم:20] وقال أيضاً: { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ } [القيامة:37] إلى غير ذلك من الآيات.
فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز، ليس بمجرد سماع لفظها ترك التفكر في معناها، بل لينظر الإنسان إلى النطفة التي منها بدء خلقه، فيعلم أنها مادة قذرة لو تُركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وتفتتّت، وتفكر في أنها كيف أخرجها ربها رب الأرباب من بين الصلب والترائب، ولولا عنايته وَجُوده في حق هذا المولود، فمن الذي أخرجها ونقلها في أطوارها، ثم في أنه كيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما، بل كيف جمع بين الأجداد والجدات وألقى المحبة بينهم والألفة في قلوبهم، وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى هذا الإجتماع.
ثم كيف استخرج النطفة عن الرجل بحركة الوقاع، وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعها في الرحم، ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بدم الحيض وغذاه حتى نما وتربّى وكبر، وكيف جعل النطفة - وهي بيضاء - علقةً حمراء، ثم كيف جعلها مضغة، ثم كيف قسّم أجزاء النطفة - وهي متشابهة ومتساوية - إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم، ثم كيف ركّب من اللحم والعظم والأعصاب والعروق وغيرها من الأعضاء الظاهرة المتشكلة بأشكال مختلفة، فدوّر الرأس، وشق السمع والبصر وسائر المنافذ، ثم مدّ اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع، وقسّم الأصابع بالأنامل، ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء، كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مشخص لعمل معين، ثم كيف قسّم كل عضو من هذه الأعضاء بأقسام: فركّب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لفائدة معينة بحيث لو فقدت طبقة منها أو زالت عن موضعها وَوَصْفِها لعطلت العين.
فلو ذهبنا نَصِف في آحاد هذه الأعضاء وأقسامها، وأقسام أقسامها، وفوائدها وغاياتها، لانقضت الأعمار دون وصف عشر عشير من الأعشار.
فقد عجب الله تعالى من حال من كان أوله وأصله على هذه المهانة والخسة، ثم يتصدى لمخاصمة من ربّاه وأنماه وأعطاه كسوة بعد كسوة، وصورة غبّ صورة، وحرسه عن الآفات، وصانه عن المفسدات والمهلكات، وأخرجه من ظلمات ثلاث إلى فضاء العالم ورزقه من الطيبات، ورقّاه من طور إلى طور ومن حال إلى حال، إلى أن كمل عقله وصار مكملاً، فيتصدى لمخاصمة الجبار ويبرز المجادلة للعزيز القهار، راكباً متن الباطل، متلبساً لباس اللجاج والعناد، ذاهباً طريق الجاهلية الأولى، ناكصاً على عقبيه، راجعاً إلى المنزل الأدنى.
فهذا غاية شدة السفاهة والقباحة، ونهاية الخسة والوقاحة، حيث خاصم مثل هذا الخسيس الأدنى لمثل ذلك العلي الأعلى، بعد سبق هذه العطايا المتوافرة والنِعم المتكاثرة، في أمر الهداية إلى طريق السعادة، وإنذار رسول مبلّغ مرسل من قبله من أعلى علّيين إلى هذا الذليل المهين، الواقع في أسفل السافلين، ليهديه ويرشده هذا الناصح ويهذّبه ويخلصه من مهوى الشياطين، ويُنَجّيه من عذاب أليم، ويعرج به إلى الدرجات العلى في جوار رب العالمين، فيكذّب رسوله ويؤذيه ويستهزئ به، ويمده في طغيانه وجهله وعناده واستكباره وإنكاره ليوم الدين.
فما أعجب هذا الطغيان! وما أشنع هذا الكفران! وما أنزل صاحبه في مهوى الخسة والهوان! وما أبعده من رحمة الغفور الرحمان!.
نكتة فرقانية في كرامة نَبوية
ومما يخطر بالبال في سياق هذه الآية واتصالها بما سبق، إنه قد سلّى سبحانه في الآية السابقة لرسوله (صلى الله عليه وآله) من مخاصمة أعدائه، وتكذيبهم إياه، واعلانهم مخاصمته، وإضمارهم معاداته، بأنّا نعلم ذلك، ومن علم بما يصل إلى حبيبه من خصمائه وأعدائه من الأذى والجفاء - ظاهرة وباطنة، إعلاناً وأسراراً - وهو قادر على مجازاتهم وتعذيبهم وإيلامهم، فمعلوم ثابت أنه يجازيهم بأبلغ الجزاء ويعاقبهم بأشد العقاب.
ثم ما اكتفى بهذه التسلية العظيمة التي جرت بها عادة المحبيّن في تسلية محبوبيهم من خصومة الأعادي، حتى جعل خصوم الحبيب خصومه، وأخذ موبخاً لهم في هذه الخصومة، مقبحاً لهم بأبلغ وجه وآكده، فإن قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ}، إنما وقع موقع الأمر العجيب في الرّكاكة والقبح إذا كانت خصومته مقيسة إلى من خلقه من أصله الخسيس، وربّاه وقوّاه إلى أن صار رجلاً مميزاً منطقياً، فإذا هو بعد ما كان ماءاً مهيناً صار خصيماً مبيناً - يفعل الخصومة مع خالقه وربه -.
فإذا كانت خصومته في أمر المعاد مع خالقه الذي خلقه من أخس المواد، وشرّفه على جملة المكوّنات من الحيوان والنبات والجماد، وكان مبتدء الكلام في مخاصمتهم وتكذيبهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد دلّ السياق على أن الخصومة مع الرسول (صلى الله عليه وآله)، هي بعينها الخصومة مع الله، وكان على وزان قوله تعالى:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } [الفتح:10] ونظائر ذلك.