التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ
٥١
لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ
٥٢
فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ
٥٣
-الواقعة

تفسير صدر المتألهين

ثمّ إنّكم أيّها الذين ضللتم عن طريق الهدى، ونكبتم عن هذه المحجّة البيضاء، وعَمَت بصائركم عن مشاهدة أنوار ملكوت الأرض والسماء، وفسدت أذواق قرايحكم عن إدراك حقايق الأشياء، من جهة متابعة النفس والهوى، وتغيّرت مدارك قلوبكم وأرواحكم عمّا فطرها الله عليها بمرارة المراء والإمتراء، فحرموا من جدواها، وحرّم الله عليهم نعيم الجنّة وطعوم أهلها، لآكلُون كالبهائم والأنعام من شجر من زقّوم - أي: من شجر هو الزقّوم، فمِنْ الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره، لأنّه اسم شجرة تنبت في أصل نار الجحيم، ثمرها كأنه رؤوس الشياطين، كما وصفها الله سبحانه في سورة الصافّات حيث قال: { { إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ } [الصافات:64 - 65].
وهي شجرة النفس الخبيثة المتغيّرة عن الفطرة العقليّة بسبب اعتقادات فاسدة أفسدتها، كشجرة طيّبة تغيّرت رائحتها لفسادٍ تطرّق إليها وغيّرها عن الطبيعة الأصليّة، فصارت كريهة الطعم والرائحة، وهي بسب هذه الإعتقادات نابتة في قعر جهنّم، الطبيعة المتشعبة أفنانها في دركاتها تتغذّى بها قلوب الكفّار ونفوس أهل النار، لأنّها تنمو وتزيد بواطنهم في النفسانيّة وقوّة الشرّيّة والفساد، وشدّة الجحود والعداوة لأهل الدين وأصحاب اليقين، وإليه الإشارة بقوله:
{ { فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ } [الصافات:66].
فشجرة الزقّوم كأنّها مثال لنفوس الرؤساء وأئمّة الضلال المبتدعين للتعليم والإرشاد، وإليه الإشارة بقوله:
{ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ } [الصافات:63]. إذ قد صارت تلك النفوس من جهة طلعها - أي حمْلها وثمرها من العلوم المغالطيّة والأكاذيب الوهميّة - رؤوس الشياطين.
و "الآكِلون من زقُّوم" إشارة إلى نفوس الاتباع والمقلّدين الذين ظلّوا عن سبيلهم ونكبوا عن دليلهم. وأكلهم منها: أخذهم الاعتقادات الباطلة منها وتدينهم بدينها، وامتلاء بطونهم منها ونشوؤهم في هذه العقايد الرديّة المسودّة للقلوب، المغذيّة للنفوس الشقيّة، المنمية لها فظاظة وغلظة، المورثة لها شدّة وقسوة، فإن غذاء الأشرار من الشرور، وهذه أغذيتهم الأخرويّة.
وبازاء أغذية هؤلاء، أرزاق أهل الله، ومقويّات قلوبهم ومغذيّات أرواحهم، وهي المعلومات اليقينيّة والعقايد الصحيحة الإيمانيّة، من معرفة المبدأ والمعاد، كما أشار إليه بقوله سبحانه:
{ { أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ، فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ } [الصافات:41 - 42]. { { أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ } [الصافات:62]. أي: معلوماتهم التي هي من معلومات الله، مقوّية لقلوبهم، مغذيّة لأرواحهم، يتفكهون بها ويتلذّذون في صحبة أتباعهم وأصحابهم وقلوبهم بها مكرّمة عند الله، جالسة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولا شكّ أنّ اليقينيّات التي تجعل العقول الهيولانية التي هي ملائكةٌ بالقوّة ملائكةً بالفعل خير نُزُلاً ونزولا إليهم من الوهميّات الكاذبة التي تجعل النفوس الوهمانيّة التي هي شياطين بالقوّة شياطين بالفعل.
وقرئ "من شجرة من زقُّوم"، فعلى هذا، تذكير الضمير الراجع إليها في "عليه" لكونها على تأويل الزقّوم لكونه في معناه، وأمّا على القراءة المعروفة بتأنيث ضمير الشجر في "منها" على المعنى، وتذكيره في "عليه" على اللفظ.