التفاسير

< >
عرض

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
١٠
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
١١
أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ
١٢
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ
١٣
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
١٤
ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٥
-البقرة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{ (10) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}: قيل نفاق وشكّ وذلك لأنَّ قلوبهم تغلي على النبيّ والوصيّ والمؤمنين حقداً وحَسَداً وغَيظاً وحنقاً وفي تنكير المرض وإيراد الجملة ظرفية إشارة إلى اٍستقراره ورسوخه وإلاّ لقال قلوبهم مرضى.
{فَزَادهُمُ اللهُ مَرَضا}: بحيث تاهت له قلوبهم.
{وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.
أقول: أي عذاب مؤلم يبلغ إيجاعه غاية البلوغ بسبب كذبهم أو تكذيبهم على اختلاف القراءة فانّ وصف العذاب بالأليم إنّما يكون للمبالغة وهو العذاب المعدّ للمنافقين وهو أشد من عذاب الكافرين لأنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النار.
{(11) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ}: باظهار النّفاق لعباد الله المستضعفين فتشوّشوا عليهم دينهم وتحيّروهُم في مذاهبهم.
{قَالُوا إِنّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}: لأنّا لا نعتقد ديناً فنرضى محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلم في الظاهر ونعتق أنفسنا من رقّه في الباطن وفي هذا صلاح حالنا.
{(12) أَلاَ إنّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ}: بما يفعلون في أمور أنفسهم لأن الله يعرف نبيّه نفاقهم فهو يلعنهم ويأمر المسلمين بلعنهم ولا يثق بهم أيضاً أعداء المؤمنين لأنهم يظنّون أنّهم ينافقونهم أيضاً كما ينافقون المؤمنين فلا يرتفع لهم عندهم منزلة ولهذا رد عليهم أبلغ ردّ.
{وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ}.
{(13) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ}: قال لهم خيار المؤمنين:
{آمِنُوا}: قيل هو من تمام النّصح والإِرشاد فان كمال الإيمان إنّما هو بالإِعراض عمّا لا ينبغي المقصود من قوله: لا تفسدوا والاتيان بما ينبغي المطلوب بقوله آمِنُوا {كَمَا آمَنَ النّاسُ}: المؤمنون كسلمان والمقداد وأبي ذرّ وعمّار، وقيل أي الكاملون في الإنسانية العاملون بمقتضى العقل أي آمنوا إيماناً مقروناً بالإِخلاص مبرّءاً عن شوائب النّفاق، {قالوا}: في الجواب لمن يفيضون إليه لا لهؤلاء المؤمنين فانّهم لا يجسرون على مكاشفتهم بهذا الجواب، {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} المذلّون أنفسهم لمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلم حتى إذا اضمحل أمره أهلكهم أعداؤه.
{أَلآ إنّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} الأخفّاء العقول والآراء الذين لم ينظروا حقّ النّظر فيعرفوا نبوّته وثبات أمره وصحّة ما ناطه بوصيّة من أمر الدين والدنيا فبقوا خائفين من محمد صلّى الله عليه وآله وأصحابه ومن مخالفيهم ولا يأمنون أيّهم يغلب فيهلكون معه فان كلاً من الفريقين يقدّر ان نفاقهم معه كنفاقهم مع الآخر وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ ان الأمر كذلك وأنّ الله يطلع نبيّه على أسرارهم فيخسئهم ويسقطهم.
{(14) وَإِذَا لَقُوا الّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنّا}: بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفّار بعد بيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فانّهم كانوا يظهرون الإيمان لسلمان وابي ذرّ ومقداد وعمّار {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِيْنِهِمْ} أخدانهم من المنافقين المشاركين لهم في تكذيب الرسول {قَالُوا إنّا مَعَكُمْ} أي في الدين والاعتقاد كما كنّا {إنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ} بالمؤمنين.
{(15) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} يجازيهم جزاء من يستهزئ به امّا في الدنيا فباجراء أحكام المسلمين عليهم وامره الرسول بالتعريض لهم حتى لا يخفى من المراد بذلك التعريض وامّا في الآخرة فبما روي أنّه يفتح لهم وهُم في النار باباً إلى الجنّة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سدّ عليهم الباب وذلك قوله تعالى: فاليومَ الّذينَ آمَنُوا مِنَ الكفّار يضحكون، رواه العامة.
وفي تفسير الامام عليه السلام ما يقرب من معناه في حديث طويل، {وَيَمُدُّهُمْ} يمهلهم ويتأتّى بهم برفقه ويدعوهم إلى التوبة ويعدهم إذا أنابُوا المغفرة في {طُغْيانِهِمْ} قيل في التعدِّي عن حدّهم الذي كان ينبغي أن يكونوا عليه {يَعْمَهُونَ} لا يرعوون عن قبيح ولا يتركون أذى محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، قيل يعمي قلوبهم والعمه عمى القلب وهو التحيّر في الأمر.