التفاسير

< >
عرض

يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٢٣
-البقرة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(21) يَا أَيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: قيل لمّا عدّد فرق المكلّفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفاف هزّاً للسامع وتنشيطاً له واهتماماً بأمر العبادة وتفخيماً لشأنها وجبراً لكلفة العبادة واهتماماً بلذّة المخاطبة.
وفي تفسير الإمام عليه السلام لها وجهان أحدهما خلقكم وخلق الذين من قبلكم لتتّقوا كما قال:
{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56] والوجه الآخر {(21) ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي اعبدوه لعلّكم تتّقون النار ولعل من الله واجب لأنّه أكرم من ان يعني عبده بلا منفعة ويطمعه في فضله ثم يخيبه.
أقول: لعلّكم على الوجه الأول يتعلق بخلقكم ويراد بالتقوى العبادة وعلى الوجه الثاني يتعلق باعبدوا ويراد بالتقوى الحذر، نبّه عليه السلام بقوله: لها وجهان على أن القرآن ذو وجوه وان حمله على الجمع صحيح ويأتي نظائره في كلامهم عليهم السلام وكون الكلام ذا وجوه مما يزيد في بلاغته ولطافته.
{(22) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} جعلها ملائمة لطبائعكم موافقة لأجسادكم مطاوعة لحرثكم وأبنيتكم ودفن موتاكم لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم ولا شديدة البرودة فتجمدكم ولا شديدة طيّب الرّيح فتصدع هاماتكم ولا شديدة النتن فتعطبكم ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم وأبنيتكم ودفن موتاكم ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم وجعل فيها من اللين ما تنقاد به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم {والسَّماءَ بِنَاءً} سقفاً من فوقكم محفوظاً يدير فيها شمساً وقمرها ونجومها لمنافعكم {وَأَنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَاءً}: يعني المطر ينزله من علىً ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم ثم فرّقه رذاذاً ووابلاً وهطلاً وطلاًّ لتنشفه أرضوكم ولم يجعل نازلاً عليكم قطعة واحدة فيفسد أراضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم، وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
"ينزل مع كل قطرة ملك يضعها في موضعها الذي أمره به ربّه عزّ وجلّ" {فأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ}.
أقول: لمطعمكم ومشربكم وملبسكم وسائر منافعكم {فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً} أشباهاً وأمثالاً من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنّها لا تقدر على شيء من هذه النّعَمْ الجليلة التي أنعمها عليكم ربّكم.
{(23) وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}: حتّى تجحد وأن يكون محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله وأن يكون هذا المنزّل عليه كلامي مع إظهاري عليه بمكّة من الآيات الباهرة كالغمامة المظلّة عليه والجمادات المسلّمة عليه وغير ذلك {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} من مثل محمد صلّى الله عليه وآله وسلم رجل منكم لا يقرأ ولا يكتب ولا يدرس كتاباً ولا اختلف إلى عالم ولا تعلم من احد وانتم تعرفونه في أسفاره وحضره بقي كذلك اربعين سنة ثم أُوتي جوامع العلم عَلِم عِلم الأوّلين والآخرين أو من مثل هذا القرآن من الكتب السّالفة في البلاغة والنّظم.
في الكافي عن الكاظم عليه السلام ما معناه أنه لما كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام وأتاهم الله من مواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجّة عليهم كما أتى قوم موسى عليه السلام ما أبطل به سحرهم إذ كان الغالب عليهم السحر وقوم عيسى عليه السلام الطّبّ وإِحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص إذ كان الغالب عليهم الزّمانات {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ من دُوِن اللهِ} أصنامكم التي تعبدونها أيها المشركون وشياطينكم أيها اليهود والنّصارى وقرناءكم الملحدين يا منافقي المسلمين من النصَّاب لآل محمد صلّى الله عليه وآله وسلم الطّيبين الذين يشهدون بزعمكم أنّكم محقّون وتزعمون أنّهم شهداؤكم عند رب العالمين بعبادتكم ويشفعون لكم إليه ليشهدوا لكم أنّ ما أتيتم مثله قيل أو لينصروكم على معارضته كما في قوله تعالى:
{ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } [الإسراء: 88] فانّ الشهيد جاء بمعنى الامام والنّاصر والقائم بالشهادة والتركيب للحضور حسّاً أو خيالاً {إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} بأنّ محمداً صلّى الله عليه وآله تقوّله من تلقاء نفسه لم ينزله الله عليه.