التفاسير

< >
عرض

فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٣٧
قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٣٨
وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٣٩
-البقرة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(37) فَتَلَقّىَ آدَمُ مِنْ رَبِهِ كَلِمَاتٍ} يقولها فقالها وقرئ بنصب آدم ورفع كلمات {فَتَابَ عَلَيْهِ بها إنّهُ هُوَ التَّوَّابُ} الكثير القبول للتوبة {الرَّحِيمُ} بالتائبين.
أقول: التوبة بمعنى الرجوع والإنابة فاذا نسبت إلى الله تعالى تعدت بعلى وإذا نسبت إلى العبد تعدت بإلى ولعل الأول لتضمين معنى الاشفاق والعطف ومعنى التوبة من العبد رجوعه إلى الله بالطاعة والانقياد بعدما عصى وعتا ومعناها من الله رجوعه بالعطف على عبده بإلهامه التوبة أولاً ثم قبوله إيّاها منه آخراً فلله توبتان وللعبد واحدة بينهما قال الله:
{ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ } [التوبة: 118] أي ألهمهم التوبة ليرجعوا ثم إذا رجعوا قبل توبتهم لأنه هو التواب الرحيم ولهذه الآية معنى آخر يأتي في سورة التوبة ان شاء الله.
وفي الكافي عن أحدهما عليهما السلام أن الكلمات (لا إلهَ إلاّ أنْتَ سُبْحانَكَ اللّهُمّ وَبِحَمْدِك عملت سوءً وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين لا إله إلاّ أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءً وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني إنك أنت أرحم الراحمين لا إله إلاّ أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءً وظلمت نفسي فتب عليّ إنّك التواب الرحيم) وفي رواية: (بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين)، وفي أخرى: بحق محمد وآل محمد صلّى الله عليه وآله وسلم.
وفي تفسير الإِمام "ع" لما زلت من آدم الخطيئة واعتذر إلى ربه عز وجل قال: يا رب تب عليّ واقبل معذرتي واعدني إلى مرتبتي وارفع لديك درجتي فلقد تبين نقص الخطيئة وذلها بأعضائي وسائر بدني قال الله تعالى: يا آدم أما تذكر امري إيّاك بأن تدعوني بمحمد وآله الطّيبين عند شدائدك ودواهيك وفي النّوازل التي تبهظك.
قال آدم: يا رب بلى، قال الله عز وجل: فبهم بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين خصوصاً فادعني أجبك إلى ملتمسك وأزدك فوق مرادك. فقال آدم: يا رب إلهي وقد بلغ عندك من محلهم لأنّك بالتوسل بهم تقبل توبتي وتغفر خطيئتي وانا الذي اسجدت له ملائكتك وابحته جنّتك وزوّجته حواء امَتَكَ وأخدمته كرام ملائكتك. قال الله تعالى: يا آدم إنما أمرت الملائكة بتعظيمك بالسجود لك إذ كنت وعاء هذه الأنوار ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها وأن أفّطنك لدواعي عدوك إبليس حتى تحترز منها لكنت قد جعلت ذلك ولكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقاً لعلمي فالآن فبهم فادعني لأجيبك فعند ذلك قال آدم: اللهم بجاه محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والطّيبين من آلهم لما تفضّلت بقبول توبتي وغفران زلتي وإعادتي من كراماتك إلى مرتبتي قال الله عز وجل: قد قبلت توبتك وأقبلت برضواني عليك وصرفت آلائي ونعمائي إليك وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي ووفرت نصيبك من رحماتي فذلك قوله عز وجل {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التّواب الرّحيم}.
{(38) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً} أُمروا أولاً بالهبوط وثانياً بأن لا يتقدم أحدهم الآخرين {فَإمّا يّأتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: قيل ما مزيدة لتأكيد الشرط ولذلك حسن النّون وإن لم يكن فيه معنى الطلب والشرط الثاني مع جوابه جواب للشرط الأول.
{(39) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} ولآلآئنا {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: ذكر العياشي حديثاً طويلاً في محاجة آدم ربه في خطيئته قال في آخره: بلى يا رب الحجّة لك علينا ظلمنا أنفسنا وعصينا وإن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين، والقمّي عن الصادق عليه السلام: أن آدم هبط على الصّفا وحواء على المروة فمكث آدم أربعين صباحاً ساجداً يبكي على خطيئته وفراقه للجنّة قال: فنزل جبرائيل على آدم وقال: يا آدم ألم يخلقك الله بيديه ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته قال: بلى. قال: وأمرك أن لا تأكل من تلك الشجرة فلِمَ عَصَيته؟ قال: يا جبرئيل إن إبليس حَلَفَ لي بالله أنّه لي ناصح وما ظننت أن أحداً خلقه الله يحلف بالله عز وجل كاذباً. فقال له جبرائيل عليه السلام: يا آدم تب إلى الله. وعنه عليه السلام قال: سأل موسى ربه أن يجمع بينه وبين آدم فجمع فقال له موسى: يا أبت ألَم يخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأمرك أن لا تأكل من تلك الشجرة فلِمَ عصيته. قال يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التوراة قال: بثلاثين الف سنة قال: فهو ذلك. قال الصادق عليه السلام: فحجّ آدم موسى.
وفي العيون عن الرضا عليه السلام أن الله تعالى قال لهما لا تقربا هذه الشجرة وأشار لهما إلى شجرة الحنطة ولم يقل لهما ولا تأكلا من هذه الشجرة ولا مما كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة وإنما أكلا من غيرها لمّا أن وسوس الشيطان إليهما. ثم قال: وكان ذلك من آدم قبل النبوة ولم يكن ذلك منه بذنب كبير استحق به دخول النار وإنّما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي إليهم فلمّا اجتباه الله تعالى وجعله نبياً كان معصوماً لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله تعالى:
{ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ } [طه: 121، 122] وقال: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً } [آل عمران: 33] وفي رواية ان الله عز وجل خلق آدم حجّة في أرضه وخليفة في بلاده لم يخلقه للجنّة وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض ليتمّ مقادير أمر الله عز وجل فلما اهبط إلى الأرض وجعله حجّة وخليفة عصم بقوله عز وجل: إن الله اصطفى آدم ونوحاً الآية. والقمّي عن الباقر عليه السلام كان عمر آدم منذ خلقه الله إلى أن قبضه تسعماءة وثلاثين سنة ودفن بمكة ونفخ فيه يوم الجمعة بعد الزّوال ثم برأ زوجته من أسفل أضلاعه وأسكنه جنّته من يومه ذلك فما استقر فيها الا ست ساعات من يومه ذلك حتى عصى الله فأخرجهما من الجنة بعد غروب الشمس وما باتا فيها.
والعياشي عن الصادق عليه السلام أن الله تعالى نفخ في آدم روحه بعد زوال الشمس من يوم الجمعة ثم برأ زوجته من أسفل أضلاعه الحديث كما مر، وزاد في آخره وصيّرا بفناء الجنة حتى أصبحا وبدت لهما سوءاتهما فناداهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة فاستحى آدم من ربه فخضع وقال: ربنا ظلمنا أنفسنا واعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا. قال الله لهما: اهبطا من سماواتي إلى الأرض فانه لا يجاورني في جنّتي عاصٍ ولا في سمواتي. ثم قال عليه السلام: إن آدم لما أكل من الشجرة ذكر ما نهاه الله عنها فندم فذهب ليتنحى من الشجرة فأخذت الشجرة برأسه فجرّته إليها وقالت له: أفلا كان فرارك من قبل أن تأكل مني.