التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٤٢
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ
٤٣
أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٤٤
وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ
٤٥
-البقرة

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(42) وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ}: لا تخلطوه به بأن تقرّوا به من وجه وتجحدوه من وجه {وَتَكْتُمُوا} عطف على النّهي أو نصب باضمار أن {الْحَقَّ} من نبوة هذا وإمامة هذا {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنّكم تكتمونه تكابرون علومكم وعقولكم.
{(43) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}: المكتوبة التي جاء بها محمد صلّى الله عليه وآله وسلم وأقيموا أيضاً الصلاة على محمد وآله الطاهرين {وَآتُوا الزَّكَاةَ} من أموالكم إذا وجبت ومن أبدانكم إذا لزمت ومن معونتكم إذا التمست.
وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام أنه سئل عن صدقة الفطرة أهي مما قال الله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فقال نعم، والعياشي عنه عليه السلام مثله.
وعن الصادق عليه السلام هي الفطرة التي افترض الله على المؤمنين.
وفي رواية: نزلت الزكوة وليست للناس الأموال وإنما كانت الفطرة {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} تواضعوا مع المتواضعين لعظمة الله في الانقياد لأولياء الله، وقيل أي في جماعاتهم للصلاة أقول: وهذا فرد من أفراد ذلك.
{(44) أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ} بالصدقات وأداء الأمانات {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تتركونها {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ} التوراة الآمرة لكم بالخيرات الناهية عن المنكرات {أَفلاَ تَعْقِلُونَ} ما عليكم من العقاب في أمركم بما به لا تأخذون وفي نهيكم عما أنتم فيه منهمكون نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم المردة المنافقين المحتجنين أموال الفقراء المستأكلين للأغنياء الذين كانوا يأمرون بالخير ويتركونه وينهون عن الشر ويرتكبونه.
القمّي: نزلت في الخطباء والقصَّاص وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام وعلى كل منبر منهم خطيب مصقع يكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه.
أقول: وهي جارية في كل من وصف عدلاً وخالف إلى غيره.
وفي مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام قال من لم ينسلخ من هواجسه ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها ولم يهزم الشيطان ولم يدخل في كنف الله وامان عصمته لا يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة فكل ما اظهر يكون حجة عليه ولا ينتفع الناس به، قال الله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ويقال له يا خائن أتطالب خلقي بما خنت به نفسك وأرخيت عنه عنانك.
{(45) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} عن الحرام على تأدية الأمانات وعن الرئاسات الباطلة على الاعتراف بالحق واستحقاق الغفران والرضوان ونعيم الجنان.
أقول: وعن سائر المعاصي وعلى أصناف الطاعات وأنواع المصيبات وعلى قرب الوصول إلى الجنان.
وفي الكافي والفقيه والعياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية أن الصبر الصّيام وفيهما وقال عليه السلام إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم فان الله تعالى يقول استعينوا بالصبر والصلاة يعني الصيام، والعياشي عن الكاظم عليه السلام مثله {والْصَّلاةِ} الصلوات الخمس والصلاة على النبي وآله الطاهرين.
أقول: وكل صلاة فريضة أو نافلة لما روي في المجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما أما سمعت الله يقول: {واستعينوا بالصبر والصلاة}.
وفي الكافي عنه عليه السلام قال: كان علي عليه السلام إذا هاله شيء فزع إلى الصلوة ثم تلا هذه الآية واستعينوا بالصبر والصلوة {وإِنَّهَا} القمّي يعني الصلاة وقيل الاستعانة بهما، وفي تفسير الإمام عليه السلام أن هذه الفعلة من الصلوات الخمس والصلاة على محمد وآله مع الانقياد لأوامرهم والإيمان بسرهم وعلانيتهم وترك معارضتهم بِلِمَ وكيفَ {لَكَبِيرَةٌ}: عظيمة.
أقول: يعني لثَقيلة شاقّة كقوله تعالى:
{ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } [الشورى: 13] {إلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ} الخائفين عقاب الله في مخالفته في أعظم فرائضه.
أقول: وذلك لأن نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة في مقابلتها ما يستخفّ لأجله مشاقّها ويستلذّ بسببه متاعبها كما قال نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلم جعلت
"قرة عيني في الصلاة" وكان يقول "روّحنا أو أرحنا يا بلال" .