التفاسير

< >
عرض

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٩٤
قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٩٥
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ
٩٦
فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ
٩٧
-آل عمران

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(94) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللِه الْكَذَبَ} بزعمه أنّ ذلك كان محرماً على الأنبياء وعلى بني إسرائيل قبل انزال التوراة {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} من بعد ما لزمهم الحجّة {فَأوْلئكَ هُمُ الظّالِمُونَ} لأنفسهم لمكابرتهم الحقّ من بعد وضوحه.
{(95) قُلْ صَدَقَ اللهُ} تعريض بكذبهم أي ثبت أنّ الله صادق فيما أنزله وأنتم الكاذبون {فَاتّبِعُوا مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} وهي ملّة الإسلام التي عليها محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ومن آمن معه ثمّ برّأ سبحانه إبراهيم ممّا كان ينسبه اليهود والمشركون إليه من كونه على دينهم فقال {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكينَ}.
{(96) إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ} ليكون متعبداً لهم {لَلّذِي بِبَكّةَ} البيت الذي ببكة وهو الكعبة.
في الكافي عنهما عليهما السلام. وفي الفقيه والعياشي عن الباقر عليه السلام قال لمّا أراد الله تعالى أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربن متن الماء حتى صار موجاً ثم ازبد فصار زبداً واحداً فجمعه في موضع البيت ثمّ جعله جبلاً من زبد ثم دحى الأرض من تحته وهو قول الله تعالى انّ أوّل بيت وضع للنّاس للّذي ببكّة مباركاً وزاد في الفقيه فأوّل بقعة خلقت من الأرض الكعبة ثم مدّت الأرض منها.
وفي أنَّ الله اختار من كل شيء شيئاً اختار من الأرض موضع الكعبة.
وفي العلل عن الصادق عليه السلام انّما سمّيت مكّة بكّة لأنّ الناس يبكّون فيها يعني يزدحمون.
وفي رواية أخرى لبكاءِ الناس حولها وفيها وقيل لأنّها تبك أعناق الجبابرة يعني تدقّها.
وعنه عليه السلام موضع البيت بكّة والقرية مكّة.
وعن الباقر عليه السلام انّما سمّيت مكّة بَكّةَ لأنّه يبكّ بها الرجال والنّساء والمرئة تصلّي بين يديك وعن يمينك وعن شمالك وعن يسارك ومعك ولا بأس بذلك لأنّه انّما يكره في ساير البلدان.
وفي الخصال عن الصادق عليه السلام اسماء مكة خمسة أم القرى ومكّة وبكّة والبسّاسة إذا ظلموا بها بستّهم أي أخرجتهم وأهلكتهم وامّ رُحم كانوا إذا لزموها رحموا، ومثله في الفقيه مرسلاً.
وفيه عن الصّادق عليه السلام قال انّ الله عز وجلّ انزله لآدم من الجنة وكانت درّة بيضاء فرفعه الله إلى السماء وبقي اسّه وهو بحيال هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أبداً فأمر الله عز وجلّ إبراهيم وإسماعيل لبنيان البيت على القواعد.
وفي الكافي عنه عليه السلام قال كان موضع الكعبة ربوة من الأرض بيضاء تضيء كضوء الشمس والقمر حتى قتل ابنا آدم أحدهما صاحبه فاسودت فلما نزل آدم رفع الله تعالى له الأرض كلها حتى رآها ثم قال هذه لك كلها قال يا رب ما هذه الأرض البيضاء المنيرة قال هي حرمي في أرضي وقد جعلت عليك أن تطوف بها في كل يوم سبعماءة طواف.
وفي الفقيه عنه عليه السلام قال وجد في حَجَر اني انا الله ذوبكة صنعتها يوم خلقت السموات والأرض ويوم خلقت الشّمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حقّاً مباركاً لأهلها في الماء واللّبن يأتيها رزقها من ثلاثة سبل من أعلاها وأسفلها والثّنية بعده {مُبَارَكاً} كثير الخير والنفع لمن حجّه واعتمره واعتكف عنده وطاف حوله وقصد نحوه من مضاعفة الثواب وتكفير الذنوب ونفي الفقر وكثرة الرزق {وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ} لأنه قبلتهم ومتعبّدهم.
{(97) فِيْهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} كقهره لمن تعرّض له من الجبابرة بسوءٍ كأصحاب الفيل وغير ذلك {مَقَامُ إبْرَاهِيْمَ} أي منها مقام إبراهيم.
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل ما هذه الآيات البيّنات قال مقام إبراهيم حيث قام على الحجَر فأثرت فيه قَدَمَاه والحجر الأسود ومنزل إسماعيل.
اقول: أمّا كون المقام آية فلما ذكر ولارتفاعه بإبراهيم عليه السلام حتّى كان أطول من الجبال كما يأتي ذكره في سورة الحجّ إن شاء الله. وأمّا كون الحجر الأسود آية فلما ظهر منه للأنبياء والأوصياء من العجائب إذ كان جوهرة جعله الله مع آدم في الجنّة وإذ كان ملكاً من عظماء الملائكة القمه الله الميثاق وأودعه عنده ويأتي يوم القيامة وله لسان ناطق وعينان يعرفه الخلق يشهد لمن وافاه بالموافاة ولمن أدّى إليه الميثاق بالأداء وعلى من جحده بالانكار إلى غير ذلك كما ورد في الأخبار عن الأئمة الأطهار ولمّا ظهر لطائفة من تنطّقه لبعض المعصومين كالسّجاد حيث نازعه عمّه محمد بن الحنفيّة في أمر الإمامة كما ورد في الرّوايات ومن عدم طاعته لغير المعصوم في نصبه في موضعه كما جرّب غير مرّة، وأمّا كون منزل إسماعيل آية فلانة أنزل به من غير ماءٍ فنبع له الماء وانّما خصّ المقام بالذكر في القرآن وطوى ذكر غيره لأنّه أظهر آياته اليوم للنّاس، قيل سبب هذا الأثر أنه لمّا ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكّن من رفع الحجارة فغاضت فيه قدماه، وقيل أنه لمّا جاء زائراً من الشّام إلى مكّة فقالت له امرأة إسماعيل انزل حتّى نغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقّة الأيمن فوضع قدمه عليه حتّى غَسَلت شقّ راسه ثم حوّلته إلى شقّة الأيسر حتّى غسلت الشقّ الآخر فبقي أثر قدميه عليه.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام وكان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام عند جدار البيت فلم يزل هناك حوّله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم فلما فتح النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مكة ردّه إلى المرضع الذي وضعه إبراهيم عليه السلام فلم يزَل هناك إلى أن وليَّ عمر بن الخطاب فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام فقال رجل أنا قد أخذت مقداره بنسع فهو عندي فقال تأتيني به فآتاه به فقاسه ثم ردّه إلى ذلك المكان {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنَاً}.
في العلل عن الصادق عليه السلام أنّه قال لأبي حَنيفة أخبرني عن قول الله عزّ وجل ومن دخله كان آمِناً أين ذلك من الأرض قال الكعبة قال افتعلم انّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمناً فيها قال فسكت فسئله عن الجواب فقال من بايع قائمنا ودخل معه ومسح على يده ودخل في عقدة أصحابه كان آمناً.
والعياشي عنه عليه السلام من دخله وهو عارف بحقنا كما هو عارف به خرج من ذنوبه وكُفِيَ همّ الدنيا والآخرة.
وفي الكافي والعياشي عنه عليه السلام قال من أمّ هذا البيت وهو يعلم أنّه البيت الذي أمره الله عز وجل به وعرفنا أهل البيت حقّ معرفتنا كان آمناً في الدنيا والآخرة.
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام أن من دخله عارفاً بجميع ما أوجبه الله عليه كان آمناً في الآخرة من العذاب الدَّائم.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في أدعية دخول البيت اللّهم انك قلت ومن دخله كان آمناً فامّني من عذاب النار.
وفيه العياشي عنه عليه السلام قال من دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمن به من سخط الله ومن دخله من الوحش والطير كان آمناً أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم.
وعنه عليه السلام قال إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فرّ إلى الحرم لم يسع لأحد أن يأخذه في الحرم ولكن يمنع من السوق ولا يباع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلّم فانّه إذا فعل ذلك يوشك أن يخرج فيؤخذ وإذا جنى في الحرم جناية أُقيم عليه الحدّ في الحرم.
وزاد في الكافي لأنه لم يرع للحرَم حرمةً.
وفي رواية إن سرق سارق بغير مكّة أو جنى جناية على نفسه ففر إلى الحرم لم يؤخذ ما دام في الحرم حتى يخرج منه ولكن يمنع من السوق فلا يباع ولا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ وان أحدث في الحرم ذلك الحدث أُخذ فيه.
وفي الكافي عنه عليه السلام وقد سأله سماعة عن رجل لي عليه مال فغاب عني بزمان فرأيته يطوف حول الكعبة أفأتقاضاه مالي قال لالا تسلّم عليه ولا تروعه حتى يخرج من الحرم.
وعنه من دفن في الحرم أَمِنَ مِنَ الفزع الأكبر من برّ الناس وفاجرهم.
وفي الفقيه من مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين ومن مات بين الحرمين لم ينشر له ديوان ومن دفن في الحرم أَمِنَ من الفزع الأكبر {وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ} وقرئ بكسر الحاء يعني قصده للمناسك المخصوصة.
في الكافي عن الصادق عليه السلام يعني به الحج والعمرة جميعاً لأنهما مفروضان {مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً}.
العياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال الصحة في بدنه والقدرة في ماله.
وفي الكافي والعياشي عنه عليه السلام أنه سئل ما السبيل قال أن يكون له ما يحج قال قلت من عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلاً قال نعم ما شأنه يستحيي ولو يحجّ على حمار أجدع ابتر فان كان يطيق أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً فليحج. وفي رواية يخرج ويمشي ان لم يكن عنده، قيل لا يقدر على المشي قال يمشي ويركب قيل لا يقدر على ذلك قال يخدم القوم ويخرج معهم. وفي رواية أنّه سئل عن هذه الآية فقال من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه وله زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج أو قال ممن كان له مال. وفي رواية أنه عليه السلام سئل عن هذه الآية فقال ما يقول الناس، فقيل الزاد والراحلة فقال قد سئل أبو جعفر عليه السلام عن هذا فقال هلك الناس إذاً لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت به عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسألهم اياه لقد هلكوا فقيل له وما السبيل قال فقال السّعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقي بعضاً يقوت به عياله أليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلاّ على من يملك ماءتي درهم.
اقول: معنى الحديث لئن كان من كان له قدر ما يقوت به عياله فحسب وجب عليه أن ينفق ذلك في الزاد والراحلة ثم ينطلق إلى الناس يسألهم قوت عياله لهلك الناس إذاً وينبغي أن يحمل اختلاف الروايات على اختلاف الناس في جهات الاستطاعة ودرجات التوكل ومراتب القوّة والضعف ان الانسان على نفسه بصيرة {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} قيل وضع كفر موضع لم يحج تأكيداً لوجوبه وتغليظاً على تاركه.
وفي الفقيه وفي وصية النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لعلّي عليه السلام
"يا علي تارك الحج وهو مستطيع كافر قال الله تعالى {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} يا عليّ من سوّف الحج حتى يموت بعثه الله يوم القيامة يهودياً أو نصرانياً" .
وفي الكافي والتهذيب عن الصادق عليه السلام من مات ولم يحج حجة الإِسلام ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً.
وفي التهذيب عنه عليه السلام في قوله تعالى ومن كفر قال يعني من ترك وعن الكاظم عليه السلام وقد سأله أخوه عليٌّ من لم يحج منا فقد كفر قال لا ولكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر.
أقول: وذلك لأن الكفر يرجع إلى الإِعتقاد دون العمل فقوله تعالى ومن كفر أي ومن لم يعتقد فرضه أو لم يبال بتركه فان عدم المبالاة يرجع إلى عدم الإِعتقاد.
والعياشي عنه عليه السلام قال هو كفر النعم وقال يعني من ترك، وروي انه لما نزل صدر الاية جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أرباب الملل فخطبهم وقال ان الله كتب عليكم الحج فحجّوا فآمنت به ملّة واحدة وكفرت خمس ملل فنزلت ومن كفر قيل وقد أكّد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الدلالة على وجوبه بصيغة الخبر وإبرازه في صورة الاسمية وإيراده على وجه يفيد أنّه حق واجب لله تعالى في رقاب الناس وتعميم الحكم أولاً وتخصيصه فانّه كإيضاح بعد ابهام وتثنية تكرير للمراد وتسمية ترك الحج كفراً من حيث أنه فعل الكفرة وذلك الاستغناء في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان وقوله على العالمين بدل عنه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان والإِشعار بعظم السّخط لأنه تكليف شاقّ جامع بين كسر النفس واتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإِقبال على الله تعالى.