التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
١٨
وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ
١٩
-لقمان

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(18) وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} ولا تمل وجهك من الناس تكبّراً ولا تعرض عمّن يكلّمك استخفافاً به.
كذا في المجمع عن الصادق عليه السلام قيل هو من الصَعَّر وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه والقمّي اي لا تذلّ للنّاس طمعاً فيما عندهم وقرئ لا تصاعر {وَلاَ تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحًا} فرحاً وهو البطر.
والقمّي عن الباقر عليه السلام يقول بالعظمة { إِنَّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} علّة النهي.
في المجالس والفقيه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه نهى ان يختال الرجل في مشيته وقال من لبس ثوباً فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنّم وكان قرين قارون لأنّه اوّل من اختال فخسف به وبداره الأرض ومن اختال فقد نازع الله في جبروته.
{(19) وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ} توسّط بين الدّبيب والاسراع.
والقمّي اي لا تعجل.
وفي الخصال عن الصادق عليه السلام قال سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} اقصر منه والقمّي اي لا ترفعه {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ} اوحشها {لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}
في الكافي عن الصادق عليه السلام انّه سئل عنه عليه السلام فقال العطسة القبيحة.
وفي المجمع عنه عليه السلام قال هي العطسة المرتفعة القبيحة والرجل يرفع صوته بالحديث رفعاً قبيحاً الاّ ان يكون داعياً او يقرء القرآن والقمّي عنه عليه السلام في قول الله تعالى
{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ } [لقمان: 13] الآيات قال فوعظ لقمان ابنه باثار حتّى تفطّر وانشقّ وكان فيما وعظ به ان قال يا بنيّ انّك منذ سقطت الى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار انت اليها تسير اقرب اليك من دار انت عنها متباعد يا بنيّ جالس العُلماء وزاحمهم بركبتيك ولا تجادلهم فيمنعوك وخذ من الدنيا بلاغاً ولا ترفضها فتكون عيالاً على الناس ولا تدخل فيها دخولاً يضرّ بآخرتك وصُم صوماً يقطع شهوتك ولا تصم صياماً يمنعك من الصلاة فانّ الصلاة احبّ الى الله من الصيام يا بنيّ انّ الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير فاجعل سفينتك فيها الإِيمان واجعل شراعها التوكّل واجعل زادك فيها تقوى الله فان نجوت فبرحمة الله وان هلكت فبذنوبك يا بنيّ ان تأدّبت صغيراً انتفعت به كبيراً ومن عنى بالأدب اهتمّ به ومن اهتمّ به تكلّف علمه ومن تكلّف علمه اشتدّ له طلبه ومن اشتدّ له طلبه ادرك منفعته فاتّخذه عادة فانّك تخلف في سلفك وتنفع به من خلفك ويرتجيك فيه راغب ويخشى صولتك راهب وايّاك والكسل عنه والطلب لغيره فان غلبت على الدنيا فلا تغلبنَّ على الآخرة واذا فاتك طلب العلم في مظانّه فقد غلبت على الآخرة واجعل في ايّامك ولياليك وساعاتك لنفسك نصيباً في طلب العلم فانّك لن تجد له تضييعاً اشدّ من تركه ولا تمارينّ فيه لجوجاً ولا تجادلنّ فقيهاً ولا تعادينّ سلطاناً ولا تماشينّ ظلوماً ولا تصادقنّه ولا تواخينّ فاسقاً نطفاً ولا تصاحبنّ متهماً واخزن علمك كما تخزن ورقك.
يا بنيّ خف الله عزّ وجلّ خوفاً لو اتيت يوم القيامة ببرّ الثّقلين خفت ان يعذّبك وارج الله رجاء لو وافيت القيامة باثم الثقلين رجوت ان يغفر الله لك فقال له ابنه يا ابت وكيف اطيق هذا وانّما لي قلب واحد فقال له لقمان يا بنيّ لو استخرج قلب المؤمن فشق لوجد فيه نوران نور للخوف ونور للرّجاء لو وزنا ما رجّح احدهما على الآخر بمثقال ذرّة فمن يؤمن بالله يصدّق ما قال الله عزّ وجلّ ومن يصدّق ما قال الله يفعل ما أمر الله عز وجل ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله فانّ هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض فمن يؤمن بالله ايماناً صادقاً يعمل لله خالصاً ناصحاً فقد آمن بالله صادقاً ومن اطاع الله خافه ومن خافه فقد احبّه ومن احبّه فقد اتّبع امره ومن اتّبع امره استوجب جنّته ومرضاته ومن لم يتّبع رضوان الله فقد هان عليه سخط الله نعوذ بالله من سخط الله.
يا بنيّ لا تركن الى الدنيا ولا تشغل قلبك بها فما خلق الله خلقاً هو اَهون عليه منها الا ترى انّه لم يجعل نعيمها ثواباً للمطيعين ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين.