التفاسير

< >
عرض

أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً
١٢١
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً
١٢٢
لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٢٣
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً
١٢٤
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً
١٢٥
-النساء

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(121) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} معدلاً ومهرباً.
{(122) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِيِنَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قيلاً} تأكيد بليغ.
{(123) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ}.
القمّي ليس ما تتمنون أنتم ولا أهل الكتاب أي أن لا تعذبوا بأفعالكم {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} عاجِلاً أو آجلاً.
في العيون أن إسماعيل قال للصادق عليه السلام يا ابتاه ما تقول في المذنب منا ومن غيرنا فقال ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به.
وفي المجمع عن أبي هريرة قال
"لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء فقال أما والذي نفسي بيده انها لَكمَا نزلت، ولكن ابشروا وقاربوا وسددوا أنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة الا كفر الله بها خطيئته حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه" .
أقول: معنى قاربوا وسددوا اقتصدوا في أموركم واطلبوا بأعمالكم السداد والإِستقامة من غير غلو ولا تقصير.
وفي معنى هذا الحديث أخبار كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام.
فالعياشي عن الباقر عليه السلام لما نزلت هذه الاية من يعمل سوء يجز به قال بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ما أشدها من آية فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم اما تبتلون في أنفسكم وأموالكم وذراريكم قالوا بلى قال هذا مما يكتب الله لكم به الحسنات ويمحو به السيئات.
وفي الكافي عنه عليه السلام ان الله تعالى إذا كان من أمره أن يكرم عبداً وله ذنب ابتلاه بالحاجة فان لم يفعل ذلك به شدد عليه الموت ليكافيه بذلك الذنب (الحديث). {وَلاَ يَجِدْ لَهُ} لنفسه {مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً} من يواليه {وَلاَ نَصِيراً} يدفع عنه العذاب.
{(124) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} بعضها {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ} وقرئ بضم الياء وفتح الخاء {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} بنقص شيء من الثواب، النقير النقطة التي في النواة.
{(125) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ} أخلص نفسه لله {وَهُوَ مُحْسِنٌ} آت بالحسنات.
وفي الحديث النبوي
"الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك" {وَاتّبَعَ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ} التي هي دين الإِسلام والمتفق على صحتها يعني اقتدى بدينه وبسيرته وطريقته {حَنِيفاً} مائلاً عن سائر الأديان {وَاتّخَذَ اللهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} اصطفاه وخصصه بكرامة الخلة.
في الكافي عنهما عليهما السلام ان الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً وان الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً وان الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً وان الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً.
وفيه والعياشي عن الباقر عليه السلام لما اتخذ الله عز وجل إبراهيم خليلاً أتاه بشراه بالخلة فجاءه ملك الموت في صورة شاب أبيض عليه ثوبان أبيضان يقطر رأسه ماءً ودهناً فدخل إبراهيم الدار فاستقبله خارجاً من الدار وكان إبراهيم رجلاً غيوراً وكان إذا خرج في حاجة أغلق بابه وأخذ مفتاحه معه ثم رجع ففتح فإذا هو برجل قائم أحسن ما يكون الرجال فأخذه بيده وقال يا عبد الله من أدخلك داري فقال ربها ادخلنيها فقال ربها أحق بها مني فمن أنت قال ملك الموت ففزع إبراهيم عليه السلام وقال جئتني لتسلبني روحي قال لا ولكن اتخذ الله عبداً خليلاً فجئت لبشارته قال فمن هو لعلي أخدمه حتى أموت قال أنت هو فدخل على سارة فقال لها ان الله تعالى اتخذني خليلاً.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن إبراهيم كان أبا اضياف وكان اذا لم يكونوا عنده خرج يطلبهم وأغلق بابه وأخذ المفاتيح يطلب الأضياف وأنه رجع إلى داره فإذا هو برجل أو شبه رجل في الدار فقال يا عبد الله باذن من دخلت هذه الدار فقال دخلتها باذن ربها يردد ذلك ثلاث مرات فعرف إبراهيم عليه السلام أنه جبرئيل فحمد ربّه ثم قال أرسلني ربك إلى عبد من عبيده يتخذه خليلاً قال إبراهيم عليه السلام اعلمني من هو أخدمه حتى أموت قال فأنت قال وبم ذلك قال لأنك لم تسأل أحداً شيئاً قط ولم تُسأل شيئاً قط فقلت لا.
والقمّي عنه عليه السلام ان إبراهيم عليه السلام هو أول من حول له الرمل دقيقاً وذلك أنه قصد صديقاً له بمصر في قرض طعام فلم يجده في منزله فكره أن يرجع بالحمار خالياً فملأ جرابه رملاً فلما دخل منزله خلا بين الحمار وبين سارة استحياءً ودخل البيت ونام ففتحت سارة عن دقيق أجود ما يكون فخبزت وقدمت إليه طعاماً طيباً فقال إبراهيم عليه السلام من أين لك هذا فقالت من الدقيق الذي حملته من عند خليلك المصري فقال إبراهيم اما إنه خليلي وليس بمصري فلذلك أعطى الخلة فشكره وحمده وأكل.
وفي الاحتجاج عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في حديث قولنا إن إبراهيم عليه السلام خليل الله فإنما هو مشتق من الخلة والخلة إنما معناها الفقر والفاقة فقد كان خليلاً إلى ربه فقيراً إليه منقطعاً وعن غيره معرضاً مستغنياً وذلك أنه لما أُريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث الله إلى جبرئيل فقال له أدرك عبدي فجاءه فلقيه في الهواء فقال كلفني ما بدا لك فقد بعثني الله لنصرتك فقال بل حسبي الله ونعم الوكيل اني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلا إليه فسماه خليله أي فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عما سواه قال وإذا جعل معنى ذلك من الخلة وهو أنه قد تخلل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان معناه العالم به وبأموره ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه ألا ترون أنه لم ينقطع إليه لم يكن خليله وإذا يعلمه بأسراره لم يكن خليله.
وفي العيون عن الصادق عليه السلام انما اتخذ الله إبراهيم خليلاً لأنه لم يرد أحداً ولم يسأل أحداً قط غير الله.
وفي العلل عنه عليه السلام لكثرة سجوده على الأرض.
وعن الهادي عليه السلام لكثرة صلواته على محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم أجميعن.
وعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لاطعامه الطعام وصلاته بالليل والناس نيام.
أقول: لا تنافي بين هذه الأخبار لأنها كلها مشترك في معنى انقطاعه إلى الله واستغنائه عما سواه وانه الموجب لاتخاذ الله إياه خليلاً ومما يدل على هذا المعنى ما ورد في بعض الروايات ان الملائكة قال بعضهم لبعض اتخذ ربنا من نطفة خليلاً وقد أعطاه ملكاً عظيماً جزيلاً فأوحى الله تعالى إلى الملائكة اعمدوا على أزهدكم ورئيسكم فوقع الاتفاق على جبرئيل وميكائيل فنزلا إلى إبراهيم في يوم جمع غنمه وكان لابراهيم عليه السلام أربعة آلاف راع واربعة آلاف كلب في عنق كل كلب طوق وزن منّ من ذهب أحمر وأربعون ألف غنمة حلابة وما شاء الله من الخيل والجمال فوقف الملكان في طرفي الجمع فقال أحدهما بلذاذة صوت سبوح قدوس فجاوبه الثاني رب الملائكة والروح فقال أعيداهما ولكما نصف مالي ثم قال أعيداهما ولكما مالي وولدي وجسدي فنادت ملائكة السموات هذا هو الكرم هذا هو الكرم فسمعوا منادياً من العرش يقول الخليل موافق لخليله.