التفاسير

< >
عرض

وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
٣٠
إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً
٣١
-النساء

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(30) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} اشارة إلى ما سبق من المنهيات {عُدْوَاناً وَظُلْماً} افراطاً في التجاوز عن الحق واتياناً بما لا يستحقه {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} ندخله اياها {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً} لا عسر فيه ولا صارف عنه.
{(31) إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} يغفر لكم صغائركم ويمحها عنكم ولا تسألون عنها {وَنُدْخِلكُم مُدْخَلاً كَرِيماً} الجنة وما وعدتم من الثواب او ادخالاً مع كرامة، وقرئ بفتح الميم وهو أيضاً يحتمل المكان والمصدر.
في الفقيه والعياشي عن الباقر عليه السلام انه سئل عن الكبائر فقال كلما اوعد الله عليه النار.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية الكبائر التي اوجب الله عليها النار.
وفي ثواب الأعمال عنه عليه السلام في هذه الآية من اجتنب ما أوعد الله عليه النار إذا كان مؤمناً كفر الله عنه سيئاته ويدخله مدخلاً كريماً والكبائر السبع الموجبات قتل النفس الحرام وعقوق الوالدين واكل الربى والتعرب بعد الهجرة وقذف المحصنة واكل مال اليتيم والفرار من الزحف، ورواها في الكافي عن الكاظم عليه السلام مع أربع روايات صادقية عدت في كل منها سبعاً. وروتها العامة أيضاً كذلك إلا ان بعضها بدّل بعضاً ببعض والمشترك في روايات السبع القتل والعقوق واكل مال اليتيم والفرار عن الزحف.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في جملة الأربع أنه سأله زرارة عن الكبائر فقال هن في كتاب عليّ صلوات الله وسلامه عليه سبع: الكفر بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وأكل الربى بعد البينة وأكل مال اليتيم ظلماً والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة قال فقلت هذا أكبر المعاصي قال نعم قلت فأكل درهم من مال اليتيم ظلماً أكبر أم ترك الصلاة قال ترك الصلاة قلت فما عددت ترك الصلاة في الكبائر قال أي شيء أول ما قلت لك قال قلت الكفر قال فان تارك الصلاة كافر يعني من غير علة.
أقول: الموجبات يجوز فيها الكسر والفتح أي التي توجب النار والتي أوجب الله تعالى عليها النار والتعرب بعد الهجرة أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجراً وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذر يعدونه كالمرتد ولا يبعد تعميمه كل من تعلم آداب الشرع والسنة ثم تركها وأعرض عنها ولم يعمل بها.
وفي المعاني عن الصادق عليه السلام المتعرب بعد الهجرة التارك لهذا الأمر بعد معرفته ومعنى البينة بعد أن يتبين له تحريمه والمحصنة بفتح الصاد المعروفة بالعفة كانت ذات زوج أو لم تكن والزحف المشي إلى العدو للمحاربة، وفي بعض الأخبار عدت أشياء أُخر غير ما ذكر من الكبائر كالإشراك بالله واليأس من روح الله والامن من مكر الله والسحر والزنا واليمين الغموس الفاجرة والغلول وشهادة الزور وكتمان الشهادة وشرب الخمر وترك الصلاة والزكاة المفروضتين ونقض العهد وقطيعة الرحم واللواط والسرقة إلى غير ذلك ومعنى اليمين الغموس الفاجرة اي الكاذبة.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام اليمين الغموس التي توجب النار الرجل يحلف على حق امرئ مسلم على حبس ماله، قيل انما سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإِثم.
وعن ابن عباس ان الكبائر إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع.
وفي المجمع نسب إلى أصحابنا ان المعاصي كلها كبيرة ولكن بعضها أكبر من بعض وليس في الذنوب صغيرة وانما يكون صغيراً بالإِضافة إلى ما هو أكبر واستحقاق العقاب عليه أكثر، قيل وتوفيقه مع الآية ان يقال من عنّ له أمران ودعت نفسه اليهما بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرهما كفّر عنه ما ارتكبه لما استحق عليه من الثواب على اجتناب الأكبر كما إذا تيسر له النظر بشهوة والتقبيل فاكتفى بالنظر عن التقبيل ولعل هذا مما يتفاوت أيضاً باعتبار الأشخاص والأحوال فان حسنات الأبرار سيئات المقربين ويؤاخذ المختار بما يعفى عن المضطرين.
أقول: ظاهر الآية والأخبار الواردة في تفسيرها وتفسير الكبائر يعطي تمايز كل من الصغائر والكبائر عن صاحبها كما لا يخفى على من تأمل فيها وما نسبه في المجمع إلى أصحابنا لا مستند له وقول الموفق يعطي ان من قدر على قتال أحد فقطع اطرافه كان قطع أطرافه مكفراً وهو كما ترى فلا بد لكلامه وكلام الأصحاب من توجيه حتى يوافقا الظواهر.