التفاسير

< >
عرض

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً
١
-الفتح

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(1) إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فتْحاً مُبِيناً}.
في المجمع عن النبيّ صلّى الله عليه وآله قال لمّا نزلت هذه الآية لقد نزلت عليّ آية هي احبّ اليّ من الدنيا وما فيها.
والقمّي عن الصادق علي السلام قال سبب نزول هذه السورة وهذا الفتح العظيم انّ الله عزّ وجلّ امر رسوله في النّوم ان يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلّقين فأخبر اصحابه وامرهم بالخروج فخرجوا فلمّا نزل ذا الحليفة احرموا بالعمرة وساقوا البدن وساق رسول الله صلّى الله عليه وآله ستّة وستّين بدنة واشعرها عند احرامه واحرموا من ذا الحليفة ملبّين بالعمرة وقد ساق من ساق منهم الهدي شعرات مجلّلات فلمّا بلغ قريشاً ذلك بعثوا خالد بن الوليد في مأتي فارس كميناً ليستقبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وكان يعارضه على الجبال فلمّا كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر فأذّن بلال فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله بالنّاس فقال خالد بن الوليد لو كنّا حملنا عليهم وهم في الصلاة لأصبناهم فانّهم لا يقطعون صلاتهم ولكن يجيء الآن لهم صلاة اخرى احبّ اليهم من ضياء ابصارهم فاذا دخلوا في الصلاة اغرنا اليهم فنزل جبرئيل على رسول الله صلّى الله عليه وآله بصلاة الخوف في قوله عزّ وجلّ واذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة الآية في سورة النّساء وقد كتبنا خبر صلاة الخوف فيها فلمّا كان في اليوم الثاني نزل رسول الله صلّى الله عليه وآله الحديبية وهي على طرف الحرم وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يستنفر الاعراب في طريقه معه فلم يتبعه احد ويقولون ايطمع محمد واصحابه ان يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم انه لا يرجع محمد واصحابه الى المدينة ابداً فلما نزل رسول الله صلّى الله عليه وآله الحديبية خرجت قريش يحلفون باللاّت والعزّى لا يدعون رسول الله صلّى الله عليه وآله يدخل مكّة وفيهم عين تطرف فبعث اليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله انّي لم آت لحرب وانّما جئت لأقضي مناسكي وانحر بدني واخلّي بينكم وبين لحمانها فبعثوا عروة بن مسعود الثقفي وكان عاقلاً لبيباً وهو الذي انزل الله فيه
{ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف: 31] فلمّا اقبل الى رسول الله صلّى الله عليه وآله عظم ذلك وقال يا محمد تركت قومك وقد ضربوا الابنية واخرجوا العود المطافيل يحلفون باللاّت والعزّى لا يدعوك تدخل مكّة وحرمهم وفيهم عين تطرف افتريد ان تبيد اهلك وقومك يا محمد فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله ما جئت لحرب وانّما جئت لأقضي مناسكي وانحر بُدني واخلّي بينكم وبين لحمانها فقال عروة والله ما رأيت كاليوم أحداً صدّ كما صددت فرجع الى قريش فأخبرهم فقالت قريش والله لئن دخل محمد مكة وتسامعت به العرب لنذلنّ ولتجرئنّ علينا العرب فبعثوا حفص بن الاحنف وسهيل بن عمرو فلمّا نظر اليهما رسول الله صلّى الله عليه وآله قال ويح قريش قد نهكتهم الحرب الا خلّو بيني وبين العرب فان اك صادقاً فانّما اجرّ الملك اليهم مع النبّوة وان اك كاذباً كفتهم ذؤبان العرب لا يسألني اليوم امرء من قريش خطّة ليس لله فيها سخط الا اجبتهم اليه فلمّا وافوا رسول الله صلّى الله عليه وآله قالوا يا محمد الا ترجع عنّا عامك هذا الى ان ننظر الى ما يصير امرك وامر العرب فانّ العرب قد تسامعت بمسيرك فاذا دخلت بلادنا وحرمنا استذلّتنا العرب واجترأت علينا ونخلّي لك البيت في العام القابل في هذا الشهر ثلاثة ايّام حتّى تقضي نسكك وتنصرف عنّا فأجابهم رسول الله صلّى الله عليه وآله الى ذلك وقالوا له تردّ الينا كلّ من جاءك من رجالنا ونردّ اليك من جاءنا من رجالك فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله من جاءكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه ولكن على انّ المسلمين بمكّة لا يؤذون في اظهارهم الاسلام ولا يكرهون ولا ينكر عليهم شيء يفعلونه من شرايع الاسلام فقبلوا ذلك فلمّا اجابهم رسول الله صلّى الله عليه وآله الى الصلح انكر عامة اصحابه واشدّ ما كان انكاراً عمر فقال يا رسول الله السنا على الحقّ وعدّونا على الباطل فقال نعم قال فنعطي الذلّة في ديننا فقال انّ الله عزّ وجلّ قد وعدني ولن يخلفني قال ولو انّ معي اربعين رجلاً لخالفته ورجع سهيل بن عمرو وحفص بن الاحنف الى قريش فاخبراهم بالصلح فقال عمر يا رسول الله ألم تقل لنا ان ندخل المسجد الحرام ونحلق مع المحلقين فقال امن عامنا هذا وعدتك قلت لك انّ الله عزّ وجلّ قد وعدني ان افتح مكّة واطوف واسعى واحلّق مع المحلقين فلمّا اكثروا عليه قال لهم ان لم تقبلوا الصلح فحاربوهم فمرّوا نحو قريش وهم مستعدون للحرب وحملوا عليهم فانهزم اصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله هزيمة قبيحة ومرّوا برسول الله فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وآله ثمّ قال يا علي خذ السيف واستقبل قريشاً فأخذ امير المؤمنين عليه السلام سيفه وحمل على قريش فلمّا نظروا الى امير المؤمنين عليه السلام تراجعوا ثم قالوا يا علي بدا لمحمد صلّى الله عليه وآله فيما اعطانا فقال لا وتراجع اصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله مستحيين واقبلوا يعتذرون الى رسول الله فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله الستم اصحابي يوم بدر اذ انزل الله عزّ وجلّ فيكم { { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } [الأنفال: 9] الستم اصحابي يوم احد { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ } } [آل عمران: 153[ الستم اصحابي يوم كذا فاعتذروا الى رسول الله صلّى الله عليه وآله وندموا على ما كان منهم وقالوا الله اعلم ورسوله فاصنع ما بدا لك ورجع حفص بن الاحنف وسهيل بن عمرو الى رسول الله صلّى الله عليه وآله فقالا يا محمد قد اجابت قريش الى ما اشترط من اظهار الاسلام وان لا يكره احد على دينه فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله بالمكتب ودعا امير المؤمنين عليه السلام وقال له اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو ولا نعرف الرّحمن اكتب كما كان يكتب اباؤك باسمك اللهم فقال رسول الله اكتب باسمك اللهم فانّه اسم من اسماء الله ثم اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله والملأ من قريش فقال سهيل بن عمرو ولو علمنا انّك رسول الله ما حاربناك اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبدا لله اتأنف من نسبك يا محمد فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله انا رسول الله وان لم تقرّوا ثم قال امح يا عليّ واكتب محمد بن عبد الله فقال امير المؤمنين عليه السلام ما امحو اسمك من النبوة ابداً فمحاه رسول الله صلّى الله عليه وآله بيده ثم كتب هذا ما اصطلح به محمّد بن عبد الله والملأ من قريش وسهيل بن عمرو واصطلحوا على وضع الحرب بينهم عشر سنين على ان يكفّ بعضنا عن بعض وعلى انه لا اسلال ولا اغلال وانّ بيننا وبينهم غيبة مكفوفة وانّ من احبّ ان يدخل في عهد محمد صلّى الله عليه وآله وعقده فعل ومن احبّ ان يدخل في عهد قريش وعقدها فعل وانّه من اتى محمداً بغير اذن وليه ردّه اليه وانّه من اتى قريشاً من اصحاب محمد صلّى الله عليه وآله لم تردّه اليه وان يكون الاسلام ظاهر بمكّة ولا يكره احد على دينه ولا يؤذى ولا يعيّر وانّ محمد يرجع عنهم عامه هذ واصحابه ثمّ يدخل علينا في العام القابل مكّة فيقيم فيها ثلاثة ايّام ولا يدخل عليها بسلاح الاّ سلاح المسافر السيوف في القراب وكتب علي بن ابي طالب عليه السلام وشهد على الكتاب المهاجرون والانصار ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله يا عليّ انّك ابيت ان تمحوا اسمي من النبوّة فوالذي بعثني بالحقّ نبيّاً لتجيبنّ ابنائهم الى مثلها وانت مضيض مضطهد فلمّا كان يوم صفّين ورضوا بالحكمين كتب هذا ما اصطلح امير المؤمنين عليّ بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان فقال عمرو بن العاص لو علمنا انّك امير المؤمنين (عليه السلام) ما حاربناك ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه عليّ بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان فقال امير المؤمنين عليه السلام صدق الله ورسوله اخبرني رسول الله صلّى الله عليه وآله بذلك قال فلمّا كتبوا الكتاب قامت خزاعة فقالت نحن في عهد رسول الله وعقده وقامت بنو بكر فقالت نحن في عهد قريش وعقدها وكتبوا نسختين نسخة عند رسول الله صلّى الله عليه وآله ونسخة عند سهيل بن عمرو ورجع سهيل بن عمرو وحفص بن الاحنف الى قريش فأخبروهم وقال رسول الله لاصحابه انحروا بدنكم واحلقوا رؤوسكم فامتنعوا وقالوا كيف ننحر ونحلّق ولم نطف بالبيت ولم نسع بين الصفا والمروة فاغتم لذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وشكا ذلك الى امّ سلمة فقالت يا رسول الله انحر انت واحلق فنحر القوم على حيث يقين وشكّ وارتياب فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله تعظيماً للبدن رحم الله المحلّقين وقال قوم لم يسوقوا البدن يا رسول الله والمقصرين لأنّ من لم يسق هدياً لم يجب عليه الحلق فقال رسول الله صلّ الله عليه وآله ثانياً رحم الله المحلقين الذين لم يسوقوا الهدي فقالوا يا رسول الله والمقصرين فقام رحم الله المقّصرين ثم رحل رسول الله صلّى الله عليه وآله نحو المدينة الى النعيم نزل تحت الشجرة فجاء اصحابه الذين انكروا عليه الصلح واعتذروا واظهروا الندامة على ما كان منهم وسألوا رسول الله صلّى الله عليه واله ان يستغفر لهم فنزلت آية الرضوان.
أقولُ: هذه القصة مذكورة في روضة الكافي عن الصادق عليه السلام بزيادة ونقصان من ارادها رجع اليه.