التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
١٠
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ
١١
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
١٢
قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ
١٣
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤
قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ
١٥
-الأعراف

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(10) وَلَقَدْ مكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ} مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} تَعيشون بها {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} فيما خلقنا لكم.
{(11) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}.
القمّي عن الباقر عليه السلام امّا خلقناكم فنطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثمّ لحماً وامّا صورناكم فالعين والأنف والاذنين والفم واليدين والرجلين صور هذا ونحوه ثم جعل الدميم والوسيم والجسيم والطويل والقصير وأشباه هذا.
أقول: الإِقتصار على بيان الخلق والتصوير لبني آدم في الحديث لا ينافي شمول الآية لآدم فانه خلقه طيناً غير مصوّر ثم صوره فلا ينافي الحديث تمام الآية {ثّمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} أي بعد خلق آدم وتصويره {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} ممّن سجد لآدم.
{(12) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} أي أن تسجد يزاد لا في مثله لتأكيد معنى الفعل الذي دخلت عليه نظيره لئلاّ يعلم وفيه تنبيه على أن الموبّخ عليه ترك السجود وقيل الممنوع عن الشيء مضطر الى خلافه فكأنّه قيل ما اضطرك الى أن لا تسجد {إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} في الكافي عن الصادق عليه السلام أنّ إبليس قاس نفسه بآدم فقال خلقتني من نار وخلقته من طين فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنّار كان ذلك أكثر نوراُ وضيئاً من النار، وعنه عليه السلام أن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله أنّه ليس منهم فاستخرج ما في نفسه من الحمية فقال خلقتني من نار وخلقته من طين.
وفي الكافي والإِحتجاج والعلل عنه عليه السلام أنّه دخل عليه أبو حنيفة فقال له يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس قال نعم أنا أقيس قال لا تقس فانّ أول من قاس إبليس حين قال خلقتني من نار وخلقته من طين فقاس ما بين النار والطين ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الآخر.
وعنه عليه السلام في حديث طويل أن أوّل معصية ظهرت الأنانية من إبليس اللعين حين أمر الله ملائكته بالسجود لآدم فسجدوا وأبى اللعين أن يسجد فقال الله عزّ وجل ما منعك الا تسجد الآية فطرده الله عزّ وجلّ عن جواره ولعنه وسماه رجيماً واقسم بعزته لا يقيس احدٌ في دينه الا قرنه مع عدوه إبليس في أسفل درك من النار.
والقمي عنه عليه السلام كذب إبليس ما خلقه الله الا من طين قال الله عزّ وجلّ
{ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً } [يس: 80] قد خلقه الله من تلك الشجرة والشجرة أصلها من طين.
{(13) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا} من المنزلة التي أنت عليها في السماء وزمرة الملائكة {فَمَا يَكُونُ لَكَ} فما يصح لك {أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} وتعصي فانها مكان الخاشع المطيع قيل فيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة وانه تعالى انما طرده وأهبطه للتكبر لا لمجرد عصيانه
"قال النبي صلىّ الله عليه وآله وسلم من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" {فَاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} ممن أهانه الله تعالى لكبره.
{(14) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أمهلني الى يوم القيامة فلا تمتني ولا تعجل عقوبتي.
{(15) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} أجابه الله إلى ما سأله من الإِمهال ولم يجبه الى ما سأله من غايته لأنّ الله يقول في موضع آخر فانّك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم وهو النفخة الأولى ويوم البعث والقيامة هو النفخة الثانية في العلل عن الصادق عليه السلام يموت إبليس ما بين النفخة الأولى والثانية.
والعياشي عنه عليه السلام انظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا ويأتي الخبران في سورة الحجر انشاء الله تعالى وفي اسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته.