التفاسير

< >
عرض

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ
١٤٦
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤٧
وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ
١٤٨
وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
١٤٩
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
١٥٠
-الأعراف

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(146) سَأصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها {وَإن يَرَواْ كُلَّ ءَايَةٍ} منزلة أو معجزة {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} لاختلاف عقولهم بسبب انهماكهم في التقليد والهوى في الحديث اذا عظّمت امّتي الدنيا نزعت عنها هيبة الإِسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي {وَإِن يَرَواْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} وقرىء الرشد بفتحتين {وَإِن يَرَواْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}.
القمّي قال إذا رأوا الإٍيمان والصدق والوفاء والعمل الصالح لا يتخذوه سبيلاً وان يروا الشرك والزنا والمعاصي يأخذوا بها ويعملوا بها {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم للآيات.
{(147) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} لا ينتفعون بها {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} إلاّ جزاء أعمالهم.
{(148) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ} من بعد ذهابه للميقات {مِنْ حُلِيِّهِمْ} وقرء بكسر الحاء {عِجْلاً جَسَداً} خالياً من الروح {لَّهُ خُوَارٌ} صوت كصوت البقر قد مضى قصة العجل مبسوطة في سورة البقرة.
العيّاشي عن الباقر عليه السلام أن في ما ناجى موسى ربه أن قال يا رب هذا السامري صنع العجل فالخوار من صنعه قال فأوحى الله إليه يا موسى إنّ تلك فتنتي فلا تفحص عنها.
وعن الصادق عليه السلام قال يا رب ومَنْ أَخَارَ الصَّنَم فقال الله يا موسى أنا أخرتُه فقال موسى إن هي الا فتنتك تضلّ بها من تَشَاء وتهدي من تشاء {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمِ سَبِيلاً} تقريع على فرط ضلالتهم واخلالهم بالنظر يعني أنه ليس كاحاد البشر فكيف يكون خالقُ القوى والقدر {اتَّخذُوهُ} إلَهاً {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} واضعين الأشياء في غير مواضعها فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً مِنهم.
{(149) وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ} كناية عن اشتداد ندمهم فان النادم المتحسر يعضّ يده غمّاً فتصير يده مسقوطاً فيها {وَرَأَواْ} وعلموا {أنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} باتخاذ العجل {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} بالتجاوز عن الخطيئة {لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقرء بالخطاب والنداء.
{(150) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} شديد الغضب أو حزيناً {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي} أي قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} يقال عجل من الأمر إذا تركه غير تام وأعجله عنه غيره ويضمّن معنى سبق فيقال عجل الأمر والمعنى اتركتم أمر ربّكم غير تام وهو انتظار موسى حافظين لعهده {وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ} طرحها من شدة الغضب لله وفرط الضجر حميّة للدين رُوي أنه لما ألقاها انكسرت فذهبت بعضها.
وفي البصائر عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ منها ما تكسر ومنها ما بقي ومنها ما ارتفع.
وعن الباقر عليه السلام أنه عرف يمانيّاً صخرة باليمن ثم قال تلك الصخرة التي التقمت ما ذهب من التوراة حين القى موسى الألواح فلما بعث الله رسوله أدّته إليه وهي عندنا.
وفي المجمع
"عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم رحم الله أخي موسى عليه السلام ليس المخبر كالمعاين لقد أخبره الله بفتنة قومه ولقد عرف أنّ ما أخبره ربه حق وان على ذلك لمتمسك بما في يديه فرجع إلى قومه ورآهم فغضب والقى الألواح" .
والعياشي عن الصادق عليه السلام ما في معناه {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ}.
في العلل عن الصادق عليه السلام وذلك لأنّه لم يفارقهم لما فعلوا ذلك ولم يلحق بموسى وكان إذا فارقهم ينزل بهم العذاب {قَالَ ابْنَ أُمَّ} وقرء أمِّ بالكسر انما نسبه الى الأمّ لأنّه أقرب إلى الإِستعطاف.
وفي العلل عنه ولم يقل يا ابن أبي لأن بني الأب اذا كانت أمهاتهم شتى لم يستبعد العداوة بينهم إلاّ من عصمة الله منهم وانما يستبعد بين بني اُمّ واحدة.
وفي الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة الوسيلة أنّه كان أخاه لأبيه وأمّه.
والقمّي مثله عن الباقر والصادق عليهما السلام قيل وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وكان حمولاً ليّناً ولذلك كان احب إلى بني إسرائيل.
والقمّي عن الباقر عليه السلام أنّ الوحي ينزل على موسى وموسى عليه السلام يوحيه الى هارون وكان موسى الذي يناجي ربّه ويكتب العلم ويقضي بين بني إسرائيل قال ولم يكن لموسى ولد وكان الولد لهارون {إنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي} قهروني واتخذوني ضعيفاً ولم آلِ جُهداً في كفّهم بالانذار والوعظ {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي} وقاربوا قتلي لشدة انكاري عليهم {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَآءَ} فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} معدوداً في عدادهم بالمؤاخذة عليّ ونسبة التقصير إليّ.