التفاسير

< >
عرض

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٥٠
ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَٰتِنَا يَجْحَدُونَ
٥١
وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٥٢
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٥٣
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٥٤
-الأعراف

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(50) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ} أي صبوه وذلك لأنّ الجنّة فوق النار {أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} من الأطعمة والفواكه.
العياشي عن أحدهما عليهما السلام قال انّ أهل النار يموتون عطاشاً ويدخلون قبورهم عطاشاً ويدخلون جهنّم عطاشاً فيرفع لهم قراباتهم من الجنة فيقولون أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله، وعن الصادق عليه السلام يوم التّناد يوم ينادي أهل النار أهل الجنة أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله {قَالُواْ إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا} حرّم شراب الجنّة وطعامها{عَلَى الْكَافِرِينَ}.
{(51) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ} الذي كان يلزمهم التديّن به {لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيوَةُ الدُّنْيَا} فحرموا ما شاؤا واستحلوا ما شاؤُا {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} في العيون عن الرضا عليه السلام في حديث أي نتركهم كما تركوا الإِستعداد للقاء يومهم هذا وقال انّما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم كما قال تعالى
{ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } [الحشر: 19].
وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسيره يعني بالنسيان أنه لم يثبهم كما يثيب أولياء الذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به وبرسله وخافوه في الغيب وقد يقول العرب في باب النسيان قد نسينا فلان فلا يذكرنا أي أنّه لا يأمر لهم بخير ولا يذكرهم به {وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} وكما كانوا منكرين لآياتنا.
{(52) وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} بيّنا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصّلة {عَلَى عِلْمٍ} عالمين بوجه تفصيله حتى جاء حكيماً {هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
{(53)هَلْ يَنظُرُونَ} هل ينتظرون {إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} ما يؤل إليه أمره من تبيين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} قيل يوم القيامة والقمّي ذلك في قيام القائم ويوم القيامة {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ} تركوه ترك الناسي {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} قد تبينّ أنهم جاؤوا بالحقّ {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا} اليوم {أَوْ نُرَدُّ} الى الدنيا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} بصرف أعمالهم في الكفر {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} بطل عنهم فلم ينفعهم.
{(54)إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} القمّي قال في ستّة أوقات.
في الإِحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام ولو شاء أن يخلقها في أقلّ من لمح البصر لخلق ولكنه جعل الأناة والمداراة مثالاً لأمنائه وايجاباً للحجّة على خلقه.
وفي العيون عن الرضا عليه السلام وكان قادراً على أن يخلقها في طرفة عين ولكنه عز وجلّ خلقها في ستة أيام ليظهر على الملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء فيستدلّ بحدوث ما يحدث على الله تعالى مرّة بعد مرة.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنّ الله خلق الخير يوم الأحد وما كان ليخلق الشرّ قبل الخير وفي الأحد والاثنين خلق الأرضين وخلق أقواتها يوم الثلاثاء وخلق السموات يوما الأربعاء ويوم الخميس وخلق أقواتها يوم الجمعة وذلك قوله تعالى
{ { خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [الفرقان: 59].
أقول: هذه الآية المشتملة على قوله وما بينهما انّما هي في سورة الفرقان وفي سورة السجدة التالية للقمان ويستفاد منها ومن هذا الحديث وأمثاله مما ورد من هذا القبيل ان ما بينهما أيضاً داخل في المقصود من الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنّ الله تبارك وتعالى خلق الدنيا في ستة أيام ثم اختزلها عن أيّام السنة والسنة ثلثمأة وأربعة وخمسون يوماً.
وفي الفقيه والتهذيب عنه عليه السلام أن الله تعالى خلق السنة ثلثمأة وستين يوماً وخلق السموات والأرض في ستة أيام فحجزها من ثلثمأة وستين يوماً فالسنة ثلثمأة وأربعة وخمسون يوماً الحديث.
وفي الخصال والعياشي عن الباقر عليه السلام ما يقرب منه أن قيل ان الأيام انما تتقدّر وتتمايز بحركة الفلك فكيف خلقت السموات والأرض في الأيام المتمايزة قبل تمايزها قلنا مناط تمايز الأيام وتقدّرها انّما هو حركة الفلك الأعلى دون السموات السبع والمخلوق في الأيام المتمايزة انّما هو السموات السبع والأرض وما بينهما دون ما فوقهما ولا يلزم من ذلك خلاء لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع.
وليعلم إنٍَّ هذه الآية وأمثال هذه الأخبار من المتشابهات التي تأويلها عند الراسخين في العلم {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في الإِحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام استوى تدبيره وعلا أمره.
وعن الكاظم عليه السلام استولى على ما دقّ وجلّ وفي الكافي عن الصادق عليه السلام استوى على كل شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء وفي رواية اخرى استوى من كل شيء فليس شيء أقرب إليه من شيء.
وفي اخرى استوى في كل شيء فليس أقرب إليه من شيء لم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب استوى في كلّ شيء.
أقول: قد يراد بالعرش الجسم المحيط بجميع الأجسام وقد يراد به ذلك الجسم مع جميع ما فيه من الأجسام أعني العالم الجسماني بتمامه وقد يراد به ذاك المجموع مع جميع ما يتوسط بينه وبين الله سبحانه من الأرواح التي لا تتقوّم الأجسام الاّ بها أعني العوالم كلها بملكها وملكوتها وجبروتها.
وبالجملة ما سوى الله عز وجل وقد يراد به علم الله سبحانه المتعلق بما سواه وقد يراد به علم الله سبحانه الذي اطلع عليه أنبياءه ورسله وحججه وقد وقعت الإِشارة الى كل منها في كلامهم وربما يفسر بالملك والإِستواء بالإِحتواء كما يأتي في سورة طه ويرجع إلى ما ذكر، ثم أقول فسّر الصادق عليه السلام الإِستواء في روايات الكافي باستواء النسبة والعرش بمجموع الأشياء وضمن الإِستواء في الرواية الأُولى ما يتعدى بعلى كالإِستيلاء والإِشراف ونحوهما لموافقة القرآن فيصير المعنى استوى نسبته إلى كل شيء حال كونه مستولياً على الكل ففي الآية دلالة على نفي المكان عنه سبحانه خلاف ما يفهمه الجمهور منها وفيها أيضاً اشارة الى معيّته القيّومية واتصاله المعنوي بكل شيء على السواء على الوجه الذي لا ينافي أحدّيته وقدس جلاله وإلى افاضة الرحمة العامة على الجميع على نسبة واحدة واحاطة علمه بالكل بنحو واحد وقربه من كل شيء على نهج سواء وأتى بلفظة من في الرواية الثانية تحقيقا لمعنى الإِستواء في القرب والبعد وبلفظة في الثالثة تحقيقاً لمعنى ما يستوي فيه وامّا اختلاف المقربين كالأنبياء والأولياء مع المبعّدين كالشياطين والكفار في القرب والبعد فليس ذلك من قبله سبحانه بل من جهة تفاوت أرواحهم في ذواتها.
وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الجاثليق قال انّ الملائكة تحمل العرش وليس العرش كما يظن كهيئة السرير ولكنه شيء محدود مخلوق مدبر وربّك عزّ وجل مالكه لا أنه عليه ككون الشيء على الشيء {يُغْشي اللَّيْلَ النَّهَارَ} يغطيه به وقرء بالتشديد {يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} يعقبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بينهما شيء {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} وقرء برفع الكل {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ} عالم الأجسام {وَالأَمْرُ} عالم الأرواح.
{تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} تعالى بالوحدانية في الأُلوهية وتعظم بالفردانية في الربوبية.