التفاسير

< >
عرض

قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ
٨٩
وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ
٩٠
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
٩١
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ
٩٢
فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ
٩٣
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
٩٤
ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
٩٥
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٩٦
أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ
٩٧
أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
٩٨
أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ
٩٩
-الأعراف

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(89) قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِباً} فيما دعوناكم اليه {إنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا} بأن أقام لنا الدليل على بطلانها وأوضح الحق لنا {وَمَا يَكُونُ لَنَآ} وما يصح لنا {أنْ نَّعُودَ فِيهَآ إلآَّ أَن يَشَآءَ اللهُ رَبُّنَا} خذلاننا ومنعنا الإِلطاف بأن يعلم أنه لا ينفع فينا {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أحاط علمه بكل شيءٍ مما كان وما يكون فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتقلب، وقيل أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون {عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا} في أن يثبتنا على الإِيمان ويوفقنا لإِزدياد الايقان {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قـَوْمِنَا بِالْحَقِّ} احكم بيننا فانّ الفتاح القاضي والفتاحة الحكومة أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ويتميز المحق من المبطل من فتح المشكل اذا بينه {وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} على المعنيين.
{(90) وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أشرافهم {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً} تركتم دينكم {إِنَّكُمْ إذاً لَّخَاسِرُونَ} لاستبدالكم الضلالة بالهدى قالوها لمن دونهم يثبطونهم عن الإِيمان.
{(91) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} الزلزلة وفي سورة هود
{ وأخذت الذين ظلموا الصيحة } وفي المجمع عن الصادق عليه السلام بَعَث الله عليهم الصيحة الواحدة فماتوا وقد سبق نظيره {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} خامدين.
{(92) الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَنْ لَّمْ يَغْنَواْ فِيهَا} أي استأصلوا كأن لم يقيموا بها والمعنى المنزل {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} ديناً ودنيا والمعنى أنّهم هم المخصوصون بالهلاك والإِستيصال وبالخسران العظيم دون اتباع شعيب لأنّهم الرابحون.
وفي هذا الإِبتداء والتكرير تسفيه لرأي الملأ ورد لمقالتهم ومبالغة في ذلك.
{(93) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} فلم تصدقوني {فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} فكيف أحزن على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم العذاب النازل بهم.
{(94) وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إلآَّ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ} البؤس والفقر {وَالضَّرَّآءِ} الضرر والمرض {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} لكي يتضرعوا ويتوبوا ويتذلّلوا.
{(95) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} أي رفعنا ما كانوا فيه من البلاء والمحنة ووضعنا مكانه الرخاء والعافية {حَتَّى عَفَواْ} أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات أي كثر ومنه إعفاء اللحى.
{وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ} بطرتهم النعمة فتركوا شكر الله ونسوا ذكر الله وقالوا هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين السرّاء والضرّاء وقد مسّ آباءنا نحو ذلك فلم ينتقلوا عما كانوا عليه فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم كذلك {فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} فجأة عبرة لمن كان بعدهم {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنّ العذاب نازل بهم الا بعد حلوله.
{(96) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى} ولو أنّهم {ءَامَنُواْ} بدل كفرهم {وَاتَّقَواْ} الشرك والمعاصي {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} لوسعنا عليهم الخيرات ويسرناها لهم من كل جانب بانزال المطر واخراج النبات وغير ذلك {وَلَكِن كَذَّبُواْ} الرسل {فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بسوء كسبهم.
{(97) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} المكذبون لنبيّنا {أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا} عذاباً {بَيَاتاً} ليلاً وقت بيات {وَهُمْ نَآئِمُونَ}.
{(98) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى} ضحوة النهار وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت وقرء بسكون الواو {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} يشتغلون بما لا ينفعهم.
{(99) أفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ} مكر الله استعارة لاستدارجه العبد واخذه من حيث لا يحتسب.
والقمّي المكر من الله العذاب {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} بترك النظر والإِعتبار فيه تنبيه على ما يجب أن يكون عليه العبد من الخوف لعقاب الله واجتناب المعصية.