التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٣١
وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٣٢
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
٣٣
وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٤
-الأنفال

الصافي في تفسير كلام الله الوافي

{(31) وَإذَا تُتْلِى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءَ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَآ} قيل قائله النضر بن الحرث بن كلدة وأسر يوم بدر فقتله النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم صبراً بيد عليّ عليه السلام وانّما قاله صلفاً وهذا غاية مكابرتهم وفرط عنادهم إذا لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاؤا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سواه مع فرط حرصهم على قهره وغلبته {إِنْ هَذَآ إلآَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} ما سطره الأوّلون من القصص قيل قاله النّضر أيضاً وذلك أنّه جاء بحديث رستم واسفنديار من بلاد فارس وزعم أنّ هذا مثل ذلك.
{(32) وَإذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارةً مِّنَ السَّمَآءِ أوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ ألِيمٍ} قيل هذا أيضاً من كلام النضر وهو أبلغ في الجحود أراد به التهكم واظهار الجزم التام على كونه باطلاً.
والقميّ قاله أبو جهل.
وفي الكافي قاله الحرث بن عمرو الفهريّ.
وفي المجمع قاله النعمان بن الحرث كما يأتي جميعاً.
{(33) وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} بيان لموجب امهالهم والتوقف في اجابة دعائهم.
{(34) وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذًِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فانهم الجأوا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى الهجرة وأحصروا عام الحديبية {وَمَا كَانُوا أَوْلِيآءَهُ} مستحقين ولاية أمره مع شركهم وهو ردّ لقولهم نحن ولاة البيت والحرم {إنْ أَوْلِيَآؤُهُ إلاَّ الْمُتَّقُونَ} من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره.
في المجمع عن الباقر عليه السلام معناه وما أولياء المسجد الحرام إلاّ المتقون.
والعياشي عن الصادق عليه السلام وما كانوا أولياءه يعني أولياء البيت يعني المشركين إن أولياؤه إلا المتقون حيثما كانوا أولى به من المشركين {وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن لا ولاية لهم عليه.
القميّ
"نزلت لما قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم لقريش إنّ الله بعثني أن أقتل جميع ملوك الدنيا وأجرّ الملك إليكم فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم وتكونوا ملوكاً في الجنّة" .
فقال أبو جهل: اللّهم إن كان هذا الذي يقول محمّد هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السَّماءِ أو ائتنا بعذاب أليم حَسَداً لرسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ثم قال: كنّا وبني هاشم كفرسي رهان نحمل إذا حملوا ونطعن إذا طعنوا ونوفد إذا وفدوا فلما استوى بنا وبهم الركب قال قائل منهم منّا نبيّ لا نرضى بذلك أن يكون في بني هاشم ولا يكون في بني مخزوم ثم قال غفرانك اللّهُمَّ فأنزل الله في ذلك {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله مُعَذّبهم وَهُمْ يستغفرون} حين قال غفرانك اللَّهُمَّ.
فلما همّوا بقتل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وأخرجوه من مكة قال الله وما لهم ألاّ يعذّبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه يعني قريشاً ما كانوا أولياء مكة إن أولياؤه إلاّ المتّقون أنت وأصحابكَ يا محمد فعذبهم الله يوم بدر فقتلوا.
وفي الكافي
"عن أبي بصير قال بينا رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم جالس إذ أقبل أمير المؤمنين فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم إنّ فيك شبهاً من عيسى بن مريم ولولا أن يقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمّر بملأ من الناس إلاّ أَخَذُوا التراب من تحت قدمك يلتمسون بذلك البركة.
قال فغضب الأعرابيّان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم فقالوا ما رضي أن يضرب لابن عمّه مثلاً الاّ بعيسى بن مريم فأنزل الله على نبيّه فقال {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الزخرف: 57-59] ولو نشاء لجعلنا منكم يعني من بني هاشم ملائكة في الأرض يخلفون.
قال فغضب الحرث بن عمرو الفهري فقال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إنّ بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل فأرسل علينا حجارةً من السماءِ أو ائتنا بعذاب أليم فأنزل الله عليه مقالة الحرث ونزلت هذه الآية {ما كانَ الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون} ثم قال له يا بن عمرو إمّا تبت وإمّا رَحَلت فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضّت هامته فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم لمن حوله من المنافقين انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به قال الله عزّ وجلّ {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15]"
.
وفي المجمع عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام "لما نصب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عليّاً يوم غدير خم قال من كنت مولاه فعليّ مولاه طار ذلك في البلاد فقدم على النّبيّ النّعمان بن الحرث الفهريّ فقال أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وأمرتنا بالجهاد والحجّ والصّوم والصّلاة والزّكاة فقبلناها ثم لم ترض عنّا حتى نصبت هذا الغلام فقلت من كنت مولاه فعليّ مولاه فهذا شيء منك أو أمر من عند الله فقال والله الذي لا إله إلا هو إنّ هذا من الله فولّى النعمان بن الحرث وهو يقول اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماءِ فرماه الله بحجر على رأسه فقتله وأنزل الله تعالى {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج: 1]" .
وفي الكافي عنه عليه السلام قال: "قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم إنّ لكم في حياتي خيراً وفي مماتي خيراً قال فقيل يا رسول الله أمَّا حياتك فقد علمنا فما لنا في وفاتك فقال أمّا في حياتي فانّ الله يقول وما كانَ الله ليعذّبهم وأنت فيهم وأمّا في مماتي فتعرض عليّ أعمالكم فاستغفر لكم."
والقمي والعياشي عن الباقر عليه السلام ما يقرب منه وقال في آخره فانّ أعمالكم تعرض عليّ كل خميس واثنين فما كان من حسنة حمدت الله عليها وما كان من سيّئة استغفرت الله لكم.
وفي نهج البلاغة كان في الأرض أمانان من عذاب الله فرفع أحدهما ودونكم الآخر فتمسّكوا به أمّا الأمان الذي رفع فرسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وأما الأمان الباقي فالإِستغفار ثم تلا الآية.
والعياشي عن الصادق عليه السلام كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم والإِستغفار حصنين لكم من العذاب فمضى أكبر الحصنين وبقي الإِستغفار فأكثروا مِنه فانّه ممحاة للذنوب وان شئتم فاقرؤا ثم تلا الآية.