التفاسير

< >
عرض

صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ
٧
-الفاتحة

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فانّ الانعام للانسان ايتائه ما يلائم انسانيّته والملايم لانسانيّته هى الولاية المخرجة له الى فعليّاته الانسانيّة، والفعليّات الانسانيّة من مراتب الولاية والآثار الصّادرة والّلازمة من فعليّاته الانسانيّة من التّوسط فى الامور المذكورة وهكذا الاعمال المعينة على الخروج المذكور انّما هى نعمة باعتبار اتّصالها بالنّعمة الّتى هى الولاية ولذلك ورد عن مولينا امير المؤمنين (ع) فى تفسيره انّه قال: قولوا اهدنا صراط الّذين انعمت عليهم بالتّوفيق لدينك وطاعتك لا بالمال والصّحة فانّهم قد يكونون كفّارا او فسّاقاً قال وهم الّذين قال الله تعالى { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } [النساء: 69] الى قوله { وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } [النساء: 69]. والنّعم الصوريّة ان كانت مرتبطة بالولاية كانت نعمةً والاّ صارت نقمة اذا كانت معينة على الخروج الى الفعليّات الغير الانسانيّة وهكذا كان حال الفعليّات الانسانيّة بعد ما حصلت بالولاية يعنى اذا صارت مسخّرة للشّيطان بعد ما كانت مسخّرة للرّحمن صارت نقمة بعد ما كانت نعمةً، ولمّا كان المنعم عليهم بالولاية هم المتوسّطين بين التفريط والتقصير فى ترك الولاية والافراط المخرج عن حدّ الولاية وصراطهم كان متوسّطاً بين التّفريط والافراط فى جملة الامور وصفهم بقوله {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} فانّه قد فّسر المغضوب عليهم بالمفرّطين المقصّرين والضّالّون بالمفرطين المتجاوزين لانّ المفرّط المقصّر لمّا لم يبلغ الى الولاية لم يصر مرضيّاً اصلاً والمفرط فى امر الولاية لمّا صار بالوصول الى حدّ الولاية مرضيّاً خرج من المغضوبيّة لكنّه بتجاوزه عن حدّ الولاية ضلّ عن طريق الانسانيّة وعن طريق الرّضا فانّ المعيار للرّضا والغضب وللافراط والتفريط هو الولاية لا غير لانّها حدّ استقامة الانسان وسبب ارتضائه وقد يفّسر "المغضوب" عليهم بمن لم يبلغ فى وصفه مقام النّبىّ (ص) او الامام (ع) والضّالّ بمن وصفهما بما هو فوق ادراكه او فوق مقامهما وبهذا المعنى فّسرا باليهود والنّصارى وان كان يجوز ان يكون تفسيرهما باليهود والنّصارى باعتبار المعنى الاوّل ويجوز ان يجعل عطف الضّالّين من قبيل عطف الاوصاف المتعدّدة لذات واحدة فانّ المفرّط والمفرط كليهما مغضوب عليهما وضالاّن بمعنى انّهما فاقدان للطّريق سواء كان الفقدان بعد الوجدان او قبل الوجدان، وقد يفسّر "المغضوب عليهم" بالنّصاب لشدّة غضب الله عليهم "والضّالون" بمن لم يعرف الامام وبمن كان شاكّاً فيه.
اعلم انّ السّورة المباركة تعليم للعباد كيف يحمدون ويثنون على الله تعالى وكيف يقرؤن ويرتقون فى قراءتهم وكيف يخاطبون ويسألون فالامر بالاستعاذة فى اوّل القراءة للاشارة الى انّ الانسان واقع بين تصرّف الرّحمن والشّيطان الاّ من عصمه الله فاذا اراد القرائة او الثّناء على الله والمناجاة له ينبغى ان يستعيذ من تصرّف الشّيطان ويلتجئ الى حفظ الله وامانه حتّى لا يكمن الشّيطان خلف قلبه ولا يخلى الفاظ ثنائه ومقرؤاته من معانيها المقصودة لله ولا يدخل فيها المعانى الشّيطانيّة فيصير الحامد حامداً للشّيطان وقارياً لكتاب الشّيطان وهو يحسب انّه حامد لله وقار لكتاب الله ويكون داخلاً فى مصداق قوله تعالى
{ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ } [آل عمران: 78] يعنى لا لسان الله { بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ } [آل عمران: 78] فلا بدّ للمستعيذ ان يكون ملتفتاً الى ما يقول ويجعل حاله حال الاستعاذة من الشّيطان والاّ كان استعاذته كقراءته بتصرّف الشّيطان واستعاذة من الرّحمن لا الى الرّحمن وجعل التسميّة جزء من اوّل كلّ سورة والامر بها فى اوّل كلّ امر اشارة الى انّ الفاعل لكلّ فعل وخصوصاً عند تلاوة القرآن الّذى هو كلام الله ينبغى ان يسم نفسه بسمة من سمات الله حتّى يصير لسانه وسائر اعضائه آلات لتلك السّمة وكلامه وافعاله كلاماً وافعالاً لذلك الاسم فيصبح جعلها لله فانها ان لم تكن من الله لم تكن لله ولم يسم نفسه بسمة من سمات الله صار متّسماً بسمة من سمات نفسه وسمات الشّيطان فصارت اعضاؤه آلات للشّيطان فكان افعالها افعالاً صادرة من الشّيطان وراجعة اليه وصار القارى والفاعل ممّن يلوون السنتهم بالكتاب وممّن قال الله فيهم { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ } [البقرة: 79] لا بيد الله ثمّ ينظر الى سعة ظهوره تعالى بصفاته فى كلّ سمة من سماته فينظر الى جملة اضافاته تعالى الظّاهرة من تلك السّمة بالنّسبة الى اهل مملكته ان كان قاصراً عن رؤية اضافاته بالنّسبة الى خارج مملكته فيصفها بأمّهات اضافاته تعالى وهى رحمته الرّحمانيّة الدّالة على الابداء والابقاء ورحمته الرّحيميّة الدّالة على الاعادة وافاضة الكمالات الاختياريّة الانسانيّة حتّى يستعدّ بذلك التّوصيف للنّظر الى الله تعالى وتوصيفه بصفاته فى حمده وثنائه بدون وساطة سماته وتختلف السّمات بحسب اختلاف حال القارى والمتّسم فتلك السّمة بالنّسبة الى المنقادين القابلين للولاية الغائبين عن الله وعن امامهم هى جهة النّفس المنقادة لولىّ امرها وهى المقوّمة والرّازقة المبقية بالنّسبة الى اهل مملكتها والمفيضة لكمالاتها الاختياريّة وبالنّسبة الى من عرف ووجد انموذجات اسمائه تعالى فى وجوده تلك الانموذجات وبالنّسبة الى من حضر عند شيخه ووجد مثال شيخه فى مملكته هى صورة شيخه وهو اوّل مقامات المعرفة بالنّورانيّة، وبالنّسبة الى من خرج من مقام التقدّر وعاين الاشياء مجرّدة عن التقدّر روحانيّة شيخه مجرّدة عن التقدّر، وبالنّسبة الى من خرج عن مقام التحدّد والتقيّيدات الامكانيّة مقام الاطلاق المعبّر عنه بالمشيّة وبالنّسبة الى الجامع لجميع المقامات سمات تمام المقامات وبعد الاستعداد للنّظر الى الذّات من غير احتجاب بحجب السمات ينبغى للقارى ان يجرّد النّظر عن الاسماء وينظر الى الله فى كلّ شيئ وفيئ، ولا يرى من الاشياء الاّ الحدود والنقائص ولا يرى صفات الكمال الاّ من الله، ويطلق لسانه بصيغة الحمد انشاءً او اخباراً بنحو حصر المحامد او الحامديّة او المحموديّة فيه تعالى، ويصفه بربوبيّته الّتى هى حفظ الاشياء بكمالاتها الموجودة وتبليغها الى كمالاتها المفقودة وهكذا الى آخر السورة بنحو ما ذكر سابقاً.
ثمّ اعلم انّ للسّالكين الى الله اسفاراً ومنازل ومقامات ومراحل لا يحصيها الاّ الله وقد قالوا انّها بحسب الامّهات منحصرة فى أربعة اسفار، الاوّل، السّفر من الخلق الى الحقّ وهو السّير من حدود الكثرات والنّظر اليها الى الحقّ الاوّل، ومنتهى هذا السّفر الوصول الى حدود القلب ومشاهدة الحقّ الاوّل فى مظاهره بصفاته واسمائه، ولا ينفكّ السّالك فى هذا السّفر من العنا وكلفة التّكليف وفى حقّ هذا السّالك قال المولوى قدّس سرّه:

جملة دانسته كه اين هستى فخ است ذكرو فكر اختيارى دوزخ است

والثّاني، السّفر من الحقّ فى مظاهره الى الحقّ المطلق وفى هذا السّفر يتبدّل الكلفة راحة والمرارة لذّة والخوف أمناً، وفى هذا السّفر ورطات مهلكات كما سيجيئ. والثّالث، السّفر بالحقّ فى الحقّ، وفى هذا السّفر يسير السّالك بتسيير الحقّ من غير شعور منه بسيره ولا بذاته، والسّلاّك فى هذا السّفر احد مصاديق قوله تعالى "انّ اوليائى تحت قبابى لا يعرفهم غيرى" . والرّابع، السّفر الحقّ فى الخلق وابتداء هذا السّفر ابتداء الرّبوبيّة وانتهاء العبوديّة ومقامات هذا السّفر لا يحصيها الاّ الله وتحديد عدد الانبياء (ع) والاوصياء (ع) بمأئةٍ واربعة وعشرين الفاً اشارة الى امّهات تلك المقامات وسيجيئ تحقيق تامٌّ لبيان الاسفار ومراتب الانسان عند قوله تعالى { وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } [البقرة: 219] فى سورة البقرة. اذا تنبّهت بذلك فاعلم انّ السّورة المباركة اشارة اجمالاً الى الاسفار الاربعة المذكورة فانّ الاستعاذة اشارة الى السّفر من الخلق الى الحقّ لانّ هذا السّفر فرار من الكثرات ومظاهر الشّيطان الى عالم التّوحيد ومظاهر الحقّ تعالى، و الاستعاذة القّولية اخبار بهذا الالتجاء والاستعاذة الفعليّة نفس ذلك الالتجاء والفرار، والتسميّة الى قوله مالك يوم الدّين اشارة الى السّفر من الحقّ الى الحقّ فانّ التسميّة اخبار بالاتّصاف بصفاته تعالى وما بعده الى مالك يوم الدّين اعلام بحركة السّالك فى صفات الحقّ تعالى الى ظهور مالكيّته وفناء العبد من ذاته وهذا السّفر حركة فى صفات الحقّ تعالى الى فناء العبد، وقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} اشارة الى السّفر بالحقّ في الحقّ لانّ مالكيّته تعالى لا يظهر الاّ اذا صار العبد فانياً من فعله ووصفه وذاته وبفناء ذاته يتمّ عبوديّته وبعد كمال عبوديّته لا يكون سيره الاّ فى الحقّ المطلق ولا يكون الاّ بالحقّ لعدم ذات له، وقوله تعالى {اهدنا الصّراط المستقيم} اشارة الى السّفر بالحقّ فى الخلق وهذا هو الرّجعة الاختياريّة فى العالم الصّغير والبقاء بعد الفناء والصّحو بعد المحو، وينبغى ان يكون هذا السّفر بحفظ الوحدة فى الكثرات والصّراط المستقيم فى هذا السّفر هو محفوظيّة الوحدة فى الكثرة بحيث لا يغلب احديهما على الاخرى ولا يختفى احديهما تحت الاخرى وهذه الاحوال قد تطرؤ على السّلاك سواء استشعروا بها او لم يستشعروا.
اذاقنا الله وجميع المؤمنين منها ومكنّنا فيها والحمد لله اوّلاً وآخراً ولا حول ولا قوّة الاّ بالله العلىّ العظيم.