التفاسير

< >
عرض

سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ
١
-الإسراء

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} بعض ليلٍ {مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} الّذى فى بيت القدّس او الى المسجد الاقصى الّذى هو فى السّماء الرّابعة المسمّى بالبيت المعمور الّذى المسجد الاقصى مظهره وهو ملكوته كما انّ المسجد الحرام او مظهره وهو ملكوته، والسُّرى والاسراء بمعنىً وهو السّير باللّيل فذكر اللّيل بعده مبنىّ على التّجريد، او التّأكيد، وتعديته بالباء فقط وليس من قبيل الجمع بين التّعدية بالباء والهمزة {ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} فانّ حول بيت المقدّس الشّام ومصر وكلاهما ممتازان عن سائر البلاد بكثرة النّعم من كلّ جنس، والبيت المعمور الّذى هو فى السّماء الرّابعة معلوم كثرة بركات ما حوله.
تحقيق المعراج الجسمانىّ
اعلم، انّ الآية اشارة الى معراج الرّسول (ص) وقد اختلف الاخبار فى كيفيّته وسيره (ص) وما رآه مع اتّفاقها على وقوعه وانّه من معجزاته (ص) وقد اختلف فى انّه ببدنه الطّبيعىّ ام ببدنه المثالىّ ام بروحه، وانكرت الفلاسفة كونه بالبدن الجسمانىّ الطّبيعىّ لامتناع دخول الجسم الملكىّ فى الاجسام الملكوتيّة وللزوم الخرق والالتيام فى السّماوات وهو محال، وقالت المتشرّعة اقتفاءً لظاهر الاخبار انّه كان ببدنه الطّبيعىّ من غير تبيينٍ لوجه صحّته مع قوّة برهان الفلاسفة على امتناعه وسنحقّقه ان شاء الله تعالى، واورد انّه كما روى كان فى اقصر زمانٍ حيث كان حرارة مضجعه باقيةً ولم يسكن حركة حلقة الباب ولم يتمّ انصباب ماء الابريق الّذى سقط حين عروجه بعد رجوعه وكان ما قصّ علينا ممّا رآه فى معراجه ووقع منه من الصّلوات والمخاطبات لا يمكن وقوعه الاّ فى زمانٍ طويلٍ فلا يمكن التّوفيق وأشكل بانّه (ص) حين بلغ الى مقام القرب خاطبه علىّ (ع) ومدّ علىّ (ع) يده من وراء الحجاب وشاركه فى الغذاء وسدّ الطّريق علىّ (ع) حين سيره (ص) وكلّ ذلك يدلّ على كون علىٍّ (ع) اكمل منه (ص) مع انّه كان تابعاً له (ص) والتّابع لا يكون اكمل من المتبوع.
وتحقيق ذلك بحيث لا يبقى ريب فى وقوعه ببدنه الطّبيعىّ ولا اشكال ممّا ذكر يستدعى تمهيد مقدّمةٍ فنقول: العالم ليس منحصراً فى هذا العالم المحسوس المعبّر عنه بعالم الطّبع بسماواته وارضيه بل فوقه البرزخ وهو عالم بين عالم الطّبع وعالم المثال وله الحكومة على عالم الطّبع والتّصرّف فيه اىّ تصرّفٍ شاء من الاحياء والاماتة وايجاد المعدوم واعدام الموجود وستر المحسوس واظهار غير المحسوس بصورة المحسوس ومنه طىّ الارض والسّير على الماء والهواء والدّخول فى النّار سالماً وقلب الماهيّات، ومنه طىّ الزّمان كما ورد فى الاخبار انّه قال المعصوم (ع) لمنافقٍ: اخسأ؛ فصار كلباً، وقال لآخر: انت امرأة بين الرّجال فصار امرأة، وانكر آخر قلب المهيّات عند المعصوم (ع) فصار الى نهرٍ ليغتسل فدخل الماء وارتمس فخرج فرأى نفسه امرأة على ساحل بحرٍ قرب قرية منكورةٍ فدخلت القرية وتزوّجت وعاشت مدّة وولدت لها اولاد ثمّ خرجت لتغتسل فى البحر فدخلت الماء وارتمست فخرجت على ساحل النّهر المعهود وهو رجل واذا بثيابه موضوعة كما وضعها فلبسها ودخل بيته واهله غير شاعرين بغيبته لقصر الزّمان، وامثال ذلك رويت عن التّابعين لهم على الصّدق وهذا من قبيل بسط الزّمان ان كان وقوعه فى عالم الملك، كما نقل انّ امرأة وقع لها ذلك فأخبرت وأنكرها جماعة فاوتيت باولادها بعد ذلك عن بلدة بعدية مع انّه لم تمض فى بلدها قدر ساعة، او من قبيل البسط فى الدّهر من غير تصرّفٍ فى الزّمان ان كان وقوعه فى الملكوت، وفوق البرزخ عالم المثال وله التّصرّف فى البرزخ والطّبع، وفوقه عالم النّفوس الكلّيّات المعبّر عنها بالمدبّرات امراً، وفوقه الارواح المعبّر بالصّافّات صفّاً ويعبّر عنها فى لسان الاشراقيّين بارباب الانواع وارباب الطّلمسات، وفوقها العقول المعبّر عنها بالمقرّبين وفوقها الكرسىّ وفوقها العرش وهو سرير الملك المتعال وهما بين الوجوب والامكان لا واجبان ولا ممكنان بل فوق الامكان وتحت الوجوب؛ وكلّ من تلك العوالم له الاحاطة والتّصرّف والحكومة على جميع ما دونه فاذا غلب واحد من تلك العوالم على ما دونه صار ما دونه بحكمه وذهب عنه حكم نفسه. ثمّ اعلم، انّ الانسان مختصر من تلك العوالم وله مراتب بازاء تلك العوالم وكلّ مرتبةٍ عالية لها الحكومة على ما دونها من غير فرقٍ كما نشاهد من حكومة النّفس على البدن والقوى لكن تلك المراتب فى اكثر النّاس بالقوّة وما بالفعل من النّفس المجرّدة الّتى هى بازاء عالم النّفوس ضعيفة غاية الضّعف بحيث لا يمكنها التّصرّف فى بدنها زائداً على ما جعله الله فى جبلّتها فكيف بغير بدنها، فاذا صار بعض تلك المراتب بالفعل كما فى اكثر الانبياء والاولياء (ع) او جميعها كما فى خاتم الانبياء (ص) وصاحبى الولاية الكلّيّة (ع) كان لهم التّصرّف فى ابدانهم باىّ نحوٍ شاءوا، وفى سائر اجزاء العالم كما روى عن الانبياء والاولياء (ع) من طىّ المكان والزّمان والسّير على الماء والهواء ودخول النّار واحياء الموتى واماتة الاحياء وقلب المهيّات وغير ذلك ممّا لا ينكر تمامها لكثرتها وتواتر الاخبار بمجموعها وان كان آحادها غير متواترةٍ، وامّا التّصرّف فى البدن الطّبيعىّ بحيث يخرجه عن حكم الامكان ويدخله فى عالم العرش الّذى هو فوق الامكان وفوق عالم العقول والملائكة المقرّبين كما ورى انّ جبرئيل تخلّف عن الرّسول (ص) فى المعراج وقال: لو دنوت انملة لاحترقت؛ مع انّه من عالم العقول المقرّبين فهو من خواص خاتم الكلّ فى الرّسالة والنّبوّة والولاية وهو من خواص نبيّنا (ص) لا يشاركه فيه غيره ولا نبىّ مرسل ولا خاتم الاولياء ولذلك جعلوا المعراج الجمسانىّ بالكيفيّة المخصوصة من خواصّه (ص)، ولمّا كان المعراج بتلك الكيفيّة امراً لا يتصوّرا مرفوقه من الممكن وكان لا يتيسّر الاّ اذا غلب العالم الّذى فوق الامكان على البدن الطّبيعىّ ولا يتسيّر تلك الغلبة بسهولة ولكلّ احدٍ وفى كلّ زمانٍ قالوا: انّ المعراج للنّبىّ (ص) كان مرّتين مع انّه نسب الى بعض العرفاء انّه قال: انّى اعرج كلّ ليلة سبعين مرّة، والمعراج بالرّوح امر يقع لكثير من المرتاضين بل ورد انّ الصّلاة معراج المؤمن؛ اذا تقرّر ذلك نقول: انّه (ص) عرج ببدنه الطّبيعىّ وعليه عباؤه ونعلاه الى بيت المقدس ومنه الى السّماوات، ومنها الى الملكوت، ومنها الى الجبروت، ومنها الى العرش الّذى هو فوق الامكان، وفى هذا السّير تخلّف جبرئيل (ع) عنه (ص) لانّه كان من عالم الامكان ولم يكن له طريق الى ما فوق الامكان لانّ الملائكة كلّ له مقام معلوم لا يتجاوزه بخلاف الانسان ولم يكن منه ذلك المعراج الاّ مرّتين كما فى الاخبار ولا يلزم منه خرق السّماوات لارتفاع حكم الملك عن بدنه بغلبة الملكوت، ولا استغراب فى عروج البدن الطّبيعىّ الى الملكوت والجبروت لسقوط حكم الملك بل حكم الامكان عنه مع بقاء عينه، ولا غرو فى كثرة وقائعه فى المعراج فانّه من بسط الدّهر مع قصر الزّمان كما قال:
{ { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } [الحج:47]، وقال ايضاً { { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [المعارج:4]، فقدر ساعة من الدّهر بازاء قدر ساعة من الزّمان تكون كالف ساعةٍ من الزّمان او كخمسين الف ساعةٍ، وتكلّم علىّ (ع) ومدّ يده من وراء الحجاب كان بمقامه العلوىّ لا ببدنه الطّبيعىّ والفضل فى المعراج بان يكون بالبدن الطّبيعىّ ولذلك كان من خواصّه (ص) لم يشاركه فيه علىّ (ع) واخبار المعراج وكيفيّة وقائعه مذكورة فى المفصّلات، ومن هذه الآية يظهر فضل نبيّنا (ص) على موسى (ع) حيث كان سيره الى الله باسراء الله وسير موسى (ع) من قبل نفسه ونفى الرّؤية عنه تأبيداً بعد مسئلته وحصر الرّؤية فى نبيّنا (ص) بدون مسئلته، يعنى انّ محمّداً (ص) تحقّق بحقيقة السّمع والبصر بحيث لم يكن سمع الاّ وهو سمعه ولا بصر الاّ وهو بصره وما ذلك الاّ بالتّحقّق بحقيقة السّمع والبصر وما ذاك التّحقّق الاّ التّحقّق بحقيقة الاسماء والصّفات الّتى نفى شهودها عن موسى (ع) {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} يعنى فأريناه ايّاها فرآها فتحقّق بها فصار بحيث لم يكن سمع وبصر الاّ وهو سمعه وبصره فصار فى حال يقال فى حقّه {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} فعلى هذا قوله انّه هو السّميع البصير جواب لسؤال عن حاله (ص) بعد الاراءة كأنّه قيل: فما كان حاله بعد الاراءة؟ - فقال: تحقّق بالآيات والاسماء والصّفات، او حال مفيدة لهذا المعنى جعل المفسّرون ضمير انه لله اى انّ الله هو السّميع لكنّه خلاف ظاهر الآية لفظاً.