التفاسير

< >
عرض

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٣١
-البقرة

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

تحقيق معنى الاسم وبيان تعليم آدم الاسماء كلَّها وبيان اللّطائف المندرجة فى الاية الشّريفة
{وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} اعلم انّ اسم الشيئ ما دّل عليه مطلقاً او باعتبار بعض صفاته سواء كانت الدّلالة وضعيّة او غير وضعيّة، وسواء كان الدّالّ لفظاً او نقشاً او مفهوماً ذهنيّاً او موجوداً عينيّاً، ولمّا كانت الدّلالة مأخوذة فى الاسميّة فكلّما كانت الدّلالة اقوى كانت الاسميّة اشدّ فالدّلالة الوضعيّة الّتى هى فى الالفاظ والنّقوش لمّا كانت محتاجة الى أمر آخر هو وضع واضع كانت اضعف، فالاسميّة فى الدّلالة الوضعيّة اضعف الاسميّات، والمفهوم الذّهنىّ لضعفه فى نفسه واختفائه عن المدارك بحيث أنكره بعضٌ وقالوا: انّ العلم الحصولىّ ليس بحصول صورة من المعلوم فى ذهن العالم بل هو بالاضافة بين العالم والمعلوم، وقال بعض المحقّقين انّه بشهود العالم صورة المعلوم فى عالم المثال عن بعد او بشهوده ربّ نوع المعلوم عن بعد اضعف الاسماء أيضاً، فبقى ان يكون الموجود العينىّ المدرك لكلّ احد الدّالّ على غيره بالطّبع كاملاً فى الاسميّة؛ ونحن الاسماء الحسنى، ولا اسم اعظم منّى، وبأسمائك الّتى ملأت أركان كلّ شيءٍ، وغير ذلك من كلماتهم تدلّ على اعتبار الاسميّة للاعيان الموجودة واهل العرف لمّا كان نظرهم الى المحسوسات غير متجاوزٍ عنها لا يعرفون من اطلاق الاسم سوى اللّفظ والنّقش لغفلتهم عن حصول مفهوم من المسمّى فى الذّهن فضلاً عن اعتبار الاسميّة له، ولاحتجابهم عن دلالة الاعيان على غيرها وعن كونها مرايا للحقّ الاوّل تعالى، والاسم من حيث الاسميّة وكونه عنواناً ومرآةً للمسمّى لا حكم له بل الحكم بهذا الاعتبار للمسمّى، وقد يعتبر الاسم من حيث نفسه من غير اعتباره مرآةً لغيره وله بهذا الاعتبار حكمٌ فى نفسه ويحكم عليه وبه، والاخبار الدّالّة على انّ عابد الاسم كافرٌ وعابد الاسم والمعنى مشركٌ وعابد المعنى بايقاع الاسماء عليه بصفاته الّتى وصف بها نفسه موحّد ناظرة الى الاسماء العينيّة او الموهومات الذّهنيّة ومشيرة الى هذين الاعتبارين، وقوله تعالى:
{ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ } [النجم: 23]؛ اشارة الى هذين ايضاً يعنى ما جعلتموها معبوداتٍ او مطاعين ليست الاّ اسماء لا ينبغى ان ينظر اليها ويحكم عليها انتم وآباؤكم جعلتموها مسمّياتٍ ومنظوراً اليها ومحكوماً عليها بالمعبوديّة او المطاعيّة ما أنزل الله بها من ذلك الاعتبار سلطاناً وحجّة وتعليم الشّيء اعطاء العلم له سواء كان بنحو الاعداد والتّسبيب كالتّعليم البشرىّ او بنحو الافاضة كتعليم الله تعالى وعلم الشيئ ظهوره على النّفس بنفسه كالعلم الحضورىّ او بصورته الحاصلة فى النّفس، او فى عالم المثال، او فى ربّ النّوع على الاختلاف فيه كالعلم الحصولىّ سواء كان بالشّعور البسيط او بالشّعور التّركيبىّ فمعنى {علّم آدم الاسماء كلّها} أفاض وأودع علم الموجودات وصورة كلّ منها وانموذجه من حيث هى أسماء ومرايا للحقّ تعالى شأنه لا من حيث هى مسمّيات لعدم تحدّد آدم بحدٍّ حتّى يصيروا واقفاً فى ذلك الحدّ ويكون المعلوم فى ذلك الحدّ مستقلاً عنده فى الوجود ومسمّى لا اسماً لغيره فالتّعبير عن الموجودات بالاسماء للاشعار بعدم وقوف آدم (ع) دون الوصول الى الله والتّأكيد بلفظ {كلّها} للاشارة الى انّ الجميع مودعة فى وجود آدم بحيث لا يشذّ عن حيطة وجوده شيئ من الاشياء، وما قلنا انّه أودع صورة الاشياء وأنموذجها انّما هو بحسب أفهام العوامّ والاّ فحقيقة كلّ شيئٍ عند آدم عليه السّلام والاشياء كلّها دقائق للحقائق الّتى أودعها الله تعالى فى آدم (ع)، ولمّا كان الملائكة متّحددين وكان الاشياء بالنّسبة اليهم متحدّدة ومحكوماً عليها بوجهٍ جعلها تعالى فى معرض العرض على الملائكة للاشعار بمحدوديّتهم فى صورة المسمّيات المستقّلات من غير اعتبار الاسميّة لها بارجاع ضمير ذوى العقول اليها تغليباً او باعتبار كون الاشياء بالنّسبة اليه تعالى عقلاء فانّ ارجاع الضّمير الى الاسماء واعتبار كونها عقلاء اسقاط لاعتبار الاسميّة لها بخلاف ايقاع العلم على الاسماء بعنوان الاسميّة فقال {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} اى عرض الاسماء كما عرفت فلا حاجة الى تكلّف ارجاع الضّمير الى المسمّيات المفهومة بالالتزام بل تكلّف ارجاع الضّمير الى المسمّيات يذهب باللّطائف المودعة فى تعليق الفعل على الاسماء وارجاع ضمير ذوى العقول اليها كما عرفت {عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ} اى ملائكة الارض لانّهم المستغربون خلافة آدم (ع) او على الجميع ليظهر على الجميع سعة آدم (ع) واحاطته واستحقاقه الخلافة على جميعهم فانّ المقرّبين من الملائكة وان كانوا محيطين عالمين من آدم (ع) ظاهره وباطنه وما فيه بالفعل وما فيه بالقوّة لكنّ حقائق الاسماء الالهيّة الّتى هى فى مقام المشيئة مختفية عليهم مع انّ آدم (ع) بعلويّته عالم بها جامع لها وبتلك الحقائق يستحقّ الخلافة عليهم وباعتبار ذلك المقام ورد عنهم (ع) على ما نسب اليهم: روح القدس فى جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة، وورد انّ جبريل (ع) قال لمحمّدٍ (ص) ليلة المعراج: "لو دنوت أنملةً لاحترقت" ، والمراد بالعرض عليهم اظهار حقائقهم. فى العود الى الله لا فى النّزول من الله ولذا كان ذلك العرض بعد تعليم آدم (ع) جميع الاسماء فانّ للاشياء بواسطة عروج آدم (ع) عروجاً بأنفسها فى صراط الانسان مضافاً الى عروج أسمائها مع الانسان وعطف العرض بثمّ على تعليم الاسماء لآدم (ع) مشعر به، وورد الخبر انّه عرض أشباحهم وهم أنوار فى الأظلّة {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} الاسماء هاهنا بمنزلة العلم فى آدم يعنى أنبئونى بأنموذج كلّ من هؤلاء الحقائق المتكثّرة الموجودة المتضادّة من وجودكم حتّى تستحقّوا الخلافة فى المتضادّات والحكومة بين المتفاسدات بالسّنخيّة بينكم وبين المتضادّات، فانّ الخليفه لا بدّ ان يكون له سنخيّة مع المستخلف عليه وليس فى وجود كلٍّ الاّ انموذج واحد منهم فلا يخبر كلّ منكم الاّ باسم واحد منهم فأخبرونى بأسماء الجميع {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فى انكار خلافة آدم (ع) واستحقاق خلافتكم فرجعوا الى أنفسهم وأيقنوا انّهم قاصرون عن المجانسة مع الاضداد وعن المحاكمة بين المتخالفات، وعن العلم بالمتفاسدات، مقصّرون فى الاستعجاب والاستخبار على سبيل الانكار مفرّطون فى ادّعاء التّسبيح مع التّحميد واستحقاق الخلافة دون آدم فاعترفوا بذلك.