التفاسير

< >
عرض

فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٣٧
-البقرة

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} الكلمات المتلقّاة من الرّبّ ليست شبيهة بكلمات الخلق كما يظنّ بل هى عبارة عن اللّطائف الوجوديّة الّتى هى التّوحيد والنّبوّة والولاية ومراتب كلّ منها ومراتب العالم الّتى لا نهاية لها؛ فانّ الكلمة كما تطلق على الكلمة اللّفظيّة وعلى الكلمة النّفسيّة الّتى هى حديث النّفس تطاق على العقائد والعلوم وعلى اللّطائف الوجوديّة وعلى مراتب الوجود، وقوله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}؛ اريد به مراتب الوجود، واذا قيس قوله (ص): "اوتيت جوامع الكلم" ، بهذا علم فضل محمّد (ص) على ابراهيم (ع) ولمّا اريد بالكلمات اللّطائف الوجوديّة وتلك اللطائف يمكن التّعبير عنها بتعبيراتٍ مختلفة ورد فى الاخبار كلمات مختلفة فى تفسيرها، وجمع الاخبار بعد الاطّلاع على ما ذكرنا فى غاية الوضوح.
تحقيق توبة العبد
{فَتَابَ عَلَيْهِ} توبة العبد من الشّئ ادباره عنه مع الانزجار منه سواء كان ذلك الشّئ من المعاصى الظّاهرة او الباطنة، او المقامات النّازلة الّتى يقف العبد فيها او المشاهدات الّتى قد يفتتن السّالك بها، او الخطرات الّتى توبة الاولياء منها، او الالتفات الى غير الله الّذى توبة الانبياء منه؛ وهى قسيمة للانابة فانّ الانابة الاقبال والرّجوع.
اعلم انّ سلوك السّالك لا يتمّ الاّ بجانبين؛ البرائة والولاية ويعبّر عنهما بالتّوبة والانابة؛ وبالزّكاة والصّلاة، وبالصّيام والصّلاة، والتّبرّى والتّولّى، والنّفى والاثبات، والنّهى والامر، والخوف والرّجاء، والتّرهيب والتّرغيب؛ ولذا لم يكن شريعة من لدن آدم (ع) الاّ وفيها زكوة وصلوة وكان الكلمة الجامعة بين النّفى والاثبات اشرف الاذكار، وكان اشرف الكلّ لا اله الاّ الله لاعتباراتٍ ليست فى غيرها كما سنذكره ان شاء الله فى بيان قوله:
{ فاذكرونى أذكركم } فى هذه السّورة، واذا عدّى التّوبة بالى كانت مشعرةً بالجمع بين التّوبة والانابة، واذا نسبت الى العبد عدّيت بالى للدّلالة على الانتهاء، واذا نسبت الى الله عدّيت بعلى للدّلالة على الاستعلاء والاستيلاء.
تحقيق توبة الرّب فى توبة العبد
{إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} كثير التّوبة منحصرة فيه لانّ توبة العبد كسائر خصاله اظلال صفات الحقّ فانّ توبة العبد ظلّ لتوبة الرّبّ بل هى توبة الرّبّ فى مقام شأنه النّازل فلا تائب الاّ هو، ونسبتها الى العبد محض اعتبارٍ ففى توبة العبد تكرار ظهور لتوبة الرّبّ فانّه ما لم يظهر توبة الله فى شؤنه العالية لم تظهر فى مظهره النّازل فهو تعالى كثير التّوبة باعتبار كثرة ظهورها ولا توّاب سواه باعتبار انّ توبة العبد توبته {ٱلرَّحِيمُ} لا رحيم سواه كحصر التّوبة وافاضة الرّحمة الرّحيميّة على العبد بعد توبة الرّبّ فى توبة العبد كاللاّزم الغير المنفكّ منها ولذا عقّبها بها.