التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
٢٥
وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ
٢٦
-الحج

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} منقطع لفظاً ومعنىً عن سابقه، او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: قد عرفنا حال الكافر المطلق والمؤمن فما حال الكافر الصّادّ عن سبيل الله؟- فقال: انّ الّذين كفروا {وَيَصُدُّونَ} اتى بالمضارع اشعاراً بانّ الكفر امر وحدانىّ ثابت بخلاف الصّدّ فانّه امر متجدّد الحصول، وللاشارة الى انّ الكافر يصير شيمته الصّدّ على سبيل الاستمرار التّجدّدى {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} هو سبيل القلب الّذى تكوينيُّهُ ولاية تكوينيّة وتكليفيُّهُ ولاية تكليفيّة ولا سبيل لله سواه، وكلّما عدّ سبيل او فسّر سبيل الله به فهو سبيل الله لكونه سبيلاً الى سبيل القلب {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الصّورىّ او المعنوىّ وهو القلب {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً} مفعول ثان لجعلنا او حال وقوله {ٱلْعَاكِفُ فِيهِ} مرفوعه سواء جعل سواء وصفاً او مصدراً فى معنى الوصف وقد مضى وجه كون الكعبة موضوعاً لانتفاع النّاس فى آل عمران، وقرئ سواء بالرّفع فيكون خبراً مقدّماً او مبتدءً مكتفياً بمرفوعه عن الخبر {وَٱلْبَادِ} باسقاط الياء فى الوقف واجرائه حال الوصل على الوقف والمراد بالبادى مطلق المسافر يعنى الخارج الى البادية سواء سكن البادية ام لا، والمراد بالمسجد الحرام الحرم وما حواه او مكّة او المسجد نفسه وفى اخبارنا تصريحات بانّ المراد مكّة ودورها لا يجوز اخذ الاجر عليها ولا يجوز ان يجعل عليها ابوابٌ وانّ اوّل من جعل على داره مصراعين معاوية وانّه صاحب السّلسلة الّتى قال الله تعالى: { فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً } [الحاقة: 32]، وكان الطّارين اذا قدموا نزلوا على الحاضرين فى دورهم، وقرئ العاكف بالجرّ بدلاً من النّاس وحذف خبر انّ اتّكالاً على جزاء ما يأتى من قوله {وَمَن يُرِدْ فِيهِ} اى من يرد فى المسجد او فى سبيل الله شيئاً حذف المفعول لارادة التّعميم {بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} بدل من قوله بالحادٍ او صلة للالحاد او هما حالان متداخلان او مترادفان، او بالحادٍ صلة يرد وبظلمٍ حال، وقرئ يرد بفتح الياء من ورد {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذْ بَوَّأْنَا} واذكر او ذكّر قومك اذ بوّأنا {لإِبْرَاهِيمَ} اى عيّنّا على ما ورد انّ الله أرسل ريحاً فكنس مكان البيت فظهر اسّ البيت الّذى نزل لآدم (ع) من الجنّة فبنى ابراهيم (ع) البيت على ذلك او لام لابراهيم زائدة {مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} اى بيت الكعبة ولمّا كان الظّاهر عنوان الباطن فايواء ابراهيم (ع) مكان البيت او تعيينه له كان عنواناً لايوائه الى القلب وتعيين محلّ القلب له لينجذب اليه ويخلص التّوحيد له ولذلك قال تعالى {أَن لاَّ تُشْرِكْ} ان تفسيريّة لكون بوّأنا فى معنى القول او مصدريّة بتقدير الّلام {بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} الظّاهر والباطن من الاصنام الظّاهرة والباطنة ومن النّجاسات الظّاهرة ولوث الرّذائل الباطنة {لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ} الدّاعين لله فى القيام وبالقيام عنده او القائمين بامور العباد الكافين لهم {وَٱلرُّكَّعِ} الخاضعين لله او المنحنين لمرمّة معاشهم والمكبّين على وجوههم غير مرتفعين رؤسهم، او المفتقرين المحتاجين بحسب الدّنيا او الآخرة {ٱلسُّجُودِ} المتواضعين غاية التّواضع او المبتلين بمرمّة معاشهم بحيث لا يمكنهم الخلاص منها فى الكبير او الصّغير.