التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ
٥١
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٢
-الحج

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا} بالرّدّ والابطال والمنع والجحود {مُعَاجِزِينَ} من عاجز عدوّه اذا تسابقا فى الدّفع والتّعجيز {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} عطف على يستعجلونك بالعذاب وتسليةٌ اخرى له (ص) {مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} فى قراءة اهل البيت (ع) ولا محدّثٍ وقد سبق تحقيق وتفصيل لمراتب الانسان والفرق بين المحدّث والنّبىّ والرّسول فى سورة البقرة عند قوله { وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } [البقرة:219] ولقد بيّنا هناك الاخبار الواردة فى الفرق بين الرّسول والنّبىّ والمحدّث والامام بانّ الرّسول يسمع الصّوت ويرى فى المنام ويعاين الملك فى اليقظة، وانّ النّبىّ يسمع الصّوت ويرى الملك فى المنام ولا يعاين، وانّ المحدّث والامام يسمع صوت الملك ولا يرى ولا يعاين {إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ} شيئاً من مشتهيات القوى الحيوانيّة او الانسانيّة من جهة الدّنيا او من جهة الآخرة {أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} شيئاً خلاف متمنّاه اذا حصل او قرب حصوله والآية تسلية للرّسول (ص) ممّا فعله منافقوا امتّه او يفعلونه به وبشريعته وكتابه وخليفته وعترته فانّ امنيّته (ص) ان لا يخالف امره، ولا يعصى ربّه، ولا يغيّر شريعته وكتابه، وان يتّبع خليفته، ويودّ عترته؛ فانّه روى بطريق الخاصّة عن امير المؤمنين (ع) فى حديثٍ فيذكر جلّ ذكره لنبيّه (ص) ما يحدثه عدوّه فى كتابه من بعده بقوله: وما ارسلنا من قبلك (الآية) انّه ما من نبىٍّ تمنّى مفارقة ما يعاينه من نفاق قومه وعقوقهم والانتقال عنهم الى دار الاقامة الاّ ألقى الشّيطان المعرض بعداوته عند فقده فى الكتاب الّذى انزل عليه ذمّه والقدح فيه والطّعن عليه فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله، ولا يصغى اليه غير قلوب المنافقين والجاهلين، ويحكم الله آياته بان يحمى اوليائه من الضّلال والعدوان ومشايعة اهل الكفر والطّغيان الّذين لم يرض الله ان يجعلهم كالانعام حتّى قال بل هم اضلّ، وروى عن ابن عبّاس وغيره بطريق العامّة انّ النّبىّ (ص) لمّا تلا سورة والنّجم وبلغ الى قوله { أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } [النجم:19-20] ألقى الشّيطان فى تلاوته تلك الغرانيق العلى وانّ شفاعتهنّ لترجى فسّر بذلك المشركون فلمّا انتهى الى السّجدة سجد المسلمون وسجد ايضاً المشركون لمّا سمعوا من ذكر الهتهم ما أعجبهم، وقيل: انّ تمنّى بمعنى تلا يعنى ما من نبّىٍ الاّ اذا تلا آيات كتابه ألقى الشّيطان فى تلاوته فانّه يستعمل تمنّى الكتاب بمعنى قرأه، وهذا الخبر المروىّ منهم ان صحّ فهو مؤوّلٌ بما لا ينافى مقام النّبىّ، والغرانيق جمع مفرده الغرنيق بضمّ الغين وفتح النّون او كزنبور او كقنديل او كسموئل او كفردوس او كقرطاس والكلّ بمعنى الشّابّ الحسن الابيض {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} اى المبدّلون فى كتابه او شريعته بان ينسخ ما ارادوا ممّا ألقوا من القلوب او ما يلقى الشّيطان او الكفّار فى تلاوته بان ينسخ اثره من القلوب او ما يلقى الشّيطان فى متمنّاه حين تمنّى علىّ (ع) وفاطمة (ع) او ما يلقى الشّيطان فى متمنّياته من الجهة الدّنيويّة الحيوانيّة بان ينسخ تلك الجهة من نظره {ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} بان لا تتغيّر ولا تتبدّل ولا تزول عن قلوب المؤمنين ولا عن نظر النّبىّ (ص) {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} يعلم صلاح عباده فى ان يخلّى الشّيطان حتّى يلقى ما يريد فى متمنّى النّبىّ (ص) ليختبر بذلك الخالص والمغشوش فيتميّز المؤمن عن المنافق {حَكِيمٌ} لا يفعل الاّ لغايات متقنةٍ والاّ بالنّظر الى استعدادات مكمونة قدّم المعطوف قبل تمام المعطوف عليه لئلاّ يتوهّم متوهّم انّ هذا الجعل خالٍ من الحكمة.