التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ
٣٥
-النور

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

آية النّور
{ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اعلم انّ الله كما سبق مكرّراً اسم للذّات الواجب الوجود باعتبار مقام ظهوره الّذى هو مقام المشيّة وهى اضافته الاشراقيّة الى الاشياء وهى فعله وفيضه ونوره المنبسط على جميع الاشياء وبها يخرج الاشياء من اللّيس المحض الى الايس، ومن العدم الى الوجود، ومن الظّلمة الى النّور، ومن الخفاء الى الظّهور، وانّ الذّات الاحديّة بدون هذا العنوان غيب محض لا اسم له ولا رسم ولا خبر عنه ولذلك سمّى فى الاخبار بالعمى، وقد فسّر الله تعالى فى الآيات بسائر مظاهره من الانبياء والاولياء (ع) فانّه فسّر الكفر والشّرك بالله تعالى فى الاخبار بالكفر والشّرك بخلفائه، وانّ النّور اسم للضّياء سواء كان ضياء الشّمس او القمر او سائر الكواكب، وسواء كان ضياء النّار والسّراج او الجواهر او غيرها، او هو اسم لشعاع الضّياء، او هو اعمّ وقد نار نوراً وانار واستنار ونوّر وتنوّر كلّها بمعنى اضاء الّلازم، وجاء انار ونوّر متعدّيين ايضاً، والنّور اسم لمحمّد (ص) او نبوّته او رسالته او ولايته او اسم لعلىّ (ع) او خلافته او ولايته، وقد يطلق على الّذى يبيّن الاشياء مطلقاً ضياءً وشعاعاً كان، او دليلاً وبرهاناً، او علامة وآثاراً، وبهذا المعنى يطلق على الكتب السّماويّة والخلفاء الالهيّة، وقد يطلق على الهدى وما به الهدى وبهذا المعنى ايضاً يكون الكتب السّماويّة والرّسالات والنّبوّات والولايات والاقوال والافعال والاحوال والاخلاق الحسنة كلّها انواراً وانّه لا اختصاص للاسماء بمصاديقها العرفيّة بل المعتبر فى صدقها هى المعانى المطلقة الحاصلة فى جميع العوالم وجميع المراتب من دون اعتبار خصوصيّة من خصوصيّات المصاديق والعوالم فيها، فانّ النّور اسم للظّاهر بذاته من دون وساطة امرٍ آخر المظهر لغيره، والنّور العرضىّ الّذى لا يبقى آنين وليس ظاهراً الاّ على الابصار ولا يكون ظهوره على الابصار الاّ بعد اجتماعه فى سطحٍ كثيفٍ غليظٍ لا ينفذ فيه ولا يظهر الاّ السّطوح والالوان والاشكال ولا يُظهر الاّ على الابصار دون سائر المدارك احد مصاديقه من دون اعتبار تلك الخصوصيّات فى صدقه، بل نقول: معنى الظّاهر بذاته المظهر لغيره ليس حقيقةً الاّ لحقيقة الوجود الّذى هو واجب لذاته وموجب لغيره، وامّا سائر الانوار العرضيّة والحقيقيّة الّتى هى وجودات الاشياء وانوار الرّسالة والنّبوّة والولاية والهداية فهى وان كانت بوجهٍ ظاهرةً بذواتها بمعنى انّه لا حاجة لها الى نورٍ آخر تظهر هى به لكنّها محتاجة الى علّة تخرجها وتظهرها والى ما تقع عليه من سطوح المهيّات والصّدور والقلوب والارواح ومن سطوح الاجسام المادّيّات فهى ليست فى الحقيقة ظاهرة بذواتها، وانّ السّماوات لا اختصاص لها بالافلاك الطّبيعيّة والكرات العلويّة بل كلّما كان فيه جهة علوّ وفاعليّة بالنّسبة الى ما دونه فهو سماء بالنّسبة اليه فالعقول الكلّيّة الطّوليّة والعرضيّة والنّفوس الكلّيّة والجزئيّة والافلاك الطّبيعيّة كلّها سماوات، والارض اسم لما له تسفّلٌ وقبول ولا اختصاص لاسم الارض بالارض الغبراء بل عالم الطّبع بشراشره وعالما المثال السّفلىّ والعلوىّ كلّها ارض، وقد مضى فى اوّل سورة الانعام وجه جمع السّماوات وافراد الارض وانّ السّماء والارض اسمان للموجود منهما الممتاز بتعيّن السّماوىّ والارضىّ او اسمان لنفس مهيّاتهما من دون اعتبار الوجود معها فعلى هذا صحّ ان يقال فى بيان الآية: انّ الله ذو نور السّماوات والارض موافقاً لما نسب الى امير المؤمنين (ع) انّه قرء: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} على صيغة الماضى من التّفعيل سواء اريد من النّور النّور المحسوس العرضىّ او الوجود، او الهدى وصحّ ان يقال: انّ الله مبيّن السّماوات والارض ومخرجهما من خفاء العدم الى الوجود، وصحّ ان يقال: انّ الله وجود السّماوات والارض سواء اريد منه وجود وجودهما على ان يراد من السّماوات والارض الموجودان منهما واعتبر قيد الحيثيّة فى اضافة النّور اليهما او اريد منه نفس وجودهما، فانّ الله باعتبار مقام ظهوره الّذى هو المشيّة قوام وجودات الاشياء وفاعلها وروحها بوجهٍ ونفس وجودات الاشياء بوجهٍ كما انّ الفصول فاعل وجودات الاجناس وقوامها بوجه اخذها بشرط لا، ونفس وجوداتها بوجه اخذها لا بشرطٍ، فانّ فعل الحقّ الّذى هو المشيّة هو صورة الاشياء وقوامها وفاعلها، وصحّ ان يقال انّ الله بحسب مظهره الّذى هو العقل الكلّىّ او الرّوح الكلّىّ الّذى هو ربّ النّوع الانسانىّ نور السّماوات والارض بالوجوه المذكورة او بحسب مظهره الّذى هو النّفس الكلّيّة او بحسب مظهره الّذى هو عالم المثال نور السّماوات والارض او بحسب مظاهره الّذين هم انبياؤه واولياؤه (ع) هدى اهل السّماوات والارض او مبيّنون لاهل السّماوات والارض او بحسب مظاهره الّتى هى لطائف الولاية، والنّبوّة والرّسالة نور السّماوات والارض فى العالم الكبير او فى العالم الصّغير بالوجوه السّابقة او بحسب مظاهره الّتى هى الارواح والعقول والقلوب والنّفوس البشريّة والنّفوس الحيوانيّة نور السّماوات والارض فى العالم الصّغير بالوجوه السّابقة، او بحسب مظهره الّذى هو ضياء الشّمس نور السّماوات والارض الطّبيعيتين بالمعنى المدرك لكلّ احدٍ، او بحسب مظهره الّذى هو مثال اوليائه الظّاهر فى صدور السّالكين نور السّماوات والارض فى العالم الصّغير ان لم يكن ذلك المثال قويّاً على انارة خارج عالم السّالك، او فى العالم الصّغير والكبير ان صار المثال قويّاً على انارة الخارج ايضاً، والى هذا الوجه اشار العارف الرّبّانىّ قدّس سرّه بقوله:

كرد شهنشاه عشق در حرم دل ظهور قد زميان برفراشت رايت الله نور

او بحسب مظهره الّذى هو قوّة الواهمة والمتخيّلة والخيال، او بحسب مظهره الّذى هو المدارك الباطنة او هو المدارك الظّاهرة {مَثَلُ نُورِهِ} اى صفته او حديثه {كَمِشْكَاةٍ} اى كصفة مشكوة او حديث مشكوةٍ وقد مضى سابقاً انّ التّشبيهات التّمثيليّة لا يلزم فيها ذكر جميع اجزاء المشبّه ولا ذكر جميع اجزاء المشبّه به ولا التّرتيب بين اجرائهما ولا ذكر جزءٍ مخصوصٍ عقيب اداة التّشبية ولا الاتيان بلفظ المثل فى جانب المشبّه ولا فى جانب المشبّه به ولا الاتيان باداة التّشبيه، واضاف النّور الى ضمير الله مع انّ المناسب ان يقول مثله لانّه جعله نفس النّور للاشارة الى انّ الذّات بحسب مقام الغيب ومقام الذّات الاحديّة لا خبر عنه ولا حكم عليه وانّما الخبر والحكم عليه بحسب مقام ظهوره بمراتب ظهوره كما اشرنا اليه والمشكوة الكوّة الغير النّافذة {فِيهَا} اى فى المشكوة الّتى لا ينفذ النّور منها {مِصْبَاحٌ} اى سراج {ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} فى تكرار المصباح ظاهراً معرّفاً تفخيم وتعجيب من شأنه كما انّ تنكيره اوّلاً يفيد التّفخيم {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} قرئ بضمّ الدّال وكسرها مشدّد الياء ومهموز الآخر منسوباً الى الدُّرّ او فُعّولاً مشدّد العين مضموم الفاء او فُعّيلا مشدّد العين مضموم الفاء او مكسورها من الدّرء بمعنى الدّفع وعلى اىّ تقدير فهو بمعنى شديد التلألؤ {يُوقَدُ} قرئ بالياء التّحتانىّ وبالتّاء الفوقانىّ مبنيّاً للمفعول من اوقد، وقرئ توقّد ماضياً مبنيّاً للفاعل من التّوقّد {مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} فانّ فى الزّيتونة كثرة نفعٍ للعرب من حيث انّها طعام وشراب وفاكهة وادام ودهن، وتوقّد الكواكب او الزّجاجة او المصباح من تلك الشّجرة باعتبار توقّد فتيلة المصباح بدهن ثمرتها {لاَّ شَرْقِيَّةٍ} لا تكون فى مشرق الحائط حتّى لا يقع عليها الشّمس مدّة من اوّل النّهار {وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} لا تكون فى مغرب الحائط حتّى لا يقع عليها الشّمس مدّة من آخر النّهار فيكون زيتها اصفى وثمرها اشهى لكونه بارزةً للشّمس طول النّهار، او المعنى انّها ليست من شجر الدّنيا فانّ شجر الدّنيا لا تكون الاّ شرقيّة او غربيّة او شرقيّة وغربيّة جميعاً بالاضافة الى الجهات المتخالفة، او المعنى انّها لا تكون منسوبةً الى شروق الشّمس بحيث لا يقع عليها ظلّ فيحترق ثمرها ولا منسوبة الى غرب الشّمس بحيث لا يكون الشّمس غاربةً عنا دائماً فلا ينضج ثمرها، او المعنى انّها ليست من الشّجر الواقع فى جهة الشّرق او جهة الغرب من المعمورة فانّ هاتين الجهتين لشدّة حرارة الشّمس فيهما يحترق ثمر شجرهما بل تكون واقعة فى وسط المعمورة فيكون ثمرها اتمّ نضجاً غير محترق من حرّ الشّمس وغيرنىٍّ من برد الهواء {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} لفرط صفائه ولطافته {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}.
تطبيق اجزاء المثل بالممثّل له على الاحتمالات الاربعة عشر فيه على عدد آل محمّدٍ (ص)
اعلم، انّ تطبيق هذا المثال على الممثّل له اذا علمت انّ الممثّل له هو المشيّة او العقل الاوّل او مطلق العقول او ربّ النّوع الانسانىّ او مطلق ارباب الانواع او النّفوس الكلّيّة او الجزئيّة او عالم المثال او روح الانسان او عقله او قلبه او نفسه او النّفس الحيوانيّة او مثال خلفاء الله الظّاهر على صدر السّالك المسمّى بالسّكينة والفكر عندهم سهل عليك تطبيق اجراء المثل على الممثّل له، فانّه اذا اريد بالنّور المشيّة كان المشكوة عالم الطّبع والزّجاجة عالم الارواح مطلقاً والمصباح نفس المشيّة من وجهها الى العالم الّذى يسمّى بالكرسىّ والفيض المقدّس وكانت الشّجرة هى المشيّة ايضاً بوجهها الى الله الّذى يسمّى بالعرش والفيض الاقدس، او كانت الشّجرة هى المادّة الاولى او مطلق المادّة، او كانت المشكوة عالم المثال او عالم النّفوس وباقى اجزاء المثال كما سبق، واذا اريد العقول او النّفوس او عالم المثال بالنّور الممثّل له كانت المشكوة عالم الطّبع او عالم المثال والزّجاجة عالم النّفوس والمثال او عالم النّفوس فقط، والشّجرة مطلق عالم المشيّة او جهتها الالهية او جهتها الخلقيّة او المادّة الاولى او المادّة المطلقة، واذا اريد النّفوس من النّور كانت المشكوة عالم الطّبع او عالم البرزخ والزّجاجة عالم المثال والشّجرة هى المشيّة بما ذكر فيها من الوجوه، او العقول او المادّة، اذا اريد عالم المثال كانت المشكوة عالم الطّبع والزّجاجة عالم البرزخ، والشّجرة يجوز ان تكون كلّ ما سبق عليه وان تكون هى المادّة، واذا اريد بالنّور الممثّل له الولاية او النّبوّة او الرّسالة او الاسلام او الايمان او الرّوح او العقل او القلب او النّفس البشريّة او مثال الشّيخ كان تطبيق سائر الاجزاء ظاهراً، واذا اريد النّبىّ (ص) او الولىّ (ع) او الرّسول (ص) او المؤمن كان المشكوة ابدانهم الطّبيعيّة او صدورهم المنشرحة بالاسلام، وبالرّسالة وخلافتها او قلوبهم المنقوشة فيها احكام النّبوّة وآثار الولاية والزّجاجة نفوسهم او قلوبهم او عقولهم والمصباح بحسبها، والشّجرة هى المشيّة او العقول الكلّيّة وارباب الانواع او النّفوس الكلّيّة، او جهة الايحاء وافاضة العلوم اللّدنّيّة او ولايتهم او نبوّتهم، ويجوز ان يراد بالنّور الممثّل له الرّوح النّفسانىّ او الرّوح الحيوانىّ او النّفس النّباتيّة ويكون الزّجاجة الرّوح الحيوانىّ او النّفس النّباتيّة او الطّبع الجمادىّ والمشكوة النّفس النّباتيّة او البخار المتكوّن فى القلب او فيه وفى الشّرائين او الطّبع الجمادىّ او القلب الصّنوبرىّ او هو مع الشّرائين او جملة البدن، وفى الاخبار اشير الى بعض الوجوه والى بعض وجوه اُخر فعن الصّادق (ع) هو مثل ضربه الله تعالى لنا، وعنه (ع) {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال: كذلك الله عزّ وجلّ مثل نوره قال: محمّد (ص) كمشكوة قال: صدر محمّد (ص) فيها مصباح، قال: فيه نور العلم يعنى النّبوّة، المصباح فى زجاجةٍ قال: علم رسول الله (ص) صدر الى قلب علىٍّ (ع) الزّجاجة كأنّها قال: كأنّه كوكب درّىّ يوقد من شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ لا شرقيّةٍ ولا غربيّةٍ قال: ذلك امير المؤمنين علىّ بن ابى طالبٍ (ع) لا يهودىّ ولا نصرانىّ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نارٌ قال: يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمدٍ (ص) من قبل ان ينطق به، نورٌ على نورٍ، قال: الامام فى اثر الامام، وقد ورد عنهم (ع) مع اختلافٍ فى بيان الوجوه نظير هذا الخبر كثيراً، وعن الباقر (ع) انّه تعالى يقول: انا هادى السّماوات والارض مثل العلم الّذى اعطيته وهو النّور الّذى يهتدى به مثل المشكوة فيها المصباح فالمشكوة قلب محمّد (ص) والمصباح نوره الّذى فيه العلم، وقوله: المصباح فى زجاجةٍ يقول: انّى اريد ان اقبضك فاجعل الّذى عندك عند الوصىّ، كما يجعل المصباح فى الزّجاجة كأنّها كوكبٌ درّىٌّ فأعلمهم فضل الوصىّ يوقد من شجرةٍ مباركةٍ فأصل الشّجرة المباركة ابراهيم (ع) وهو قول الله عزّ وجلّ:
{ رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } [هود:73] وهو قول الله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [آل عمران:33-34] لا شرقيّة ولا غربيّة يقول لستم يهود فتصلّوا قبل المغرب ولا النّصارى فتصلّوا قبل المشرق وانتم على ملّة ابراهيم (ع) وقد قال الله عزّ وجلّ: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } [آل عمران:67] وقوله: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ} يقول: مثل اولادكم الّذين يولدون منكم مثل الزّيت الّذى يعصر من الزّيتون يكادون ان يتكلّموا بالنّبوّة ولو لم ينزل عليهم ملك، وعن الصّادق (ع) عن ابيه فى هذه الآية: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، قال بدأ بنور نفسه مثل هداه فى قلب المؤمنين كمشكوةٍ فيها مصباح، المشكوة جوف المؤمن والقنديل قلبه، والمصباح النّور الّذى جعله الله فيه، توقد من شجرةٍ مباركةٍ قال: الشّجرة المؤمن زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيّة، قال: على سواء الجبل لا غربيّة اى لا شرق لها ولا شرقيّة اى لا غرب لها، اذا طلعت الشّمس طلعت عليها، واذا غربت غربت عليها، يكاد النّور الّذى جعله الله فى قلب المؤمن يضيء وان لم يتكلّم نورٌ على نورٍ فريضة على فريضةٍ وسنّة على سنّةٍ يهدى الله لنوره من يشاء، قال: يهدى الله لفرائضه وسننه من يشاء، ويضرب الله الامثال للنّاس قال: فهذا مثل ضربه الله للمؤمن، قال: فالمؤمن ينقلب فى خمسة من النّور مدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، وكلامه نور، ومصيره يوم القيامة الى الجنّة نور قال الرّاوى: قلت لجعفرٍ (ع) انّهم يقولون مثل نور الرّبّ قال سبحان الله ليس لله مثل اما قال: { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } [النحل: 74] ويجوز ان يراد بالمصباح ولاية محمّد (ص) مخصوصاً فليكن الزّجاجة نبوّته والمشكوة رسالته، والشّجرة لطيفته السّيّارة الانسانيّة او مادّته الكاملة وجثّته العنصريّة اللّتين كانتا فى حاقّ الوسط غير مائلتين الى التّوحيد ولا الى التّكثير كعيسى وموسى (ع) فانّ احدهما مال الى التّوحيد والآخر الى التّكثير، ويجوز ان يراد بالمصباح نبوّة محمّدٍ (ص) فليكن الزّجاجة رسالته والمشكوة صدره، والشّجرة لطيفته السّيّارة، او ولايته الكاملة او مادّته، وقيل: انّ المشكوة ابراهيم (ع) والزّجاجة اسماعيل (ع) والمصباح محمّد (ص) من شجرة مباركة يعنى ابراهيم (ع) لانّ اكثر الانبياء من صلبه لا شرقيّة ولا غربيّة لا نصرانيّة ولا يهوديّة يكاد زيتها يضيء اى يكاد محاسن محمّد (ص) تظهر قبل ان يوحى اليه، وقيل: المصباح القرآن، والزّجاجة قلب المؤمن، والمشكوة لسانه وفمه، والشّجرة شجرة الوحى يكاد حجج القرآن تتّضح وان لم تقرأ {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} خبر بعد خبرٍ لمثل نوره يعنى صفة نوره الّذى هو المشيّة صفة نورٍ على نورٍ فى شدّة الاضاءة لتضاعف اضاءته بصفاء زيته وصفاء زجاجته، وجمع المشكوة لنوره على انّ المشيّة الّتى هى وجود مطلق مقوّمة لجميع الوجودات المقيّدة فهى وجود مطلق وارد على جميع الوجودات المقيّدة وهكذا سائر الوجوه المذكورة فى النّور، او خبر لمبتدءٍ محذوفٍ اى نور الرّبّ نورٌ على نورٍ بجميع الوجوه المذكورة فى النّور او خبر بعد خبر لله اى الله بحسب مظاهره نورٌ على نورٍ، او مبتدء خبرٍ محذوفٍ اى فى المشكوة نورٌ على نورٍ، او خبر بعد خبر للمصباح، او خبر بعد خبر للزّجاجة، او خبر بعد خبر لكأنّ، او صفة لمصباح، او لكوكب، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ اى الكوكب الدّرّى نورٌ على نورٍ او مبتدء وعلى نور خبره ومسوّغه الوصف المقدّر اى نور عظيم على نورٍ او مبتدء وخبره {يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ} وعائده تكرار المبتدأ اى نورٌ على نورٍ يهدى الله اليه {مَن يَشَآءُ}.
وجوه اعراب آية النّور
وبيان اعراب الآية بنحو الاجمال ان يقال: الله مبتدء ونور السّماوات خبره كما هو الظّاهر او بدل منه او صفته ومثل نوره كمشكوة جملة وخبر بعد خبر لله او خبر له او حال او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او معترضة وفيها مصباح صفة لمشكوة او مستأنفة او معترضة والمصباح فى زجاجةٍ صفة مصباح او صفة مشكوةٍ او حال من مشكوة والعائد على الاوّل تكرار الموصوف وعلى الاخيرين يكون مقدّراً اى المصباح فيها فى زجاجة، او مستأنفة او معترضة وفى زجاجة خبر المصباح او حال منه والزّجاجة كأنّها كوكب صفة زجاجةٍ او صفة مصباحٍ او صفة مشكوةٍ، او حال منهما والعائد مثل عائد جملة المصباح فى زجاجة او مستأنفة او معترضة وكأنّها كوكبٌ درّىٌّ خبر الزّجاجة او حال منها، ويوقد من شجرة مباركة صفة كوكب او حال منه او خبر بعد خبر لكأنّ، او خبر للزّجاجة او خبر بعد خبر لها، او حال من الزّجاجة، او من ضمير كأنّها، او صفة زجاجة او حال منه او خبر للمصباح او خبر بعد خبر له، او حال منه او من المستتر فى قوله {فِي زُجَاجَةٍ} او خبر بعد خبر لله او خبر له ابتداء او حال منه او من نور السّماوات او مستأنفة او معترضة وتوفيق التّأنيث والتّذكير لما يحمل عليه ويوصف به موكول الى تفطّن النّاظر الخبير، ويكاد زيتها يضيء صفة للشّجرة او حال منها أو مستأنفة او معترضة، ونورٌ على نورٍ قد مضى وجوه اعرابه {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} يعنى يوصل الى طريق المقصود او يذهب اليه بمن يشاء ويضرب الامثال للتّنبيه على طريق المقصود لجميع النّاس ليهتدى من يهتدى ويضلّ من يضلّ ويحيى من حىّ عن بيّنةٍ ويهلك من هلك عن بيّنةٍ {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} عطف على الله نور السّماوات او على جملة مثل نوره كمشكوة او على جملة يهدى الله لنوره من يشاء، او على جملة يضرب الله الامثال.