التفاسير

< >
عرض

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ
٧٦
وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ
٧٧
-القصص

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ} استيناف جواب لسؤالٍ ناش من سابقه من حيث تعريضه كأنه قيل: الا ينفعهم ايمانهم بمحمّد (ص) بعد انكارهم لعلىٍّ (ع)؟- فقال تعالى: بغيهم على علىٍّ(ع) ذهب بايمانهم وبما عملوا فى ايمانهم لانّ قارون كان من قوم موسى (ع) {فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ} ولم ينفعه كونه من قوم موسى (ع) وخسف به الارض ببغيه {وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ} جمع المفتح بالكسر بمعنى المفتاح او جمع المفتح كمخزن بمعنى الخزانة والكنز {لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ} ناء بالحمل نهض به مثقلاً وناء به الحمل اثقله والعصبة بالضّمّ من الرّجال والخيل والطّير ما بين العشرة الى الاربعين، وقيل: ما بين العشرة الى خمسة عشر، وقيل: اربعون رجلاً، وقيل: ما بين ثلاثة الى العشرة، وقيل: الجماعة المطلقة عن تعيين العدد {أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ} وهذا ايضاً تعريض بالامّة ومترفيها ومن يفرح بما آتاه الله ويتأنّف عن خلفائه (ع) يظنّ انّ النّعمة له باستحقاقه من دون ظنّ الاستدراج بها {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} متعلّق بقوله بغى عليهم او بأتيناه {لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} بانفاقها على مستحقّيها وفى سائر مصارف البرّ {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ} الاخروىّ {مِنَ ٱلدُّنْيَا} اى ممّا آتاك الله فى الدّنيا او من امتعة الدّنيا من الاموال والقوى والمدارك والصّحّة والفراغ والشّباب وغير ذلك بان تأخذ من جميع ذلك ما ينبغى ان يؤخذ للآخرة او المعنى لا تنس نصيبك الّذى انت محتاج اليه فى دنياك بان تنفق كلّ ما آتاك الله من الدّنيا فيكون على المعنى الاوّل تأكيداً لقوله: {وَٱبْتَغِ} (الآية) وعلى الثّانى يكون تأسيساً وامراً بالتّوسّط بين التّبذير والتّقتير {وَأَحْسِن} الى العباد او فى اعمالك او احسن النّعمة بالشّكر لها وصرفها فيما خلقت لها اوصر حسناً {كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} بتوفير نعمه {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} عن الصّادق (ع): فساد الظّاهر من فساد الباطن، ومن اصلح سريرته اصلح الله علانيته، ومن خان الله فى السّرّ هتك الله ستره فى العلانية، واعظم الفساد ان يرضى العبد بالغفلة عن الله تعالى، وهذا الفساد يتولّد من طول الامل والحرص والكبر كما أخبر الله تعالى فى قصّة قارون فى قوله: {وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِي ٱلأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} وكانت هذه الخصال من صنع قارون واعتقاده، واصلها من حبّ الدّنيا وجمعها ومتابعة النّفس وهواها، واقامة شهواتها وحبّ المحمدة وموافقة الشّيطان واتّباع خطواته، وكلّ ذلك مجتمع تحت الغفلة عن الله ونسيان منّته، والمقصود من نقل هذا الخبر تنبيه نفسى وجميع اخوانى، فانّا قلّما ننفكّ عن الغفلة الّتى هى اصل كلّ فسادٍ ومنبع كلّ شرٍّ، وفّقنا الله وجميع المؤمنين لذكره وعدم الغفلة عنه.