التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ
١٩٥
-آل عمران

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي} اى بانّى {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} فاعطيكم من الوقاية والمغفرة والتّكفير والتّوفية والايتاء بقدر استعدادكم بأعمالكم {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} جواب لسؤالٍ مقدّر كأنّه قيل: ان كان لا يضيع الله عمل عامل فما بال الرّجال يذكرون فى الدّنيا بالمدائح مثل الهجرة وغيرها دون النّساء؟ - فقال: {بعضكم من بعضٍ} فمديحة الرّجال مديحة للنّساء ايضاً او جواب لسؤال مذكور على ما روى انّ امّ سلمة قالت: يا رسول الله (ص) ما بال الرّجال يذكرون فى الهجر دون النّساء؟ - ومعنى كون {بعضهم من بعض} انّ بعضهم ناشئ من بعض بالتّوالد، الرّجال ناشؤون من النّساء، والنّساء من الرّجال، او بعضهم من سنخ بعضٍ، او من مادّة بعض، فلفظة (من) ابتدائيّة او تبعيضيّة، ولم يكتف تعالى شأنه بالجواب الاجمالىّ واتى بالتّفصيل فى الاجابة بطريق عطف التّفصيل على الاجمال فقال: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} من الاوطان الصّوريّة المانعة من اقامة العبادة واظهار الدّين الى مدينة الرّسول (ص) طلباً للدّين او للتمكّن من اظهار الدّين والعبادة، او الى بلد اىّ بلد كان يطلب فيه الدّين، او يتمكّن فيه من اظهار الدّين، او اقامة مراسمه، او هاجروا من دار الشّرك الباطنىّ الّتى هى النّفس الامّارة ثمّ اللوّامة لانّ المهاجر الحقيقىّ من هجر السيّئات الّتى اصلها النّفس الامّارة {وَأُخْرِجُواْ} الواو بمعنى او، او هو عطف فى معنى التّعليل {مِن دِيَارِهِمْ} الصّوريّة والمعنويّة وهو متنازع فيه لهاجروا واخرجوا {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} اى سبيل المدينة او سبيل الرّسول (ص)، او سبيل تحصيل الدّين، واضافه الى نفسه تشريفاً له، او المراد من السّبيل نفس الدّين او الرّسول (ص) او طريق القلب والولاية فانّها سبيل الله حقيقة {وَقَاتَلُواْ} بالجهاد الصّورىّ او بالجهاد المعنوىّ {وَقُتِلُواْ} من حياتهم الحيوانيّة باسياف الاعداء الظّاهرة او من انانيّاتهم {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} لازيلنّ عنهم انانيّاتهم ولوازم انانيّاتهم من السّيّئات القالبيّة {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} اى من تحت اشجارها او عماراتها او قطعها.
اعلم انّ اضافات الحقّ الاوّل تعالى ليست اعتباريّة بل اضافات حقيقيّة اشراقيّة يعبّر عنها بالانهار وكلّ مرتبة من العاليات محلّ لظهور اضافاته فيها وبروزها منها الى غيرها، وجهتها الّتى تلى الحقّ الواجب تعالى عالية ومحيطة بالجهة الّتى تلى الخلق، وبروز اضافاته تعالى الى الخلق من الجهة الّتى تلى الخلق فصحّ ان يقال: انّ الانهار الجارية الى الخلق جارية من تحت تلك المراتب الّتى هى الجنان بوجهٍ {ثَوَاباً} اى جزاء مفعول مطلق من غير لفظ الفعل او مفعول له او التّقدير ادخال ثواب او هو حال من الفاعل او المفعول اى حال كونهم مجزيّين {مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} عطف او حال فيه تحسين للثّواب الّذى من عند الله تشريفاً لهم؛ روى انّ الآية نزلت فى علىّ (ع) حين هاجر من مكّة ومعه الفواطم، فاطمة بنت اسدٍ وفاطمة بنت رسول الله (ص) وفاطمة بنت الزّبير وقد قارع الفرسان من قريش حين جاؤا من عقبه ليمنعوه فسار ظاهراً قاهراً حتّى نزل ضجنان فلزم بها يوماً وليلة ولحق به نفر من ضعفاء المؤمنين وفيهم امّ ايمن مولاة رسول الله (ص) وكان يصلّى ليلته تلك هو والفواطم ويذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم فلم يزالوا كذلك حتّى طلع الفجر فصلّى بهم صلاة الفجر ثمّ سار لوجهه فجعل هو وهنّ يصنعون ذلك منزلاً بعد منزل يعبدون الله عزّ وجلّ ويرغبون اليه كذلك حتّى قدم المدينة وقد نزل الوحى بما كان من شأنهم قبل قدومهم الّذين يذكرون الله الى قوله {من ذكر او انثى}؛ الذّكر علىّ (ع) والانثى الفواطم، وتلك الآيات بل جميع الآيات القرآنيّة ان كان نزولها خاصّاً فهى جارية فى كل من اتّصف بالصّفات المذكورة فيها.