التفاسير

< >
عرض

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٨٥
-آل عمران

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ} المذكور فيكون الّلام للعهد الذّكرىّ او غير دين الاسلام فيكون الّلام للعهد الذّهنىّ {دِيناً} ملّة او طريقاً الى آخرته {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ابتغاؤه وجهده {وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} حيث انفق بضاعته من القوى والمدارك وانفد عمره فى طلب ما لا ينفعه بل يضرّه.
تحقيق اصناف النّاس بحسب طلب الدّين والبقاء عليه والارتداد منه
اعلم انّه تعالى اشار فى هذه الآيات الى اقسام النّاس التسعة بالمنطوق والمفهوم لانّ الانسان امّا طالب لدين او غير طالب، والطّالب امّا يبتغى الاسلام ديناً فجهده مقبول وهو من الرّابحين وهو مفهوم مخالفة من يبتغ غير الاسلام ديناً وامّا يبتغى غير الاسلام ديناً وهو منطوقه، وغير الطّالب امّا داخل فى الاسلام او غير داخلٍ سواء كان داخلاً فى دين وملّة اخرى او كان واقفاً فى جهنّام الطّبع، وغير الدّاخل فى دين الاسلام كافر وهو امّا يموت على الاسلام حين ظهور الولاية عليه حال الاحتضار او على الكفر وقد اشار اليهما بمنطوق قوله {انّ الّذين كفروا وماتوا وهم كفّار} بمفهومه، والدّاخل فى الاسلام امّا يرتدّ عن ملّة الاسلام او يبقى عليها من غير ازدياد فيها، والمرتدّ الملىّ امّا يتوب او يبقى على ارتداده من غير ازدياد فيه ومن غير انجراره الى الارتداد الفطرىّ، وقد اشار الى هذه الثّلاثة بمنطوق قوله {كيف يهدى الله قوماً} الى قوله {الاّ الّذين تابوا} ومفهومه وقد اشار الى الباقى على الارتداد مع انجراره الى الارتداد الفطرىّ الّذى لا توبة له، والى الباقى على الاسلام مع ازدياده وانجراره الى الايمان بمراتبه بقوله تعالى: {انّ الّذين كفروا بعد ايمانهم} الى آخر الآية بمنطوقه ومفهومه.
واعلم ايضاً انّ الانسان له اتّصال بالارواح الطيّبة وابائه العلويّة بحسب الفطرة والخلقة وهذا الاتّصال يورث استعداده للارتقاء الى اوائل علله وهذا هو الحبل من الله المذكور فى الكتاب وهو الفطرة الّتى فطر الله النّاس عليها فان اتّصل مع ذلك بخلفاء الله بالبيعة العامّة او الخاصّة صار مسلماً او مؤمناً ويعبّر عن هذا الاتّصال والدّخول تحت الاحكام الالهيّة القالبيّة او القلبيّة بالاسلام والايمان والملّة والدّين، وهذا الاتّصال هو الحبل من النّاس المذكور فى الكتاب، والمتّصل بهذا الاتّصال ان ارتدّ عن هذا الاتّصال وقطع هذا الاتّصال بانكار الله او خلفائه او احكامه ولم يؤدّ ارتداده الى قطع الفطرة صار مرتدّاً ملّيّاً بمعنى انّه ارتدّ عن الملّة وقطع الحبل من النّاس لا عن الفطرة وهذا المرتدّ لبقاء الحبل من الله وعدم قطع الفطرة ان تاب يقبل توبته لبقاء استعداده للاتّصال ثانياً والارتقاء الى الارواح وهذا هو المرتدّ الملّىّ، وان ارتدّ وزاد فى ارتداده حتّى ينجرّ الى قطع الفطرة وابطالها وقطع الحبل من الله صار مرتدّاً فطريّاً لارتداده عن الاتّصال الفطرىّ، وهذا المرتدّ لبطلان فطرته واتّصاله الّذى كان سبب استعداده للاتّصال التّكليفىّ لا يقبل توبته ولذا قيل بالفارسيّة: "مردود شيخى را اكَر تمام مشايخ عالم جمع شوند وخواهند اصلاح نمايند نتوانند"، وما ورد فى الاخبار وأفتى الفقهاء رضوان الله عليهم به من الاشارة الى انّ المرتدّ الملّىّ من ولد على الكفر ونشأ عليه ثمّ دخل فى الاسلام ثمّ ارتدّ منه، والمرتدّ الفطرىّ من ولد على الاسلام ونشأ عليه ثمّ دخل فيه ثمّ ارتدّ منه، اشارة الى انّهما كاشفان من الارتدادين فانّ المتولّد على الاسلام والناشئ عليه الدّاخل فيه لكون اسلامه كالذاتيّات قلّما يخرج منه ما لم يقطع الفطرة، والمتولّد على الكفر النّاشئ عليه الدّاخل فى الاسلام لكون اسلامه مثل العرضيّات كثيراً ما يخرج من الاسلام من غير ابطال الفطرة وحينئذٍ لا حاجة لنا الى تكلّف قبول توبة المرتدّ الفطرىّ باطناً وعدم قبوله ظاهراً؛ اذا عرفت ذلك فقوله {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ}.