التفاسير

< >
عرض

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
٢١
-الروم

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ} يعنى من جنسكم {أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ} لتميلوا {إِلَيْهَا} فتسكنوا عن الحركة عنها فانّ الازواج لو لم يكن من جنسكم لكنتم نافرين عنهنّ بعد قضاء حاجاتكم {وَجَعَلَ بَيْنَكُم} ايّها الازواج او ايّها الاناسىّ {مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} محبّة وتعطّفاً ورقّة حتّى يكون تلك المحبّة سبباً لاجتماعكم وبقاء اجتماعكم وتلك الرّقّة سبباً لحراسة بعضكم بعضاً وللاهتمام بخيره واصلاحه {إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور من خلق الازواج من انفسكم وجعل المودّة والرّحمة بينكم او فى جعل المودّة والرّحمة بينكم او فى اخراج الحىّ من الميّت (الى آخر الآية) {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
مراتب التّحقيق فى العلم
اعلم، انّ الانسان بحسب افراده ذو عرضٍ عريضٍ وذو مراتب كثيرةٍ وهكذا بحسب حالات كلّ فردٍ ذو عرض عريض؛ فمنهم من يكون غافلاً عن الله وآياته ولا كلام معهم ولا خطاب ولا آية لهم ولا دلالة
{ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } [يوسف:105]، ومنهم من يتنبّه بانّ الدّنيا مقدّمة الآخرة وان ليس المقصود من الانسان ان يتعيّش فى الدّنيا كتعيّش الحيوان فيتفكّر فى كيفيّة خلقته وخلقة سائر المواليد فيتنبّه من خلقتها بانّ لها مبدءً قديراً عليماً حكيماً، ومنهم من يستعدّ بهذا التّفكّر لافاضة الحقّ الاوّل تعالى عليه نور العلم، فيفيض عليه نور العلم فانّ العلم نورٌ يقذفه الله فى قلب من يشاء فيصير صاحب اولى مراتب العلم الّتى هى تكون سبباً للتّحيّر والانصات، فانّ اولى مراتب العلم مفسّرة بالانصات كما عن النّبىّ (ص) والتّحيّر يصير سبباً لطلب من يعلّمه طريق الوصول الى دار العلم ومعدن النّور، ومنهم من يصل الى عالم وقته بعد طلبه وينقاد له ويستمع منه وهذه المرتبة ثانية مراتب العلم كما فى الخبر المأثور عن الرّسول (ص)، ومنهم من يخرج من مقام الاستماع الّذى هو مقام التّقليد والعلم التّقليدىّ فيجد ذوق معلوماته او يشاهد معلوماته او يتحقّق بمعلوماته وهذه المراتب هى مراتب التّحقيق فى العلم اذا علمت ذلك فاعلم، انّ الآيات من قوله {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} (الى قوله) {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} منزّلة على مراتب افراد الانسان، وكلّما كان منزّلاً على مراتب الانسان بحسب افراده كان منزّلاً على مراتبه بحسب احوال شخصٍ واحدٍ، وكلّما كان منزّلاً على مرتبةٍ دانيةٍ كان لصاحب المرتبة العالية ايضاً لسعته واحاطته؛ بخلاف ما كان لصاحب المرتبة العالية فانّه خاصّ به وليس لصاحب المرتبة الدّانية نصيبٌ منه، فقوله: {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} (الى قوله) {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} لصاحب التّنبّه والتّفكّر يعنى ليس له غيره، لا انّ صاحب العلم لا يدرك تلك الآيات ولا يلتذّ بها.