التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً
٢٩
-النساء

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

تحقيق تعميم الاكل والبطلان
{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تأديب فى الاموال والانفس.
اعلم انّ الالفاظ كما سبق موضوعة للحقائق باعتبار عناوينها المرسلة من غير اعتبار خصوصيّة من خصوصيّات المصاديق فيها كلّيّة كانت ام جزئيّة، فانّ لفظة زيد مثلاً موضوعة للذّات المخصوصة من غير اعتبار حالة وخصوصيّة من حالاتها وخصوصيّاتها، فانّه فى حال الصّبا زيدٌ وفى حال الشّيخوخة ايضاً زيدٌ وكذا بحسب تجسّمه وتجرّده فانّه فى حال كونه مع المادّة زيدٌ وفى حال كونه فارغاً من المادّة زيدٌ متقدّراً زيدٌ ومجرّداً عن التقدّر زيدٌ، فلا شيء من خصوصيّات الاحوال ولا من خصوصيّات النّشئات معتبراً فى وضعه ولا فى اطلاقه، واستغراب من لا يتجاوز ادراكه عن عوالم الحسّ وحصرهم المفاهيم على المصاديق الحسيّة حجّة لهم لا لنا، فانّهم بحسب نشأتهم لا يدركون مصاديق سائر النّشئات فلا يمكنهم تعميم المفاهيم وفى الاخبار نصوص واشارات الى ما ذكرنا، بصّرنا الله تعالى بها. فالاكل غير معتبر فيه خصوصيّات الاكل الحيوانىّ من ادخال شيء فى الفم الحسّىّ ومضغه بالاسنان وبلعه وادخاله فى البطن ولا خصوصيّات الاكل ولا خصوصيّات المأكول ولا خصوصيّات شيء من النّشئات فهو اسم لفعل ما به قوام الفاعل وقوّته وازدياده باىّ نحوٍ كان وفى اىّ نشأة وقع فلعب الاطفال أكل لهم بحسب اكل هو الخيال الحيوانىّ اللّعبى، وتجارة التجّار وزراعة الزرّاع ونكاح النّكّاح أكل لهم بحسب قوّة من قواهم بل فعل كلّ فاعل فى اىّ نشأة كان أكل له، والمال اسم للمملوك فكلّما كان الملك فيه اقوى كان بصدق اسم المال اولى، فالاعراض الدّنيويّة الّتى لا حيثية مملوكيّة لها الاّ ما اعتبره الشّارع او ما اعتبره العرف حيث يعدّون ما تحت يد الرّجل ماله ومملوكه مال والقوى النّفسانيّة الّتى تحت تصرّف النّفس ولا حيثيّة لها الا حيثيّة المملوكية للنّفس اولى بصدق المال، وكذا العلوم والصّنائع الّتى صارت ملكة او غير ملكة لكن كانت ثابتة فى خزانة العقل مال، والخطاب فى بينكم لجماعة الّذكور سواء كانوا فى العالم الكبير او فى العالم الصّغير الانسانىّ فى نشأة الطّبع او فى غيرها والنّساء مرادة ايضاً تغليباً، والباطل يقال لفعل لا غاية له او لا غاية عقلانيّة او عرفيّة له، ولفعل لم يصل الى غايته، ولسنّة وطريقة لم تبتن على اساسٍ مستحكم، ولسنّة لم تبتن على اساس آلهىّ، ويقال لما لا حقيقة له اصلاً كالاعدام، ولما لا حقيقة له فى نفس الامر كالسّراب، ولما لا تحقّق له بالذّات بل بالعرض كالماهيّات، ولما لا تحقّق له بنفسه بل بالعلّة كالوجودات الامكانيّة، ولما اختفى تحقّقه بحيث يكون الغالب عليه الاعدام كالملكوت السّفلى فانّها باطلة لغلبة الاعدام عليها وان كان يصدق عليها ايضاً بسائر معانيه، فالآية الشّريفة بحسب مصاديقها لها وجوه عديدة بعضها فوق بعضٍ: فاوّل مصاديقها ما هو اقرب الى فهم العوام من الاكل المعروف بالمضغ والبلع ومعناها لا تأكلوا بالمضغ اعراضكم الدّنيويّة بينكم بالطّريق الباطل الّذى لم يسنّه الشّارع ولم يبحه، او بالمبدء الباطل الّذى هو النّفس والشّيطان فانّ الحاكم والمحرّك للفعل امّا النّفس والشّيطان او العقل والرّحمن وقد علمت انّ الشّيطان باطل لغلبة الاعدام عليه، وثانيها لا تصرفوا اموالكم الدّنيويّة بينكم بالباطل بمعنييه وهو ايضاً قريبٌ من فهم العامّة، وثالثها لا تفعلوا افعالكم بينكم بالباطل بمعنييه، ورابعها لا تفعلوا افعالكم التّكليفيّة القالبيّة النّبويّة بالمبدء الباطل او بالغرض الباطل، وخامسها لا تفعلوا افعالكم التّكليفيّة القلبيّة الولويّة بينكم بالباطل بمعنييه، وسادسها لا تصرفوا قواكم بينكم بالباطل، وسابعها لا تصرفوا ولا تأخذوا علومكم، وثامنها لا تصرفوا مدد حياتكم ومادّة حيوتكم، وتاسعها لا تأخذوا مشاهداتكم ومشهوداتكم {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} بما سبق يمكن التّعميم {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} امّا مربوط بالمعطوف عليه لانّ صرف الاموال من غير معيارٍ مورث لقتل الانفس والنّهى عنه كالعلّة للنّهى عنه او حكم مستقلّ وتعميمه لا يخفى {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} علّة لنهيه تعالى عن صرف الاموال بالباطل وقتل الانفس فانّ رحمته داعية الى هذا النّهى كسائر التّكاليف.