التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
١٢٢
-التوبة

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} جميعاً عطف على ما كان لاهل المدينة واستدراك لما يتوهّم من الآية السّابقة من لزوم ملازمة النّبىّ (ص) لجميع المؤمنين وعدم جواز التّخلّف عنه فى حالٍ من الاحوال، مع امتناعه عادةً لاختلال معيشتهم وعدم كفاية ما فى يد النّبىّ (ص) بحاجتهم وضيق محلّه عن سكناهم، وكون الآية استداركاً مبتنٍ على تلازم العلم والعمل وانّ الغاية من جميع الاعمال حصول العلم، وحينئذٍ فوضع المؤمنين موضع ضمير اهل المدينة للاشارة الى انّ ملازمة خدمة النّبىّ (ص) واجبة لاهل الشّرق والغرب ما لم يحصّلوا الاسلام فاذا حصّلوا الاسلام فليس عليهم الاّ خروج طائفة مستعدّة لتلك الملازمة حتّى يستكملوا بالعلم والعمل ويستحقّوا الاذن فى ارشاد قومهم، وامّا اذا جعل الآية الاولى فى الجهاد والثّانية فى تحصيل العلم فهى عطف من دون اعتبار استدراكٍ {فَلَوْلاَ نَفَرَ} الى الجهاد او الى خدمة النّبىّ (ص) او مشايخه لتحصيل العلم {مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} مستعدّون لاستكمال القوّتين العلميّة والعمليّة {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} ليطلبوا الفقاهة او ليكمّلوها {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} بعد استكمالهم فى القوّتين واذنهم فى الارشاد وتعليم العباد. اعلم، انّ الفقه كما مرّ علم دينىّ يتوسّل به الى علم آخر والمقصود العلوم العقليّة الانسانيّة فانّ العلم الدّينىّ هو العلم الانسانىّ العقلىّ عقليّاً كان او خياليّاً، لانّ الانسان بانسانيّته طريق الى الآخرة وواقع فى الطّريق وسائر عليه، وحيث انّه بانسانيّته سالك على الطّريق يكون علمه فى الاشتداد والازدياد دون العلم الخيالىّ الّذى يحصل بتصرّف الواهمة دون العقل سواء سمّى عقليّاً او خياليّاً، فانّه علم نفسىّ حيوانىّ موصل الى الملكوت السّفلى صادٌّ على طريق الآخرة وان كان صورته صورة علم الآخرة، فالفقه كما فى الصّحيحة النّبويّة امّا علم بالاحكام القالبيّة المسمّاة بالسّنّة القائمة ولا طريق اليها الاّ الوحى الآلهىّ لخفاء ارتباطها الى عالم الآخرة وخفاء كيفيّة ايصالها اليه، واختلافها باختلاف درجات المكلّفين بها فهى لا تحصل الاّ بالاخذ والتّقليد من نبىٍّ او ممّن اخذها منه، وامّا علم بالنّفس واخلاقها واحوالها وهى الفريضة العادلة، وامّا علم بالعقائد الحقّة الدّينيّة وهى الآيات المحكمات لكون كلّ منها آية وعلامة من الحقّ تعالى ومبدئيّته ومرجعيّته؛ هذا اذا جعل العقل ذلك وسيلة الى مقاصده الاخرويّة، وامّا اذا جعله الوهم وسيلة الى آماله الدّنيويّة ومآربه الحيوانيّة فلم يكن فقهاً ولا علماً واشباه النّاس سمّوه فقهاً وعلماً، والمراد بالتّفقّه كمال الفقاهة سواء جعل الهيئة للمبالغة او غيرها لانّه تعالى غيّاه بالانذار والمراد بالانذار ما يكون مؤثّراً فى المنذر، ولا يكون الانذار مؤثّراً فى المنذر الاّ اذا كان المنذر كاملاً فى قوتيه العلميّة والعمليّة، والاّ فلفظ الانذار كثيراً ما يجرى على لسان غير المتفقّه كانذار خلفاء الجور وعلماءهم وقصّاصهم ووعّاظهم، الّذين كانوا يأمرون ولا يأتمرون وينهون ولا ينتهون ويعظون ولا يتّعظون ولم يحصل من ذلك الاّ وبال اتمام الحجّة عليهم لا تأثّر المخاطبين، ولخفاء كمال النّفس فى هاتين القوّتين على المتفقّه وعلى غيره كانوا يحتاجون فى الانذار والامر والنّهى الى الاذن والاجازة من الامام او نائبه وكانت سلسلة الاجازة منضبطة فى سلسلة العلماء الظّاهرة والباطنة {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} موبقات انفسهم وقد ورد فى تفسير قول النّبىّ (ص): "اختلاف امّتى رحمة" ؛ انّه اختلافهم من البلدان اليه (ص) او الى خلفائه (ع) للتّفقّه لا اختلافهم فى الدّين حتّى يكون اجتماعهم عذاباً، ويمكن تصحيح ظاهره بان يكون المراد اختلافهم فى كيفيّة التّكليف حيث انّ كّلا مكلّف على قدر مرتبته كما قيل: حسنات الابرار سيّئات المقرّبين، وقد ورد فى تعميم الآية انّه يجرى فى النّفر بعد وفاة الامام (ع) لتعيين الامام الّذى يكون بعده ودرك خدمته وتجديد التّوبة والبيعة معه، وقد فسّرت ايضاً هكذا، فلولا نفر من كلّ فرقة طائفة للجهاد واقام طائفة ليتفقّه المقيمون.