التفاسير

< >
عرض

أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ
١
حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ
٢
كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣
ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ
٤
كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ
٥
لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ
٦
ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ
٧
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ
٨
-التكاثر

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
توبيخ شديد للناس على تلهيهم بالتكاثر في الأموال والأولاد والأعضاء وغفلتهم عما وراءه من تبعة الخسران والعذاب، وتهديد بأنهم سوف يعلمون ويرون ذلك ويسألون عن هذه النعم التي أوتوها ليشكروا فتلهوا بها وبدّلوا نعمة الله كفراً.
والسورة بما لها من السياق تحتمل المكية والمدنية، وسيأتي ما ورد في سبب نزولها في البحث الروائي إن شاء الله.
قوله تعالى: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} قال في المفردات: اللهو ما يشغل الإِنسان عما يعنيه ويهمه. قال، ويقال: ألهاه كذا أي شغله عما هو أهم إليه، قال تعالى: {ألهاكم التكاثر}، انتهى.
وقال: والمكاثرة والتكاثر التباري في كثرة المال والعز، انتهى. وقال: المقبرة بكسر الميم - والمقبرة - بفتحها - موضع القبور وجمعها مقابر، قال تعالى: {حتى زرتم المقابر} كناية عن الموت؛ انتهى.
فالمعنى على ما يعطيه السياق شغلكم التكاثر في متاع الدنيا وزينتها والتسابق في تكثير العدة والعدة عما يهمكم وهو ذكر الله حتى لقيتم الموت فعمَّتكم الغفلة مدى حياتكم.
وقيل: المعنى شغلكم التباهي والتباري بكثرة الرجال بأن يقول هؤلاء: نحن أكثر رجالاً، وهؤلاء: نحن أكثر حتى إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى القبور فعددتم الأموات من رجالكم فتكاثرتم بأمواتكم.
وهذا المعنى مبني على ما ورد في أسباب النزول أن قبيلتين من الأنصار تفاخرتا بالأحياء ثم بالأموات، وفي بعضها أن ذلك كان بمكة بين بني عبد مناف وبني سهم فنزلت السورة، وستأتي القصة في البحث الروائي.
قوله تعالى: {كلا سوف تعلمون} ردع عن اشتغالهم بما لا يهمهم عما يعنيهم وتخطئة لهم، وقوله: {سوف تعلمون} تهديد معناه على ما يفيده المقام سوف تعلمون تبعة تلهيكم هذا وتعرفونها إذا انقطعتم عن الحياة الدنيا.
قوله تعالى: {ثم كلا سوف تعلمون} تأكيد للردع والتهديد السابقين، وقيل: المراد بالأول علمهم بها عند الموت وبالثاني علمهم بها عند البعث.
قوله تعالى: {كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم} ردع بعد ردع تأكيداً واليقين العلم الذي لا يداخله شك وريب.
وقوله: {لو تعلمون علم اليقين} جواب لو محذوف والتقدير لو تعلمون الأمر علم اليقين لشغلكم ما تعلمون عن التباهي والتفاخر بالكثرة، وقوله: {لترون الجحيم} استئناف في الكلام، واللام للقسم، والمعنى اقسم لترون الجحيم التي جزاء هذا التلهي كذا فسروا.
قالوا: ولا يجوز أن يكون قوله: {لترون الجحيم} جواب لو الامتناعية لأن الرؤية محققة الوقوع وجوابها لا يكون كذلك.
وهذا مبني على أن يكون المراد رؤية الجحيم يوم القيامة كما قال:
{ وبرزت الجحيم لمن يرى } [النازعات: 36] وهو غير مسلم بل الظاهر أن المراد رؤيتها قبل يوم القيامة رؤية البصيرة وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين على ما يشير إليه، قوله تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، وقد تقدم الكلام فيها، وهذه الرؤية القلبية قبل يوم القيامة غير محققة لهؤلاء المتلهين بل ممتنعة في حقهم لامتناع اليقين عليهم.
قوله تعالى: {ثم لترونَّها عين اليقين} المراد بعين اليقين نفسه، والمعنى لترونها محض اليقين، وهذه بمشاهدتها يوم القيامة، ومن الدليل عليه قوله بعد ذلك {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} فالمراد بالرؤية الأولى رؤيتها قبل يوم القيامة وبالثانية رؤيتها يوم القيامة.
وقيل: الاولى قبل الدخول فيها يوم القيامة والثانية إذ دخلوها.
وقيل: الأولى بالمعرفة والثانية بالمشاهدة، وقيل: المراد الرؤية بعد الرؤية إشارة إلى الاستمرار والخلود، وقيل غير ذلك وهي وجوه ضعيفة.
قوله تعالى: {ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم} ظاهر السياق أن هذا الخطاب وكذلك الخطابات المتقدمة في السورة للناس بما أن فيهم من اشتغل بنعمة ربه عن ربه فأنساه التكاثر فيها عن ذكر الله، وما في السورة من التوبيخ والتهديد متوجه إلى عامة الناس ظاهراً واقع على طائفة خاصة منهم حقيقة وهم الذين ألهاهم التكاثر.
وكذا ظاهر السياق أن المراد بالنعيم مطلقه وهو كل ما يصدق عليه أنه نعمة فالإِنسان مسؤول عن كل نعمة أنعم الله بها عليه.
وذلك أن النعمة - وهي الأمر الذي يلائم المنعم عليه ويتضمن له نوعاً من الخير والنفع - إنما تكون نعمة بالنسبة إلى المنعم عليه إذا استعملها بحيث يسعد بها فينتفع وأما لو استعملها على خلاف ذلك كانت نقمة بالنسبة إليه وإن كانت نعمة بالنظر إلى نفسها.
وقد خلق الله تعالى الإِنسان وجعل غاية خلقته التي هي سعادته ومنتهى كماله التقرب العبودي إليه كما قال:
{ وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56] وهي الولاية الإِلهية لعبده، وقد هيأ الله سبحانه له كل ما يسعد وينتفع به في سلوكه نحو الغاية التي خلق لها وهي النعم فأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.
فاستعمال هذه النعم على نحو يرتضيه الله وينتهي بالإِنسان إلى غايته المطلوبة هو الطريق إلى بلوغ الغاية وهو الطاعة، واستعمالها بالجمود عليها ونسيان ما وراءها غيّ وضلال وانقطاع عن الغاية وهو المعصية، وقد قضى سبحانه قضاء لا يردُّ ولا يبدل أن يرجع الإِنسان إليه فيسأله عن عمله فيحاسبه ويجزيه، وعمله هو استعماله للنعم الإِلهية قال تعالى:
{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى } [النجم: 39-42]، فالسؤال عن عمل العبد سؤال عن النعيم كيف استعمله أشكر النعمة أم كفر بها.
(بحث روائي)
في المجمع، قيل: نزلت في اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً عن قتادة.
وقيل: نزلت في فخذ من الأنصار تفاخروا عن أبي بريدة، وقيل: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف بن قصيَّ وبني سهم بن عمر وتكاثروا وعدُّوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف. ثم قالوا: نعدُّ موتانا حتى زاروا القبور فعدُّوهم وقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم لأنهم كانوا أكثر عدداً في الجاهلية. عن مقاتل والكلبي.
وفي تفسير البرهان عن البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {لو تعلمون علم اليقين} قال: المعاينة.
أقول: الرواية تؤيد ما قدمناه من المعنى.
وفي تفسير القمي باسناده عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: {لتسألن يومئذ عن النعيم} قال: تسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته.
وفي الكافي بإسناده عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فدعا بالغذاء فأكلت معه طعاماً ما أكلت طعاماً أطيب منه قط ولا ألطف فلما فرغنا من الطعام قال: يا أبا خالد كيف رأيت طعامك؟ أو قال: طعامنا؟ قلت: جعلت فداك ما أكلت طعاماً أطيب منه قط ولا أنظف ولكن ذكرت الآية التي في كتاب الله عزَّ وجل: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما يسألكم عما أنتم عليه من الحق.
وفيه بإسناده عن أبي حمزة قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة فدعا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيباً وأتينا بتمر تنظر فيه أوجهنا من صفائه وحسنه فقال رجل: لتسألن عن هذا النعيم الذي تنعمتم به عند ابن رسول الله فقال أبو عبد الله عليه السلام إن الله عز وجل أكرم وأجل أن يطعم طعاماً فيسوغكموه ثم نسألكم عنه إنما يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أقول: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بطرق أخرى وعبارات مختلفة وفي بعضها أن النعيم ولايتنا أهل البيت، ويؤول المعنى إلى ما قدمناه من عموم النعيم لكل نعمة أنعم الله بها بما أنها نعمة.
بيان ذلك أن هذه النعم لو سئل عن شيء منها فليست يسأل عنها بما أنها لحم أو خبز أو تمر أو ماء بارد أو أنها سمع أو بصر أو يد أو رجل مثلاً وإنما يسأل عنها بما أنها نعمة خلقها الله للانسان وأوقعها في طريق كماله والحصول على التقرب العبودي كما تقدمت الإِشارة إليه وندبه إلى أن يستعملها شكراً لا كفراً.
فالمسؤول عنها هي النعمة بما أنها نعمة، ومن المعلوم أن الدال على نعيميّة النعيم وكيفية استعماله شكراً والمبين لذلك كله هو الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونصب لبيانه الأئمة من أهل بيته فالسؤال عن النعيم مرجعه السؤال عن العمل بالدين في كل حركة وسكون ومن المعلوم أيضاً أن السؤال عن النعيم الذي هو الدين سؤال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده الذين افترض الله طاعتهم وأوجب اتباعهم في السلوك إلى الله الذي طريقه استعمال النعم كما بينه الرسول والأئمة.
وإلى كون السؤال عن النعيم سؤالاً عن الدين يشير ما في رواية أبي خالد من قوله: "إنما يسألكم عما أنتم عليه من الحق".
وإلى كونه سؤالاً عن النعيم الذي هو النبي وأهل بيته يشير ما في روايتي جميل وأبي حمزة السابقتين من قوله: "يسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته" أو ما في معناه، وفي بعض الروايات: "النعيم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنعم الله به على أهل العالم فاستنقذهم من الضلالة"، وفي بعضها أن النعيم ولايتنا أهل البيت، والمآل واحد ومن ولاية أهل البيت افتراض طاعتهم واتباعهم فيما يسلكونه من طريق العبودية.
وفي المجمع، وقيل: النعيم الصحة والفراغ عن عكرمة، ويعضده ما رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"
]. وفيه، وقيل: هو يعني النعيم الأمن والصحة عن عبد الله بن مسعود ومجاهد، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.
أقول: وفي روايات أخرى من طرق أهل السنة أن النعيم هو التمر والماء البارد وفي بعضها غيرهما، وينبغي أن يحمل الجميع على إيراد المثال.
وفي الحديث النبوي من طرقهم أيضاً، ثلاث لا يسأل عنها العبد: خرقة يواري بها عورته أو كسرة يسدُّ بها جوعته أو بيت يكنه من الحر والبرد. الحديث، وينبغي أن يحمل على خفة الحساب في الضروريات ونفي المناقشة فيه والله أعلم.