التفاسير

< >
عرض

وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ
١٢٠
وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ
١٢١
وَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ
١٢٢
وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٢٣
-هود

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات تلخص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم القول في غرض السورة المسرودة له آياتها، وتنبئه أن السورة تبين له حق القول في المبدأ والمعاد وسنة الله الجارية في عباده فهى بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعليم للحق، وبالنسبة إلى المؤمنين موعظة وذكرى، وبالنسبة إلى الكافرين المستنكفين عن الإِيمان قطع خصام، فقل لهم آخر ما تحاجهم: اعملوا بما ترون ونحن عاملون بما نراه، وننتظر جميعاً صدق ما قص الله علينا من سنته الجارية في خلقه من إسعاد المصلحين وإشقاء المفسدين، وتختم بأمره صلى الله عليه وآله وسلم بعبادته والتوكل عليه لأن الأمر كله إليه.
قوله تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} إلى آخر الآية أي وكل القصص نقص عليك تفصيلاً أو إجمالاً، وقوله: {من أنباء الرسل} بيان لما أُضيف إليه كل، وقوله: {ما نثبت به فؤادك} عطف بيان للأنباء أشير به إلى فائدة القصص بالنسبة إليه صلى الله عليه وآله وسلم وهو تثبيت فؤاده وحسم مادة القلق والاضطراب منه.
والمعنى نقص عليك أنباء الرسل لنثبت به فؤادك ونربط جأشك في ما أنت عليه من سلوك سبيل الدعوة إلى الحق، والنهضة على قطع منابت الفساد، والمحنة من أذى قومك.
ثم ذكر تعالى من فائدة السورة ما يعمه صلى الله عليه وآله وسلم وقومه مؤمنين وكافرين فقال فيما يرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فائدة نزول السورة: وجاءك في هذه الحق والإِشارة إلى السورة أو إلى الآيات النازلة فيها أو الأنباء على وجه، ومجيء الحق فيها هو ما بين الله تعالى في ضمن القصص وقبلها وبعدها من حقائق المعارف في المبدأ والمعاد وسنته تعالى الجارية في خلقه بإرسال الرسل ونشر الدعوة ثم إسعاد المؤمنين في الدنيا بالنجاة، وفي الآخرة بالجنة، وإشقاء الظالمين بالأخذ في الدنيا والعذاب الخالد في الآخرة.
وقال فيما يرجع إلى المؤمنين: {وموعظة وذكرى للمؤمنين} فإن فيما ذكر فيها من حقائق المعارف تذكرة للمؤمنين يذكرون بها ما نسبوه من علوم الفطرة في المبدأ، والمعاد وما يرتبط بهما، وفيما ذكر فيها من القصص والعبر موعظة يتعظون بها.
قوله تعالى: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون} وهذا فيما يرجع إلى غير المؤمنين يأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يختم الحجاج معهم ويقطع خصامهم بعد ما تلا القصص عليهم بهذه الجمل فيقول لهم: أما إذا لم تؤمنوا ولم تنقطعوا عن الشرك والفساد بما ألقيت إليكم من التذكرة والعبر ولم تصدقوا بما قصه الله من أنباء الأُمم وأخبر به من سنته الجارية فيهم فاعملوا على ما أنتم عليه من المكانة والمنزلة، وبما تحسبونه خيراً لكم إنا عاملون، وانتظروا ما سيستقبلكم من عاقبة عملكم إنا منتظرون فسوف تعرفون صدق النبأ الإلهى وكذبه.
وهذا قطع للخصام ونوع تهديد أورده الله في القصص الماضية قصة نوح وهود وصالح عليهم السلام، وفي قصة شعيب عليه السلام حاكياً عنه:
{ ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب } } [هود: 93]. قوله تعالى: {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله} لما كان أمره تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم بالعمل بما تهوى أنفسهم والانتظار، وإخبارهم بأنه ومن آمن معه عاملون ومنتظرون، في معنى أمره ومن تبعه بالعمل والانتظار عقبه بهاتين الجملتين ليكون على طيب من النفس وثبات من القلب من أن الدائرة ستكون له عليهم.
والمعنى فاعمل وانتظر أنت ومن تبعك فغيب السماوات والأرض الذي يتضمن عاقبة أمرك وأمرهم انما يملكه ربك الذي هو الله سبحانه دون آلهتهم التي يشركون بها ودون الأسباب التي يتوكلون عليها حتى يديروا الدائرة لأنفسهم ويحولوا العاقبة إلى ما ينفعهم، وإلى ربك الذي هو الله يرجع الأمر كله فيظهر من غيبه عاقبة الأمر على ما شاءه وأخبر به، فالدائرة لك عليهم، وهذا من عجيب البيان.
ومن هنا يظهر وجه تبديل قوله: {ربك} المكرر في هذه الآيات بلفظ الجلالة {الله} لأن فيه من الإشعار بالإِحاطة بكل ما دق وجل ما ليس في غيره، والمقام يقتضى الاعتماد والالتجاء إلى ملجأ لا يقهره قاهر ولا يغلب عليه غالب، وهو الله سبحانه ولذلك ترى أنه يعود بعد انقضاء هذه الجمل إلى ما كان يكرره من صفة الرب، وهو قوله: {وما ربك بغافل عما تعملون}.
قوله تعالى: {فاعبده وتوكل عليه} الظاهر أنه تفريع لقوله: {وإليه يرجع الأمر كله} أي إذا كان الأمر كله مرجوعاً إليه تعالى فلا يملك غيره شيئاً ولا يستقل بشيء فاعبده سبحانه واتخذه وكيلاً في جميع الأمور ولا تتوكل على شيء من الأسباب دونه لأنها أسباب بتسبيبه غير مستقلة دونه، فمن الجهل الاعتماد على شيء منها. {وما ربك بغافل عما تعملون} فلا يجوز التساهل في عبادته والتوكل عليه.