التفاسير

< >
عرض

وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ
٥
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٦
-الرعد

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
عطف على بعض ما كان يتفوه به المشركون في الرد على الدعوة والرسالة كقولهم: أنى يمكن بعث الإِنسان بعد موته وصيرورته تراباً؟ وقولهم: لولا أُنزل علينا العذاب الذي ينذرنا به ومتى هذا الوعد إن كنت من الصادقين؟ والجواب عن ذلك بما يناسب المقام.
قوله تعالى: {وإن تعجب فعجب قولهم ءإذا كنا تراباً إنا لفي خلق جديد} إلى آخر الآية قال في المجمع: العجب والتعجب هجوم ما لا يعرف سببه على النفس والغل طوق تشد به اليد إلى العنق انتهى.
أشار تعالى في مفتتح كلامه إلى حقيقة ما أنزله إلى نبيه من معارف الدين في كتابه ملوحاً إلى أن آيات التكوين تهدي إليه وتدل عليه وأُصولها التوحيد والرسالة والبعث ثم فصل القول في دلالة الآيات التكوينية على ذلك واستنتج من حجج ثلاث ذكرها توحيد الربوبية والبعث بالتصريح، ويستلزم ذلك حقيقة الرسالة والكتاب المنزل الذي هو آيتها، فلما اتضح ذلك واستنار تمهدت الطريق لذكر شبه الكفار فيما يرجع إلى الأصول الثلاثة فأشار في هذه الآية إلى شبهتهم في البعث وسيتعرض لشبههم وأقاويلهم في الرسالة والتوحيد في الآيات التالية.
وشبهتهم في ذلك قولهم: {ءإذا كنا تراباً ءإنا لفي خلق جديد} أورده بعنوان أنه عجب أحرى به أن يتعجب منه لظهور بطلانه وفساده ظهوراً لا مسوغ لإِنسان سليم العقل أن يرتاب فيه فلو تفوه به إنسان لكان من موارد العجب فقال: {وأن تعجب فعجب قولهم} الخ.
ومعنى الجملة على ما يرشد إليه حذف متعلق {تعجب} إن تحقق منك تعجب - ولا محالة يتحقق لأن الإِنسان لا يخلو منه - فقولهم هذا عجيب يجب أن يتعلق به تعجبك، فالتركيب كناية عن وجوب التعجب من قولهم هذا لكونه قولاً ظاهر البطلان لا يميل إليه ذو لب وحجى.
وقولهم: {ءإذا كنا تراباً ءإنا لفي خلق جديد} مرادهم من التراب بقرينة السياق ما يصير إليه بدن الإِنسان بعد الموت من صورة التراب وينعدم عند ذلك الإِنسان الذي هو الهيكل اللحميى الخاص المركب من أعضاء خاصة المجهز بقوى مادية على زعمهم وكيف يشمل الخلقة أمراً منعدماً من أصله فيعود مخلوقاً جديداً؟.
ولشبهتهم هذه جهات مختلفة أجاب الله سبحانه في كلامه عن كل واحدة منها بما يناسبها ويحسم مادتها:
فمنها: استبعاد أن يستحيل التراب إنساناً سوياً، وقد أُجيب عنه بأن إمكان استحالة المواد الأرضية منياً ثم المنى علقة ثم العلقة مضغة ثم المضغة بدن إنسان سوي ووقوع ذلك بعد إمكانه لا يدع ريباً في جواز صيرورة التراب ثانياً إنساناً سوياً قال تعالى:
{ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة } } [الحج: 5]. ومنها: استبعاد إيجاد الشيء بعد عدمه. وأُجيب بأنه مثل الخلق الأول فليجز كما جاز قال تعالى: { وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } } [يس: 78ـ79]. ومنها: إن الإِنسان تنتفى ذاته بالموت فلا ذات حتى تتلبس بالخلق الجديد ولا إنسان بعد الموت والفوت إلا في تصور المتصور دون الخارج بنحو.
وقد أُجيب في كلامه تعالى عنه ببيان أن الإِنسان ليس هو البدن المركب من عدة أعضاء مادية حتى ينعدم من أصله ببطلان التركيب وانحلاله بل حقيقته روح علوية - وإن شئت قلت: نفس - متعلق بهذا المركب المادى تستعمله في أغراضه ومقاصده وبها حياة البدن يبقى بها الإِنسان محفوظ الشخصية وإن تغير بدنه وتبدل بمرور السنين ومضى العمر ثم الموت هو أن يأخذها الله من البدن وتقطع علقتها به ثم البعث هو أن يجدد الله خلق البدن وتعليقها به وهو القيام لله لفصل القضاء.
قال تعالى:
{ وقالوا ءإذا ضللنا في الأرض إنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } [السجدة: 10ـ11] يقول إنكم بالموت لا تضلون في الأرض ولا تنعدمون بل الملك الموكل بالموت يأخذ الأمر الذي تدل عليه لفظة "كم" و"نا" وهى النفوس فتبقى في قبضته ولا تضل ثم إذا بعثتم ترجعون إلى الله بلحوق أبدانكم إلى نفوسكم وأنتم انتم.
فللإِنسان حياة باقية غير محدودة بما في هذه الدنيا الفانية وله عيشة في دار أُخرى باقية ببقاء الله ولا يتمتع في حياته الثانية إلا بما يكتسبه في حياته الأولى من الإِيمان بالله والأعمال الصالحة ويعده في يومه لغده من مواد السعادة فإن اتبع الحق وآمن بآيات الله سعد في أٌخراه بكرامة القرب والزلفى وملك لا يبلى، وإن أخلد إلى الأرض وانكب على الدنيا واعرض عن الذكرى بقي في دار الشقاء والبوار وغل بأغلال الخيبة والخسران في مهبط اللعن وحضيض البعد وكان من أصحاب النار.
وإذا عرفت هذا الذي قدمناه وتأملته تأملاً كافياً بان لك أن قوله تعالى: {اولئك الذين كفروا بربهم} إلى آخر الآية ليس بمجرد تهديد بالعذاب لهؤلاء القائلين: {ءإذا كنا تراباً ءإنا لفي خلق جديد} على ما يتخيل في بادئ النظر بل جواب بلازم القول.
وتوضيح ذلك أن لازم قولهم: إن الإِنسان إذا مات وصار تراباً بطلت الإِنسانية وانعدمت الشخصية أن يكون الإِنسان صورة مادية قائمة بهذا الهيكل البدني المادي العائش بحياة مادية من غير أن تكون له حياة أُخرى خالدة بعد الموت يبقى فيها ببقاء الرب تعالى ويسعد بقربه ويفوز عنده وبعبارة أُخرى تكون حياته محدودة بهذه الحياة المادية غير أن تنبسط على ما بعد الموت وتدوم أبداً، وهذا في الحقيقة إنكار للعالم الربوبي إذ لا معنى لرب لا معاد إليه.
ولازم ذلك أن يقصر الإِنسان همه في المقاصد الدنيوية والغايات المادية من غير أن يرتقي فهمه إلى ما عند الله من النعيم المقيم والملك العظيم فيسعى لقربه تعالى ويعمل في يومه لغده كالمغلول الذي لا يستطيع حراكاً ولا يقدر على السعي لواجب أمره.
ولازم ذلك أن يثبت الإِنسان في شقاء لازم وعذاب دائم فإنه أفسد استعداد السعادة وقطع الطريق وهذه اللوازم الثلاث هي التي أشار تعالى إليه بقوله: {أولئك الذين كفروا} الخ.
فقوله: {أولئك الذين كفروا بربهم} إشارة إلى اللازم الأول وهو إعراض منكري المعاد عن العالم الربوبي والحياة الباقية والستر على ما عند الله من النعيم المقيم والكفر به.
وقوله: {وأولئك الأغلال في أعناقهم} إشارة إلى اللازم الثاني وهو الإِخلاد إلى الأرض والركون إلى الهوى والتقيد بقيود الجهل وأغلال الجحد والإِنكار، وقد مر في تفسير قوله تعالى:
{ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً } [البقرة: 26] في الجزء الأول من الكتاب كلام في كون هذه التعبيرات القرآنية حقائق أو مجازات فراجع إليه.
وقوله: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} إشارة إلى اللازم الثالث وهو مكثهم في العذاب والشقاء.
قوله تعالى: {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات} إلى آخر الآية. قال في المجمع: الاستعجال طلب التعجيل بالأمر والتعجيل تقديم الأمر قبل وقته، والسيئة خصلة تسوء النفس ونقيضها الحسنة وهى خصلة تسر النفس، والمثلات العقوبات واحدها مثلة بفتح الميم وضم الثاء، ومن قال في الواحد: مثلة بضم الميم وسكون الثاء قال في الجمع: مثلات بضمتين نحو غرفة وغرفات، وقيل في الجمع: مثلات ومثلات - أي بسكون الثاء وفتحها - انتهى.
وقال الراغب في المفردات: المثلة نقمة تنزل بالإِنسان فيجعل مثالاً يرتدع به غيره وذلك كالنكال وجمعه مثلات ومثلات - أي بضم الميم أو فتحها وضم الثاء - وقد قرئ: من قبلهم المثلات، والمثلات بإسكان الثاء على التخفيف نحو عضد وعضد. انتهى.
وقوله: {يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} ضمير الجمع للذين كفروا المذكورين في الآية السابقة، والمراد باستعجالهم بالسيئة قبل الحسنة سؤالهم نزول العذاب إليهم استهزاء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل سؤال الرحمة والعافية، والدليل عليه قوله: {وقد خلت من قبلهم المثلات} - والجملة في موضع الحال - فإن المراد به العقوبات النازلة على الأُمم الماضين القاطعة لدابرهم.
والمعنى: يسألك الذين كفروا أن تنزل عليهم العقوبة الإِلهية قبل الرحمة والعافية بعد ما سمعوك تنذرهم بعذاب الله استهزاء وهم على علم بالعقوبات النازلة قبلهم على الأُمم الماضين الذين كفروا برسلهم والآية في مقام التعجيب.
وقوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} استئناف أو في موضع الحال، ويفيد بيان السبب في كون استعجالهم أمراً عجيباً أي إن ربك ذو رحمة واسعة تسع الناس في جميع أحوالهم حتى حال ظلمهم وذو غضب شديد وقد سبقت رحمته غضبه فما بالهم يعرضون عن وسيع رحمته ومغفرته ويسألون شديد عقابه وهم مستعجلون؟ إن ذلك لعجيب.
ويظهر من هذا المعنى الذي يعطيه السياق:
أولاً: إن التعبير عنه تعالى بقوله {ربك} إنما هو للدلالة على كونهم مشركين وثنيين لا يأخذونه تعالى رباً بل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يأخذه رباً من بين قومه.
وثانياً: إن المراد بالمغفرة والعقاب هو الأعم من المغفرة والعقوبة الدنيويتين فإن المشركين إنما كانوا يستعجلون بالسيئة والعقوبة الدنيويتين، والمثلات التي يذكر الله تعالى أنها خلت من قبلهم إنما هي العقوبات الدنيوية النازلة عليهم.
على أن العفو والمغفرة لا يختصان بما بعد الموت أو بيوم القيامة ولا أن آثارهما تختص بذلك، وقد تقدم ذلك مراراً فله تعالى أن يبسط مغفرته على كل من شاء حتى على الظالم حين هو ظالم فيغفر له مظلمته إن اقتضته الحكمة، وله أن يعاقب قال تعالى:
{ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } } [المائدة: 118]. ولهذه النكتة عبر تعالى عن مورد المغفرة بقوله: {للناس} ولم يقل للمؤمنين أو للتائبين ونحو ذلك فلو التجأ أي واحد من الناس إلى رحمته وسأله المغفرة كان له أن يغفر له سواء في ذلك الكافر والمؤمن والمعاصي الكبيرة والصغيرة غير أن المشرك لو سأله أن يغفر له شركه انقلب بذلك مؤمناً غير مشرك، والله سبحانه لا يغفر المشرك ما لم يعد إلى التوحيد قال تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } } [النساء: 116]. فكان على هؤلاء الذين كفروا أن يسألوه تعالى - ويستعجلوا به - أن يغفر لهم شركهم أو ما يتفرع على شركهم من المعاصي بتقديم الإِيمان به وبرسوله أو أن يسألوه العافية والبركة وخير المال والولد على كونهم ظالمين فإنه برحمته الواسعة يفعل ذلك حتى بمن لا يؤمن به ولا ينقاد له، وأما الظلم حال ما يتلبس به الظالم فإن المغفرة لا تجامعه وقد قال تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين } } [الصف: 7]. وثالثاً: إن قوله: {لذو مغفرة} ولم يقل: لغفور أو غافرة كأنه للتحرز من أن يدل على فعلية المغفرة لجميع الظالمين على ظلمهم كأنه قيل: عنده مغفرة للناس على ظلمهم لا يمنعه من أعمال هذه المغفرة عند المصلحة شيء.
ويمكن أن يستفاد من الجملة معنى آخر وهو أنه تعالى عنده مغفرة للناس له أن يغفر بها لمن شاء منهم، ولا يستوجب ظلم الناس أن يغضب تعالى فيترك الاتصاف بالمغفرة من أصلها فلا يغفر لأحد، وهذا يوجب تغيراً في بعض ما تقدم من نكت الآية غير أنه غير ظاهر من السياق.
وفي الآية مشاجرات بين المعتزلة وغيرهم من أهل السنة وهى مطلقة لا دليل على تقييدها بشيء إلا بما في قوله تعالى:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } [النساء: 116]. (بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن جرير عن ابن عباس: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد"
].