التفاسير

< >
عرض

وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٧٨
أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٧٩
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ
٨٠
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
٨١
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ
٨٢
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ
٨٣
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
٨٤
وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ
٨٥
وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ
٨٦
وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٨٧
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ
٨٨
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ
٨٩
-النحل

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات تذكر عدة أُخرى من النعم الإِلهية ثم تعطف الكلام إلى ما تكشف عنه من حق القول في وحدانيته تعالى في الربوبية وفي البعث وفي النبوة والتشريع نظيره القبيل السابق الذي أوردناه من الآيات.
قوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أُمهاتكم لا تعلمون شيئاً} إلى آخر الآية. الأُمهات جمع أُم والهاء زائدة نظير إهراق وأصله أراق وقد تأتي أُمات، وقيل: الأُمهات في الإِنسان والأُمات في غيره من الحيوان، والأفئدة جمع قلة للفؤاد وهو القلب واللب، ولم يبن له جمع كثرة.
وقوله: {والله أخرجكم من بطون أُمهاتكم} إشارة إلى التولّد و {لا تعلمون شيئاً} حال من ضمير الخطاب أي أخرجكم من أرحامهن بالتولد والحال أن نفوسكم خالية من هذه المعلومات التي أحرزتموها من طريق الحس والخيال والعقل بعد ذلك.
والآية تؤيد ما ذهب إليه علماء النفس أن لوح النفس خالية عن المعلومات أول تكوّنها ثم تنتقش فيها شيئاً فشيئاً - كما قيل - وهذا في غير علم النفس بذاتها فلا يطلق عليه عرفاً {يعلم شيئاً} والدليل عليه قوله تعالى في خلال الآيات السابقة فيمن يردّ إلى أرذل العمر {لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً} فإن من الضروري أنه في تلك الحال عالم بنفسه.
واحتج بعضهم بعموم الآية على أن العلم الحضوري يعني به علم الإِنسان بنفسه كسائر العلوم الحصولية مفقود في بادئ الحال حادث بعد ذلك ثم ناقش في أدلة كون علم النفس بذاتها حضورياً مناقشات عجيبة.
وفيه أن العموم منصرف إلى العلم الحصولي ويشهد بذلك الآية المتقدمة.
وقوله: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} إشارة إلى مبادئ العلم الذي أنعم بها على الإِنسان فمبدأ التصوّر هو الحس، والعمدة فيه السمع والبصر وإن كان هناك غيرهما من اللمس والذوق والشم، ومبدأ الفكر هو الفؤاد.
قوله تعالى: {ألم يروا إلى الطير مسخّرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله} الخ، قال في المجمع: الجو الهواء البعيد من الأرض. انتهى. يقول: ألم ينظروا إلى الطير حال كونها مسخرات لله سبحانه في جو السماء والهواء البعيد من الأرض، ثم استأنف فقال مشيراً إلى ما هو نتيجة هذا النظر: {ما يمسكهن إلا الله}.
وإثبات الإِمساك لله سبحانه ونفيه عن غيره مع وجود أسباب طبيعية هناك مؤثرة في ذلك وكلامه تعالى يصدّق ناموس العليّة والمعلولية إنما هو من جهة أن توقف الطير في الجو من دون أن تسقط كيفما كان وإلى أي سبب استند هو وسببه والرابطة التي بينهما جميعاً مستندة إلى صنعه تعالى فهو الذي يفيض الوجود عليه وعلى سببه وعلى الرابطة التي بينهما فهو السبب المفيض لوجوده حقيقة وإن كان سببه الطبيعي القريب معه يتوقف هو عليه.
ومعنى توقفه في وجوده على سببه ليس أن سببه يفيد وجوده بعد ما استفاد وجود نفسه منه تعالى بل إن هذا المسبب يتوقف في أخذه الوجود منه تعالى إلى أخذ سببه الوجود منه تعالى قبل ذلك، وقد تقدم بعض الكلام في توضيح ذلك من قريب.
وهذا معنى توحيد القرآن، والدليل عليه من جهة لفظه أمثال قوله:
{ ألا له الخلق والأمر } } [الأعراف: 54]، وقوله: { أن القوة لله جميعاً } [البقرة: 165]، وقوله: { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62]، وقوله: { إن الله على كل شيء قدير } } [البقرة: 109]. والدليل على ما قدمناه في معنى النفى والإِثبات في الآية قوله تعالى: {مسخرات} فإن التسخير إنما يتحقق بقهر أحد السببين الآخر في فعله على ما يريده السبب القاهر ففي لفظه دلالة على أن للمقهور نوعاً من السببية.
وليس طيران الطائر في جو السماء بالحقيقة بأعجب من سكون الإِنسان في الأرض فالجميع ينتهي إلى صنعه تعالى على حد سواء لكن أُلفة الإِنسان لبعض الأُمور وكثرة عهده به توجب خمود قريحة البحث عنه فإذا صادف ما يخالف ما ألفه وكثر عهده به كالمستثنى من الكلية انتبه لذلك وانتزعت القريحة للبحث عنه والإِنسان يرى الأجسام الأرضية الثقيلة معتمدة على الأرض مجذوبة إليها فإذا وجد الطير مثلاً تنقض كلية هذا الحكم بطيرانها تعجب منه وانبسط للبحث عنه والحصول على علته، وللحق نصيب من هذا البحث وهذا هو أحد الأسباب في أخذ هذا النوع من الأُمور في القرآن مواد للاحتجاج.
وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي في كونها مسخرات في جو السماء فإن للطير وهو في الجو دفيفاً وصفيفاً وبسطاً لأجنحتها وقبضاً وسكوناً وانتقالاً وصعوداً ونزولاً وهي جميعاً آيات لقوم يؤمنون كما ذكره الله.
قوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} إلى آخر الآية، في المفردات: البيت مأوى الإِنسان بالليل لأنه يُقال: بات أقام بالليل كما يقال: ظل بالنهار. ثم قد يقال: للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر، قال: ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر. انتهى موضع الحاجة.
والسكن ما يسكن إليه، والظعن الارتحال وهو خلاف الإِقامة، والصوف للضأن والوبر للإِبل كالشعر للإِنسان ويسمى ما للمعز شعراً كالإِنسان، والأثاث متاع البيت الكثير ولا يقال للواحد منه أثاث، قال في المجمع: ولا واحد للأثاث كما أنه لا واحد للمتاع. انتهى. والمتاع أعم من الأثاث فإنه مطلق ما يتمتع به ولا يختص بما في البيت.
وقوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} أي جعل لكم بعض بيوتكم سكناً تسكنون إليه، ومن البيوت ما لا يسكن إليه كالمتخذ لادخار الأموال واختزان الأمتعة وغير ذلك وقوله: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً} الخ، أي من جلودها بعد الدبغ وهي الأنطاع والأدم {بيوتاً} وهي القباب والخيام {تستخفونها} أي تعدونها خفيفة من جهه الحمل {يوم ظعنكم} وارتحالكم {ويوم إقامتكم} من غير سفر وظعن.
وقوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} الخ، معطوف على موضع {من جلود} أي وجعل لكم {من أصوافها} وهي للضأن و {أوبارها} وهي للإِبل {وأشعارها} وهي للمعز {أثاثاً} تستعملونه في بيوتكم {ومتاعاً} تتمتعون به {إلى حين} محدود، قيل وفيه إشارة إلى أنها فانية داثرة فلا ينبغي للعاقل أن يختارها على نعيم الآخرة.
قوله تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالاً} إلى آخر الآية، الظرفان أعني قوله: {لكم} و {مما خلق} متعلقان بجعل وتعليق الظلال بما خلق لكونها أمراً عدمياً محققاً بتبع غيره وهي مع ذلك من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على الإِنسان وسائر الحيوان والنبات فما الانتفاع بالظل للإِنسان وغيره بأقل من الانتفاع بالنور ولولا الظل وهو ظل الليل وظل الأبنية والأشجار والكهوف وغيرها لما عاش على وجه الأرض عائش.
وقوله: {وجعل لكم من الجبال أكناناً} الكن ما يستتر به الشيء حتى أن القميص كن للابسه، وأكنان الجبال هي الكهوف والثقب الموجودة فيها.
وقوله: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} أي قميصاً يحفظكم من الحر، قال في المجمع: ولم يقل: وتقيكم البرد لأن ما وقى الحر وقى البرد، وإنما خص الحر بذلك مع أن وقايتها للبرد أكثر لأن الذين خوطبوا بذلك أهل حر في بلادهم فحاجتهم إلى ما يقي الحر أكثر، عن عطاء.
قال: على أن العرب يكتفي بذكر أحد الشيئين عن الآخر للعلم به قال الشاعر:

وما أدري إذا يممت أرضاً أُريد الخيــــــر أيهما يليني

فكنى عن الشر ولم يذكره لأند مدلول عليه، ذكره الفراء انتهى.
ولعل بعض الوجه في ذكره الحر والاكتفاء به أن البشر الأولي كانوا يسكنون المناطق الحارة من الأرض فكان شدة الحر أمسّ بهم من شدة البرد وتنبههم لاتخاذ السراويل إنما هو للاتقاء مما كان الابتلاء به أقرب إليهم وهو الحر والله أعلم.
وقوله: {وسرابيل تقيكم بأسكم} الظاهر أن المراد به درع الحديد ونحوه.
وقوله: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} امتنان عليهم بإتمام النعم التي ذكرها، وكانت الغاية المرجوة من ذلك إسلامهم لله عن معرفتها فإن المترقب المتوقع ممن يعرف النعم وإتمامها عليه أن يسلم لإِرادة منعمه ولا يقابله بالاستكبار لأن منعماً هذا شأنه لا يريد به سوء.
قوله تعالى: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} قال في المجمع: البلاغ الاسم والتبليغ المصدر مثل الكلام والتكليم، انتهى.
لما فرغ عن ذكر ما أُريد ذكره من النعم والاحتجاج بها ختمها بما مدلولها العتاب واللوم والوعيد على الكفر ويتضمن ذكر وحدانيته تعالى في الربوبية والمعاد والنبوة، وبدء ذلك ببيان وظيفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته وهو البلاغ فقال: {فإن تولوا} أي يتفرع على هذا البيان الذي ليس فيه إلا دعوتهم إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم من غير أن يتبعه إجبار أو إكراه أنهم إن تولوا وأعرضوا عن الإِصغاء إليه والاهتداء به {فإنما عليك البلاغ المبين} والتبليغ الواضح الذي لا إبهام فيه ولا ستر عليه لأنك رسول وما على الرسول إلا ذلك.
وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيان وظيفة له.
قوله تعالى: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} المعرفة والإِنكار متقابلان كالعلم والجهل وهذا هو الدليل على أن المراد بالإِنكار وهو عدم المعرفة لازم معناه وهو الإِنكار في مقام العمل وهو عدم الإِيمان بالله ورسوله واليوم الآخر أو الجحود لساناً مع معرفتها قلباً، لكن قوله: {وأكثرهم الكافرون} يخص الجحود بأكثرهم كما سيجيء فيبقى للإِنكار المعنى الأول.
وقوله: {وأكثرهم الكافرون} دخول اللام على {الكافرون} يدل على الكمال أي إنهم كافرون بالنعم الإِلهية أو بما تدل عليه من التوحيد وغيره جميعاً لكن أكثرهم كاملون في كفرهم وذلك بالجحود عناداً والإِصرار عليه والصدّ عن سبيل الله.
والمعنى: يعرفون نعمة الله بعنوان أنها نعمة منه ومقتضاه أن يؤمنوا به وبرسوله واليوم الآخر ويسلموا في العمل ثم إذا وردوا مورد العمل عملوا بما هو من آثار الإِنكار دون المعرفة، وأكثرهم لا يكتفون بمجرد الإِنكار العملي بل يزيدون عليه بكمال الكفر والعناد مع الحق والجحود والإِصرار عليه.
وفيما قدمناه كفاية لك عما أطال فيه المفسرون في معنى قوله: {وأكثرهم الكافرون} مع أنهم جميعاً كافرون بإنكارهم من قول بعضهم، إنما قال: {أكثرهم} لأن منهم من لم تقم عليه الحجة كمن لم يبلغ حد التكليف أو كان مؤفاً في عقله أو لم تصل إليه الدعوة فلا يقع عليه اسم الكفر.
وفيه أن هؤلاء خارجون عن إطلاق الآية رأسا فإنها تذكر توبيخاً وإيعاداً أنهم ينكرون نعمة الله بعد ما عرفوها، وهؤلاء إن كانوا ينكرونها كانوا بذلك كافرين وإن لم ينكروها لم يدخلوا في إطلاق الآية قطعاً، وكيف يصح أن يقال: إنهم لم تقم عليهم الحجة وليست الحجة إلا النعمة التي يعدّها الله سبحانه وهم يعرفونها؟
وقول بعضهم: إنما قال: {وأكثرهم الكافرون} لأنه كان يعلم أن فيهم من سيؤمن، وفيه أنه قول لا دليل عليه.
وقول بعضهم: إن المراد بالأكثر الجميع وإنما عدل عن البعض احتقاراً له أن يذكره، ونسب إلى الحسن البصري، وهو قول عجيب.
قيل: وفي الآية دليل على فساد قول المجبرة أنه ليس لله على الكافر نعمة وأن جميع ما فعله بهم إنما هو خذلان ونقمة لأنه سبحانه نصّ في هذه الآية على خلاف قولهم، انتهى.
والحق أن للنعمة اعتبارين: أحدهما كونها نعمة أي ناعمة ملائمة لحال المنعم عليه من حيث كونه في صراط التكوين أي من حيث سعادته الجسمية، والآخر من حيث وقوع المنعم عليه في صراط التشريع أي من حيث سعادته الروحية الإِنسانية بأن تكون النعمة بحيث توجب معرفتها إيمانه بالله ورسوله واليوم الآخر واستعمالها في طريق مرضاة الله، والمؤمن منعّم بالنعمتين كلتيهما والكافر منعم في الدنيا بالطائفة الأُولى محروم من الثانية، وفي كلامه سبحانه شواهد كثيرة تشهد على ذلك.
قوله تعالى: {ويوم نبعث من كل أُمة شهيداً ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون} قال في المجمع: قال الزجّاج: والعتب الموجودة يقال: عتب عليه يعتب إذا وجد عليه فإذا فاوضه ما عتب عليه قالوا: عاتبه، وإذا رجع إلى مسرّته قيل: أعتب، والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، واستعتبه طلب منه أن يعتب. انتهى.
وقوله: {ويوم نبعث من كل أُمة شهيداً} يفيد السياق أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة، وبهؤلاء الشهداء الذين يبعث كل واحد منهم من أُمة، شهداء الأعمال الذين تحمَّلوا حقائق أعمال أُمتهم في الدنيا وهم يستشهد بهم ويشهدون عليهم يوم القيامة، وقد تقدم بعض الكلام في معنى هذه الشهادة في تفسير قوله:
{ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } [البقرة: 143] في الجزء الأول من الكتاب.
ولا دلالة في لفظ الآية على أن المراد بشهيد الأُمة نبيّها، ولا أن المراد بالأُمة أُمة الرسول فمن الجائز أن يكون غير النبي من أُمته كالإِمام شهيداً كما يدلّ عليه آية البقرة السابقة وقوله تعالى:
{ وجيء بالنبيين والشهداء } [الزمر: 69] وعلى هذا فالمراد بكل أُمة أُمة الشهيد المبعوث وأهل زمانه.
وقوله: {ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون} ذكر بعث شهداء الأُمم دليل على أنهم يشهدون على أُممهم بما عملوا في الدنيا، وقرينة على أن المراد من نفي الإِذن للكافرين أنهم لا يؤذن لهم في الكلام وهو الاعتذار لا محالة، ونفي الإِذن في الكلام إنما هو تمهيد لأداء الشهود شهادتهم كما تلوّح إليه آيات أُخر كقوله:
{ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } [يس: 65]، وقوله: { هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون } } [المرسلات: 35ـ36]. على أن سياق قوله: {ثم لا يؤذن} الخ، يفيد أن المراد بهذا الذي ذكر نفي ما يتقى به الشر يومئذ من الحيل وبيان أنه لا سبيل إلى تدارك ما فات منهم وإصلاح ما فسد من أعمالهم في الدنيا يومئذ وهو أحد أمرين: الاعتذار أو استئناف العمل، أما الثاني فيتكفله قوله: {ولا هم يستعتبون} ولا يبقى للأول وهو الاعتذار بالكلام إلا قوله: {ثم لا يؤذن للذين كفروا}.
ومن هنا يظهر أن قوله: {ولا هم يستعتبون} أي لا يطلب منهم أن يعتبوا الله ويرضوه بيان لعدم إمكان تدارك ما فات منهم بتجديد العمل والرجوع إلى السمع والطاعة فإن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل ولا سبيل إلى رجوعهم القهقرى إلى الدنيا حتى يعملوا صالحاً فيجزوا به.
وقد بيّن سبحانه ذلك في مواضع أُخرى من كلامه بلسان آخر كقوله تعالى:
{ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } [القلم: 42ـ43] وقوله: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنّا موقنون } } [السجدة: 12]. قوله تعالى: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون} كانت الآية السابقة بالحقيقة مسوقة لبيان الفرق بين يوم الجزاء الذي هو يوم القيامة وبين سائر ظروف الجزاء في الدنيا بأن جزاء يوم القيامة لا يرتفع ولا يتغير باعتذار ولا باستعتاب، وهذه الآية بيان فرق عذاب اليوم مع العذابات الدنيوية التي تتعلق بالظالمين في الدنيا فإنها تقبل بوجه التخفيف أو الإِنظار بتأخير مّا وعذاب يوم القيامة لا يقبل تخفيفاً ولا إنظاراً.
فقوله: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب} ذكر الظلم في الصلة دون الكفر ونحوه للدلالة على سبب الحكم وملاكه، والمراد برؤية العذاب إشرافه عليهم وإشرافهم عليه بعد فصل القضاء كما يفيده السياق، والمراد بالعذاب عذاب يوم القيامة وهو عذاب النار.
والمعنى - والله أعلم - وإذا قضي الأمر بعذابهم وأشرفوا على العذاب بمشاهدة النار فلا مخلص لهم عنه بتخفيف أو بإنظار وإمهال.
قوله تعالى: {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} إلى آخر الآية، مضيّ في حديث يوم البعث، وقوله: {وإذا رأى الذين أشركوا} وهم في عرف القرآن عبدة الأصنام والأوثان قرينة على أن المراد بقوله: {شركاءهم} الذين أشركوهم بالله زعماً منهم أنهم شركاء لله وافتراء ويدل أيضاً عليه ذيل الآية والآية التالية.
فتسميتهم شركاءهم وهم يسمونهم شركاء الله للدلالة بها على أن ليس لهم من الشركة إلا الشركة بجعلهم بحسب وهمهم فليس لإِشراكهم شركاءهم من الحقيقة إلا أنها لا حقيقة لها.
وبذلك يظهر أن تفسير شركائهم بالأصنام أو بالمعبودات الباطلة وأنهم إنما عدّوا شركائهم لأنهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم وأنعامهم، أو الشياطين لأنهم شاركوهم في الأموال والأولاد أو شركاؤهم في الكفر وهم الذين كفروا مثل كفرهم أو شاركوهم في وبال كفرهم، كل ذلك في غير محله ولا نطيل بالمناقشة في كل واحد منها.
وقوله: {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك} معناه ظاهر وهو تعريف منهم إياهم لربهم، ولا حاجة إلى البحث عن غرض المشركين في تعريفهم فإن اليوم يوم أحاط بهم الشقاء والعذاب من كل جانب، والإِنسان في مثل ذلك يلوي إلى كل ما يخطر بباله من طرق السعي في خلاص نفسه وتنفيس كربه.
وقوله: {فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} قال في المجمع: تقول: ألقيت الشيء إذا طرحته، واللقى الشيء الملقى، وألقيت إليه مقالة إذا قلتها له وتلقّاها إذا قبلها، انتهى.
والمعنى: أن شركاءهم ردّوا إليهم وكذّبوهم، وقد عبَّر سبحانه في موضع آخر عن هذا التكذيب بالكفر كقوله:
{ ويوم القيامة يكفرون بشرككم } [فاطر: 14] وقوله حكاية عن مخاطبة الشيطان لهم يوم القيامة: { إني كفرت بما أشركتمون من قبل } } [إبراهيم: 22]. قوله تعالى: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} السلم الإِسلام والاستسلام، وكان في التعبير بإلقاء السلم إشارة إلى انضمام شيء من الخضوع والمقهورية بالقهر الإِلهي إلى سلمهم.
وضمير {ألقوا} عائد إلى الذين أشركوا بقرينة قوله بعد {وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} فالمراد أن المشركين يسلّمون يوم القيامة لله وقد كانوا يدعون إلى الإِسلام في الدنيا وهم يستكبرون.
وليس المراد بإلقاء السلم هذا يوم القيامة هو انكشاف الحقيقة وظهور الوحدانية وهو مدلول قوله في صفة يوم القيامة:
{ ويعلمون أن الله هو الحق المبين } [النور: 25]، لأن العلم بثبوت شيء أمر، والتسليم والإِيمان بثبوته أمر آخر كما يظهر من قوله تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } } [النمل: 14]. ومجرد العلم بأن الله هو الحق لا يكفي في سعادة الإِنسان بل تحتاج في تمامها إلى تسليمه والإِيمان به بترتيب آثاره عليه ثم من التسليم والإِيمان ما كان عن طوع واختيار ومنه ما كان عن كره واضطرار، والذي ينفع في السعادة هو التسليم والإِيمان عن اختيار وموطن الاختيار الدنيا التي هي دار العمل دون الآخرة التي هي دار الجزاء.
وهم لم يسلموا للحق ما داموا في الدنيا وإن أيقنوا به حتى إذا وردوا الدار الآخرة وأُوقفوا موقف الحساب عاينوا أن الله هو الحق المبين، وأن عذاب الشقاء أحاط بهم من كل جانب أسلموا للحق وهم مضطرون وليس ينفعهم، وإلى هذا العلم والتسليم الاضطراري يشير قوله تعالى:
{ يومئذ يوفّيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين } [النور: 25]، فصدر الآية يخبر عن إسلامهم لأنه الدين الحق، قال تعالى: { إن الدين عند الله الإِسلام } [آل عمران: 19] وذيل الآية عن انكشاف الحق لهم وظهور الحقيقة عليهم.
والآية المبحوث عنها أعني قوله: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} صدرها يشير إلى إسلامهم وذيلها إلى كون ذاك الإِسلام اضطرارياً لا ينفعهم لأنهم كانوا يرون لله أُلوهية ولشركائهم أُلوهية فاختاروا تسليم شركائهم وعبادتهم على التسليم لله ثم لما ظهر لهم الحق يوم القيامة وكذبهم شركاؤهم بطل ما زعموه وضل عنهم ما افتروه فلم يبق للتسليم إلا الله سبحانه فسلموا له مضطرين وانقادوا له كارهين.
قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون} استئناف متعرض لحال أئمة الكفر بالخصوص بعد ما أشار إلى حال عامة الظالمين والمشركين في الآيات السابقة.
والسامع إذا سمع ما شرحه الله من حالهم يوم القيامة في هذه الآيات وأنهم معذبون جميعاً من غير أن يخفف عنهم أو ينظروا فيه، وقد سمع منه أن منهم طائفة هم أشد كفراً وأشقى من غيرهم إذ يقول: {وأكثرهم الكافرون} خطر بباله طبعاً أنهم هل يساوون غيرهم في العذاب الموعود وهم يزيدون عليهم في السبب وهو الكفر. فاستؤنف الكلام جواباً عن ذلك فقيل: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} بالعناد واللجاج فاكتملوا في الكفر واقتدى بهم غيرهم {زدناهم عذاباً} وهو الذي للصد وهم يختصون به {فوق العذاب} وهو الذي بإزاء مطلق الظلم والكفر ويشاركون فيه عامة إخوانهم، وكأن اللام في العذاب للعهد الذكري يشار بها إلى ما ذكر في قوله: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب} الخ، {بما كانوا يفسدون} تعليل لزيادة العذاب.
ومن هنا يظهر أن المراد بالإِفساد الواقع في التعليل هو الصد لأنه الوصف الذي يزيدون به على غيرهم وهو إفساد الغير بصرفه عن سبيل الله، وبتقرير آخر: إفساد في الأرض بالمنع عن انعقاد مجتمع صالح كان من المترقب حصوله بإقبال أُولئك المصروفين على دين الله وسلوك سبيله.
قوله تعالى: {ويوم نبعث في كل أُمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} الخ، صدر الآية تكرار ما تقدم قبل بضع آيات من قوله: {ويوم نبعث من كل أُمة شهيداً} غير أنه كان هناك توطئة وتمهيداً لحديث عدم الإِذن لهم في الكلام يومئذ، وهو ها هنا توطئة وتمهيد لذكر شهادته صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء يومئذ وهو في الموضعين مقصود لغيره لا لنفسه.
وكيف كان فقوله: {ويوم نبعث في كل أُمة شهيداً عليهم من أنفسهم} يدل على بعث واحد في كل أُمة للشهادة على أعمال غيره وهو غير البعث بمعنى الإِحياء للحساب بل بعث بعد البعث، وإنما جعل من أنفسهم ليكون أتم للحجة وأقطع للمعذرة كما يفيده السياق وذكره المفسرون حتى أنهم ذكروا شهادة لوط على قومه ولم يكن منهم نسباً ووجهوه بأنه كان تأهل فيهم وسكن معهم فهو معدود منهم.
وقوله: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} يفيد أنه صلى الله عليه وآله وسلم شهيد على هؤلاء، واستظهروا أن المراد بهؤلاء هم أُمته، وأيضاً إنهم قاطبة من بعث إليه من لدن عصره إلى يوم القيامة ممن حضره ومن غاب ومن عاصره ومن جاء بعده من الناس.
وآيات الشهادة من معضلات آيات القيامة على ما في جميع آيات القيامة من الإِعضال وصعوبة المنال، وقد تقدم في ذيل قوله:
{ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } [البقرة: 143] في الجزء الأول من الكتاب نبذة من الكلام في معنى هذه الشهادة.
ومن الواجب قبل الورود في بحث الشهادة وسائر الأُمور التي تصفها الآيات ليوم القيامة كالجمع والوقوف والسؤال والميزان والحساب أن يعلم أنه تعالى يعد في كلامه هذه الأُمور في عداد الحجج التي تقام يوم القيامة على الإِنسان لتثبيت ما عمله من خير أو شر والقضاء عليه بما ثبت بالحجة القاطعة للعذر والمنيرة للحق ثم المجازاة بما يستوجبه القضاء من سعادة أو شقاء وجنة أو نار، وهذا من أوضح ما يستفاد من آيات القيامة الشارحة لشؤون هذا اليوم وما يواجه الناس منها.
وهذا أصل مقتضاه أن يكون بين هذه الحجج وأجزائها ونتائجها روابط حقيقية بيّنة يضطر العقل إلى الإِذعان بها، ولا يسع للإِنسان بما عنده من الشعور الفطري ردّها ولا الشك والارتياب فيها.
وعلى هذا فمن الواجب أن تكون الشهادة القائمة هناك بإقامة منه تعالى مشتملة من الحقيقة على ما لا سبيل للمناقشة فيها، والله سبحانه لو أمر أشقى الناس على أن يشهد على الأولين والآخرين بما عملوه باختيار من الشاهد أو يخلق الشهادة في لسانه بلا إرادة منه، أو أن يشهد بما عملوه من غير أن يكون قد تحمّلها في الدنيا وشهدها شهود عيان بل معتمداً على إعلام من الله أو ملائكته أو على حجة ثم أمضى تعالى ذلك وأنفذه وجازى به محتجاً في جميع ذلك بشهادته ثانياً عليها لم يكن ذلك مما لا تطيقه سعة قدرته ولا يسعه نفوذ إرادته ولا استطاع أحد أن ينازعه في ملكه أو يعقّب حكمه أو يغلبه على أمره.
لكنها حجة تحكّمية غير تامة لا تقطع بالحقيقة عذراً ولا تدفع ريباً نظير التحكمات التي نجدها من جبابرة الإِنسان والطواغيت العابثين بالحق والحقيقة وكيف يتصور لمثل هذه الحجج المختلقة عين أو أثر يوم لا عين فيه إلا للحق ولا أثر فيه إلا للحقيقة؟
وعلى هذا فمن الواجب أن يكون هذا الشهيد ذا عصمة إلهية يمتنع عليه الكذب والجزاف، وأن يكون عالماً بحقائق الأعمال التي يشهد عليها لا بظاهر صورها وهيئاتها المحسوسة بل بحقيقة ما انعقدت عليه في القلوب، وأن يستوي عنده الحاضر والغائب من الناس كما تقدمت الإِشارة إليه في تفسير آية سورة البقرة.
ومن الواجب أن تكون شهادته شهادة عن معاينة كما هو ظاهر لفظ الشهيد وظاهر تقييده بقوله: {من أنفسهم} في قوله: {شهيداً عليهم من أنفسهم} غير مستندة إلى حجة عقلية أو دليل سمعي. ويشهد به قوله تعالى حكاية عن المسيح عليه السلام:
{ وكنت شهيداً عليهم ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } } [المائدة: 117]. وبهذا تتلاءم الآيتان مضموناً أعني قوله: {ويوم نبعث في كل أُمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} وقوله: { وكذلك جعلناكم أُمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } } [البقرة: 143]. فإن ظاهر آية البقرة أن بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين الناس الذين هم عامة من بعث إليهم من زمانه إلى يوم القيامة شهداء يشهدون على أعمالهم، وأن الرسول إنما هو شهيد على هؤلاء الشهداء دون سائر الناس إلا بواسطتهم، ولا ينبغي أن يتوهم أن الأُمة هم المؤمنون وغيرهم الناس وهم خارجون من الأُمة فإن ظاهر الآية السابقة في السورة: {ويوم نبعث من كل أُمة شهيداً ثم لا يؤذن للذين كفروا} الآية أن الكفار من الأُمة المشهود عليهم.
ولازم ذلك أن يكون المراد بالأُمة في الآية المبحوث عنها: {ويوم نبعث في كل أُمة شهيداً عليهم من أنفسهم} جماعة الناس من أهل عصر واحد يشهد أعمالهم شهيد واحد، ويكون حينئذ الأُمة التي بعث إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم منقسمة إلى أُمم كثيرة.
ويكون المراد بالشهيد الإِنسان المبعوث بالعصمة والمشاهدة كما تقدم ويؤيده قوله: {من أنفسهم} إذ لولا المشاهدة لم يكن لكونه من أنفسهم وقع، ولا لتعدد الشهداء بتعدد الأُمم وجه فلكل قوم شهيد من أنفسهم سواء كان نبياً لهم أو غير نبيهم فلا ملازمة كما يؤيده قوله:
{ وجيء بالنبيين والشهداء } } [الزمر: 69]. ويكون المراد بهؤلاء في قوله: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} الشهداء دون عامة الناس فالشهداء شهداء على الناس والنبي صلى الله عليه وآله وسلم شهيد على الشهداء وظاهر الشهادة على الشاهد تعديله دون الشهادة على عمله فهو صلى الله عليه وآله وسلم شهيد على مقامهم لا على أعمالهم. ولذلك لم يكن من الواجب أن يعاصرهم ويتحد بهم زماناً فافهم ذلك.
والإِنصاف أنه لولا هذا التقريب لم يرتفع ما يتراءى ما في آيات الشهادة من الاختلاف كدلالة آية البقرة، وقوله:
{ ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس } [البقرة: 143]، على كون الأُمة هم المؤمنين، ودلالة غيرهما على الأعم، ودلالتهما على أن النبي إنما هو شهيد على الشهداء، وأن بينه وبين الناس شهداء ودلالة غيرهما على خلافه وأن على الناس شهيداً واحداً هو نبيهم لان المفروض حينئذ أن شهيد كل أُمة هو نبيهم، وكون أخذ الشهيد من أنفسهم لغو لا أثر له مع عدم لزوم الحضور والمعاصرة وأن الشهادة إنما تكون من حيّ كما في الكلام المحكي عن المسيح عليه السلام وإشكالات أُخرى تتوجه على نجاح الحجة ومضيّها، تقدمت الإِشارة إليها والله الهادي.
وقوله: {ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} ذكروا أنه استئناف يصف القرآن بكرائم صفاته فصفته العامة أنه تبيان لكل شيء والتبيان والبيان واحد - كما قيل - وإذ كان كتاب هداية لعامة الناس وذلك شأنه كان الظاهر أن المراد بكل شيء كل ما يرجع إلى أمر الهداية مما يحتاج إليه الناس في اهتدائهم من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدأ والمعاد والأخلاق الفاضلة والشرائع الإِلهية والقصص والمواعظ فهو تبيان لذلك كله.
ومن صفته الخاصة أي المتعلقة بالمسلمين الذين يسلمون للحق أنه هدى يهتدون به إلى مستقيم الصراط ورحمة لهم من الله سبحانه يحوزون بالعمل بما فيه خير الدنيا والآخرة وينالون به ثواب الله ورضوانه، وبشرى لهم يبشرهم بمغفرة من الله ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم.
هذا ما ذكروه وهو مبني على ما هو ظاهر التبيان من البيان المعهود من الكلام وهو إظهار المقاصد من طريق الدلالة اللفظية فإنا لا نهتدي من دلالة لفظ القرآن الكريم إلا على كليات ما تقدم، لكن في الروايات ما يدل على أن القرآن فيه علم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ولو صحّت الروايات لكان من اللازم أن يكون المراد بالتبيان الأعم مما يكون من طريق الدلالة اللفظية فلعل هناك إشارات من غير طريق الدلالة اللفظية تكشف عن أسرار وخبايا لا سبيل للفهم المتعارف إليها.
والظاهر على ما يستفاد من سياق هذه الآيات المسوقة للاحتجاج على الأُصول الثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد، والكلام فيها ينعطف مرة بعد أخرى عليها أن قوله: {ونزَّلنا عليك الكتاب} الخ، ليس باستئناف بل حال عن ضمير الخطاب في {جئنا بك} بتقدير "قد" أو بدون تقديرها - على الخلاف بين النحاة في الجملة الحالية المصدّرة بالفعل الماضي.
والمعنى: وجئنا بك شهيداً على هؤلاء والحال أنا نزّلنا عليك من قبل في الدنيا الكتاب وهو بيان لكل شيء من أمر الهداية يعلم به الحق من الباطل فيتحمل شهادة أعمالهم فيشهد يوم القيامة على الظالمين بما ظلموا وعلى المسلمين بما أسلموا لأن الكتاب كان هدى ورحمة وبشرى لهم وكنت أنت بذلك هادياً ورحمة ومبشّراً لهم.
وعلى هذا فصدر الآية كالتوطئة لذيلها كأنه قيل: سيبعث شهداء يشهدون على الناس بأعمالهم وأنت منهم ولذلك نزَّلنا عليك كتاباً يبيّن الحق والباطل ويميّز بينهما حتى تشهد به يوم القيامة على الظالمين بظلمهم وقد تبين الكتاب وعلى المسلمين بإسلامهم، وقد كان الكتاب هدى ورحمة وبشرى لهم وكنت هادياً ورحمة ومبشّراً به.
ومن لطيف ما يؤيد هذا المعنى مقارنة الكتاب بالشهادة في بعض آيات الشهادة كقوله:
{ وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء } [الزمر: 69]، وسيجيء إن شاء الله أن المراد به اللوح المحفوظ، وقد تكرّر في كلامه تعالى أن القرآن من اللوح المحفوظ كقوله: { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون } [الواقعة: 77ـ78]، وقوله: { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } } [البروج: 21ـ22]. وشهادة اللوح المحفوظ وإن كانت غير شهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنهما جميعاً متوقفتان على قضاء الكتاب النازل.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {والله جعل لكم من بيوتكم سكناً} قال الأعرابي: نعم. قال: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها} قال الأعرابي: نعم. ثم قرأ عليه كل ذلك يقول: نعم حتى بلغ {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} فولى الأعرابي فأنزل الله: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون}.
في تفسير البرهان عن ابن شهر آشوب عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى: {يعرفون نعمة الله} الآية، قال عرفهم ولاية علي وأمرهم بولايته ثم أنكروا بعد وفاته.
أقول: والرواية من الجري.
وفي تفسير العياشي عن جعفر بن أحمد عن التركي النيشابوري عن على بن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية: {يعرفون نعمة الله} الآية، قال: عرفوه ثم أنكروه.
وفي تفسير القمي قى قوله تعالى: {ويوم نبعث في كل أُمة شهيداً عليهم من أنفسهم} قال الصادق عليه السلام: لكل زمان وأُمة شهيد تبعث كل أُمة مع إمامها.
أقول: وذيل كلامه عليه السلام مضمون قوله تعالى: {يوم ندعو كل أُناس بإمامهم}.
وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال الله: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه.
أقول: والروايات في باب الشهادة يوم القيامة كثيرة جداً وقد أوردنا بعضها في ذيل قوله:
{ وكذلك جعلناكم أُمة وسطاً } [البقرة: 143]، وبعضها في ذيل قوله: { وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } [النساء: 41] وقوله: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } } [النساء: 159]. وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص عن البراء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قول الله: {زدناهم عذاباً فوق العذاب} قال: عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم.
وفي الكافي بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قد ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أعلم كتاب الله وفيه بدؤ الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة، وفيه خبر السماء وخبر الأرض وخبر الجنة وخبر النار وخبر ما كان وخبر ما هو كائن أعلم ذلك كما أنظر إلى كفي إن الله عز وجل يقول: فيه تبيان كلّ شيء.
أقول: والآية منقولة في الرواية بالمعنى.
وفي تفسير العياشي عن منصور عن حماد اللحام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام نحن نعلم ما في السماوات ونعلم ما في الأرض، وما في الجنة وما في النار وما بين ذلك. قال: فبهت أنظر إليه فقال: يا حماد إن ذلك في كتاب الله تعالى ثم تلا هذه الآية: {ويوم نبعث في كل أُمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} إنه من كتاب فيه تبيان كل شيء.
وفي الكافي عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن سنان عن يونس بن يعقوب عن الحارث بن المغيرة وعدة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبد الله بن بشير الخثعمي سمعوا أبا عبد الله عليه السلام: يقول إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون ثم مكث هنيئة فرأى إن ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب الله عز وجل إن الله يقول: فيه تبيان كل شيء.
وفي تفسير العياشي عن عبد الله بن الوليد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام قال الله لموسى وكتبنا له في الألواح من كل شيء فعلمنا أنه لم يكتب لموسى الشيء كله، وقال الله لعيسى: {لأُبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} وقال الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء}.
أقول: ورواه العياشي بالإِسناد عليه السلام.