التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٢٠٨
فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٠٩
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٢١٠
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
هذه الآيات وهي قوله: {يا أيها الذين آمنوا} إلى قوله: {ألا إن نصر الله قريب} الآية، سبع آيات كاملة تبين طريق التحفظ على الوحدة الدينية في الجامعة الإنسانية وهو الدخول في السلم والقصر على ما ذكره الله من القول وما أراه من طريق العمل، وأنه لم ينفصم وحدة الدين، ولا ارتحلت سعادة الدارين، ولا حلت الهلكة دار قوم إلا بالخروج عن السلم، والتصرف في آيات الله تعالى بتغييرها ووضعها في غير موضعها، شوهد ذلك في بني إسرائيل وغيرهم من الأمم الغابرة وسيجري نظيرها في هذه الأمة لكن الله يعدهم بالنصر: ألا إن نصر الله قريب.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة}، السلم والإسلام والتسليم واحدة، وكافة كلمة تأكيد بمعنى جميعاً، ولما كان الخطاب للمؤمنين وقد أُمروا بالدخول في السلم كافة، فهو أمر متعلق بالمجموع وبكل واحد من أجزائه، فيجب ذلك على كل مؤمن، ويجب على الجميع أيضاً أن لا يختلفوا في ذلك ويسلموا الأمر لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضاً الخطاب للمؤمنين خاصة فالسلم المدعو إليه هو التسليم لله سبحانه بعد الإيمان به، فيجب على المؤمنين أن يسلموا الأمر إليه، ولا يذعنوا لأنفسهم صلاحاً باستبداد من الرأي، ولا يضعوا لأنفسهم من عند أنفسهم طريقاً يسلكونه من دون أن يبينه الله ورسوله، فما هلك قوم إلا باتباع الهوى والقول بغير العلم، ولم يسلب حق الحياة وسعادة الجد عن قوم إلا عن اختلاف.
ومن هنا ظهر: أن المراد من اتباع خطوات الشيطان ليس اتباعه في جميع ما يدعو إليه من الباطل بل اتباعه فيما يدعو إليه من أمر الدين بأن يزين شيئاً من طرق الباطل بزينة الحق ويسمي ما ليس من الدين باسم الدين فيأخذ به الإنسان من غير علم، وعلامة ذلك عدم ذكر الله ورسوله إياه في ضمن التعاليم الدينية.
وخصوصيات سياق الكلام وقيوده تدل على ذلك أيضاً: فإن الخطوات إنما تكون في طريق مسلوك، وإذا كان سالكه هو المؤمن، وطريقه إنما هو طريق الإيمان فهو طريق شيطاني في الإيمان، وإذا كان الواجب على المؤمن هو الدخول في السلم فالطريق الذي يسلكه من غير سلم من خطوات الشيطان، واتباعه اتباع خطوات الشيطان.
فالآية نظيرة قوله تعالى:
{ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [البقرة: 168-169]، وقد مر الكلام في الآية، وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } [النور: 21]، وقوله تعالى: { كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } [الأنعام: 142]، والفرق بين هذه الآية وبين تلك، أن الدعوة في هذه موجهة إلى الجماعة لمكان قوله تعالى: كافة بخلاف تلك الآيات فهي عامة، فهذه الآية في معنى قوله تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [الأنعام: 153]، ويستفاد من الآية أن الإسلام متكفل لجميع ما يحتاج إليه الناس من الأحكام والمعارف التي فيه صلاح الناس.
قوله تعالى: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات}، الزلة هي العثرة، والمعنى فإن لم تدخلوا في السلم كافة وزللتم - والزلة هي اتباع خطوات الشيطان - فاعلموا أن الله عزيز غير مغلوب في أمره، حكيم لا يتعدى عما تقتضيه حكمته من القضاء في شأنكم فيقضي فيكم ما تقتضيه حكمته، ويجريه فيكم من غير أن يمنع عنه مانع.
قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} "إلخ"، والظلل جمع ظلة وهي ما يستظل به، وظاهر الآية أن الملائكه عطف على لفظ الجلالة، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة وتبديل خطابهم بخطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإعراض عن مخاطبتهم بأن هؤلاء حالهم حال من ينتظر ما أوعدناهم به من القضاء على طبق ما يختارونه من اتباع خطوات الشيطان والاختلاف والتمزق، وذلك بأن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، ويقضي الأمر من حيث لا يشعرون، أو بحيث لا يعبأ بهم وبما يقعون فيه من الهلاك، وإلى الله ترجع الأمور، فلا مفر من حكمه وقضائه، فالسياق يقتضي أن يكون قوله: {هل ينظرون}، هو الوعيد الذي أوعدهم به في قوله تعالى في الآية السابقة فاعلموا أن الله عزيز حكيم.
ثم إن من الضروري الثابت بالضرورة من الكتاب والسنة أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بصفة الأجسام، ولا ينعت بنعوت الممكنات مما يقضي بالحدوث، ويلازم الفقر والحاجة والنقص، فقد قال تعالى:
{ ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]، وقال تعالى: { والله هو الغني } [فاطر: 15]، وقال تعالى: { الله خالق كل شيء } [الرعد: 16]، إلى غير ذلك من الآيات، وهي آيات محكمات ترجع إليها متشابهات القرآن، فما ورد من الآيات وظاهرها إسناد شيء من الصفات أو الأفعال الحادثة إليه تعالى ينبغي أن يرجع إليها، ويفهم منها معنى من المعاني لا ينافي صفاته العليا وأسمائه الحسنى تبارك وتعالى، فالآيات المشتملة على نسبة المجيء أو الإتيان إليه تعالى كقوله تعالى: { وجاء ربك والملك صفاً صفاً } [الفجر: 22]، وقوله تعالى: { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } [الحشر: 2]، وقوله تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد } [النحل: 26]، كل ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدست أسماؤه كالإحاطة ونحوها ولو مجازاً، وعلى هذا فالمراد بالإتيان في قوله تعالى: أن يأتيهم الله الإحاطة بهم للقضاء في حقهم.
على أنا نجده سبحانه وتعالى في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النسب وفعلاً من الأفعال عن استقلال الأسباب ووساطة الأوساط فربما نسبها إلى نفسه وربما نسبها إلى أمره كقوله تعالى:
{ الله يتوفى الأنفس } [الزمر: 42]، وقوله تعالى: { يتوفاكم ملك الموت } [السجدة: 11]، وقوله تعالى: { توفته رسلنا } [الأنعام: 61]، فنسب التوفي تارة إلى نفسه، وتارة إلى الملائكة ثم قال تعالى في أمر الملائكة: { بأمره يعملون } [الأنبياء: 27]، وكذلك قوله تعالى: { إن ربك يقضي بينهم } [يونس: 93]، وقوله تعالى: { فإذا جاء أمر الله قضي بالحق } [غافر: 78]، وكما في هذه الآية: {أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} الآية، وقوله تعالى: { هل ينظرون إلاَّ أنْ تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك } } [النحل: 33]. وهذا يوجب صحة تقدير الأمر في موارد تشتمل على نسبة أُمور إليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى نظير: {جاء ربك}، و {يأتيهم الله}، فالتقدير جاء أمر ربك ويأتيهم أمر الله.
فهذا هو الذي يوجبه البحث الساذج في معنى هذه النسب على ما يراه جمهور المفسرين لكن التدبر في كلامه تعالى يعطي لهذه النسب معنى أرق وألطف من ذلك، وذلك أن أمثال قوله تعالى:
{ والله هو الغني } [فاطر: 15]، وقوله تعالى: { العزيز الوهاب } [ص: 9]، وقوله تعالى: { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50]، تفيد أنه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشؤونها وأطوارها، مليء بما يهبه ويجود به وإن كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادة وأحكامها الجسمانية يصعب عليها تصور كيفية اتصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من الصفات ونسبته إليه تعالى، لكن هذه المعاني إذا جردت عن قيود المادة وأوصاف الحدثان لم يكن في نسبته إليه تعالى محذور فالنقص والحاجة هو الملاك في سلب معنى من المعاني عنه تعالى، فإذا لم يصاحب المعنى نقصاً وحاجة لتجريده عنه صح إسناده إليه تعالى بل وجب ذلك لأن كل ما يقع عليه اسم شيء فهو منه تعالى بوجه على ما يليق بكبريائه وعظمته.
فالمجيء والإتيان الذي هو عندنا قطع الجسم مسافة بينه وبين جسم آخر بالحركة واقترابه منه إذا جرّد عن خصوصيه المادة كان هو حصول القرب، وارتفاع المانع والحاجز بين شيئين من جهة من الجهات، وحينئذ صح إسناده إليه تعالى حقيقة من غير مجاز: فإتيانه تعالى إليهم ارتفاع الموانع بينهم وبين قضائه فيهم، وهذه من الحقائق القرآنية التي لم يوفق الأبحاث البرهانية لنيله إلا بعد إمعان في السير، وركوبها كل سهل ووعر، وإثبات التشكيك في الحقيقة الوجودية الأصيلة.
وكيف كان فهذه الآية تتضمن الوعيد الذي ينبئ عنه قوله سبحانه في الآية السابقة: إن الله عزيز حكيم، ومن الممكن أن يكون وعيداً بما سيستقبل القوم في الآخرة يوم القيامة كما هو ظاهر قوله تعالى في نظير الآية:
{ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك } [النحل: 33]، ومن الممكن أن يكون وعيداً بأمر متوقع الحصول في الدنيا كما يظهر بالرجوع إلى ما في سورة يونس بعد قوله تعالى: { ولكل أُمة رسول } [يونس: 47]، وما في سورة الروم بعد قوله تعالى: { وأن أقم وجهك للدين حنيفاً } [يونس: 105]، وما في سورة الأنبياء وغيرها على أن الآخرة آجلة هذه العاجلة وظهور تام لما في هذه الدنيا، ومن الممكن أيضاً أن يكون وعيداً بما سيقع في الدنيا والآخرة معاً، وكيف كان فقوله في ظلل من الغمام يشتمل من المعنى على ما يناسب مورده.
قوله تعالى: {وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور}، السكوت عن ذكر فاعل القضاء، وهو الله سبحانه كما يدل عليه قوله: وإلى الله ترجع الأمور، لإِظهار الكبرياء على ما يفعله الأعاظم في الإِخبار عن وقوع احكامهم وصدور أوامرهم وهو كثير في القرآن.
(بحث روائي)
قد تقدم في قوله تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} الآية عدة روايات تؤيد ما ذكرناه من معنى اتباع خطوات الشيطان فارجع، وفي بعض الروايات أن السلم هو الولاية وهو من الجري على ما مر مراراً في نظائره.
وفي التوحيد والمعاني عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} قال: يقول: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام وهكذا نزلت، وعن قول الله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفاً صفا}. قال: إن الله عزَّ وجلَّ لا يوصف بالمجيء والذهاب، تعالى عن الانتقال وإنما يعني به {وجاء أمر ربك والملك صفاً صفاً}.
أقول: قوله عليه السلام يقول هل ينظرون، معناه يريد هل ينظرون فهو تفسير للآية وليس من قبيل القراءة.
والمعنى الذي ذكره هو بعينه ما قربناه من كون المراد بإتيانه تعالى إتيان أمره فإن الملائكة إنما تعمل ما تعمل وتنزل حين تنزل بالأمر، قال تعالى:
{ بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } [الأنبياء: 26-27]، وقال تعالى: { ينزل الملائكة بالروح من أمره } } [النحل: 2]. وها هنا معنى آخر احتمله بعضهم وهو أن يكون الاستفهام الإنكاري في قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} "إلخ"، لإنكار مجموع الجملة لا لإنكار المدخول فقط، والمعنى أن هؤلاء لا ينتظرون إلا أمراً محالاً وهو: أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام كما يأتي الجسم إلى الجسم، ويأتي معه الملائكة فيأمرهم وينهاهم وهو محال، فهو كناية عن استحالة تقويمهم بهذه المواعظ والتنبيهات، وفيه: أنه لا يلائم ما مر: أن الآيات ذات سياق واحد ولازمه أن يكون الكلام متوجهاً إلى حال المؤمنين، والمؤمنون لا يلائم حالهم مثل هذا البيان، على أن الكلام لو كان مسوقاً لإفاده ذلك لم يخل من الرد عليهم كما هو دأب القرآن في أمثال ذلك كقوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أُنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً } [الفرقان: 21]، وقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه } } [البقرة: 116]. على أنه لم يكن حينئذ وجه لقوله تعالى: في ظلل من الغمام، ولا نكتة ظاهرة لبقية الكلام وهو ظاهر.
(بحث روائي آخر)
اعلم أنه ورد عن أئمه أهل البيت تفسير الآية بيوم القيامة كما في تفسير العياشي عن الباقر عليه السلام وتفسيرها بالرجعة كما رواه الصدوق عن الصادق عليه السلام، وتفسيرها بظهور المهدي عليه السلام كما رواه العياشي في تفسيره عن الباقر عليه السلام بطريقين.
ونظائره كثيرة فإذا تصفحت وجدت شيئاً كثيراً من الآيات ورد تفسيرها عن أئمه أهل البيت تارة بالقيامة وأُخرى بالرجعة وثالثة بالظهور، وليس ذلك إلا لوحدة وسنخية بين هذه المعاني، والناس لما لم يبحثوا عن حقيقة يوم القيامة ولم يستفرغوا الوسع في الكشف عما يعطيه القرآن من هوية هذا اليوم العظيم تفرقوا في أمر هذه الروايات، فمنهم من طرح هذه الروايات، وهي مئات وربما زادت، على خمسمائة رواية في أبواب متفرقة، ومنهم من أولها على ظهورها وصراحتها، ومنهم - وهم أمثل طريقة - من ينقلها ويقف عليها من غير بحث.
وغير الشيعة وهم عامة المسلمين وإن أذعنوا بظهور المهدي ورووه بطرق متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنهم أنكروا الرجعة وعدوا القول بها من مختصات الشيعة، وربما لحق بهم في هذه الأعصار بعض المنتسبين إلى الشيعة، وعد ذلك من الدس الذي عمله اليهود وبعض المتظاهرين بالإسلام كعبد الله بن سبأ وأصحابه، وبعضهم رام إبطال الرجعة بما زعمه من الدليل العقلي فقال ما حاصله: إن الموت بحسب العناية الإلهية لا يطرأ على حي حتى يستكمل كمال الحياة ويخرج من القوة إلى الفعل في كل ما له من الكمال فرجوعه إلى الدنيا بعد موته رجوع إلى القوة وهو بالفعل، هذا محال إلا أن يخبر به مخبر صادق وهو الله سبحانه أو خليفة من خلفائه كما أخبر به في قصص موسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام وغيرهم. ولم يرد منه تعالى ولا منهم في أمر الرجعة شيء وما يتمسك به المثبتون غير تام، ثم أخذ في تضعيف الروايات فلم يدع منها صحيحة ولا سقيمة، هذا.
ولم يدر هذا المسكين أن دليله هذا لو تم دليلاً عقلياً أبطل صدره ذيله فما كان محالاً ذاتياً لم يقبل استثناءً ولم ينقلب بإخبار المخبر الصادق ممكناً، وأن المخبر بوقوع المحال لا يكون صادقاً ولو فرض صدقه في إخباره أوجب ذلك اضطراراً تأويل كلامه إلى ما يكون ممكناً، كما لو أخبر بأن الواحد ليس نصف الاثنين، وأن كل صادق فهو بعينه كاذب.
وما ذكره من امتناع عود ما خرج من القوة إلى الفعل إلى القوة ثانياً حق لكن الصغرى ممنوعة، فإنه إنما يلزم المحال المذكور في إحياء الموتى ورجوعهم إلى الدنيا بعد الخروج عنها إذا كان ذلك بعد الموت الطبيعي الذي افترضوه، وهو أن تفارق النفس البدن بعد خروجها من القوة إلى الفعل خروجاً تاماً ثم مفارقتها البدن بطباعها. وأما الموت الاخترامي الذي يكون بقسر قاسر كقتل أو مرض فلا يستلزم الرجوع إلى الدنيا بعده محذوراً، فإن من الجائز أن يستعد الإنسان لكمال موجود في زمان بعد زمان حياته الدنيوية الأولى فيموت ثم يحيى لحيازة الكمال المعد له في الزمان الثاني، أو يستعد لكمال مشروط بتخلل حياة ما في البرزخ فيعود إلى الدنيا بعد استيفاء الشرط، فيجوز على أحد الفرضين الرجعة إلى الدنيا من غير محذور المحال وتمام الكلام موكول إلى غير هذا المقام.
وأما ما ناقشه في كل واحد من الروايات ففيه: أن الروايات متواترة معنى عن أئمه أهل البيت عليهم السلام، حتى عد القول بالرجعة عند المخالفين من مختصات الشيعة وأئمتهم من لدن الصدر الأول، والتواتر لا يبطل بقبول آحاد الروايات للخدشة والمناقشة، على أن عدة من الآيات النازلة فيها، والروايات الواردة فيها تامة الدلالة قابلة الاعتماد، وسيجيء التعرض لها في الموارد المناسبة لها كقوله تعالى:
{ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا } [النمل: 83]، وغيره من الآيات.
على أن الآيات بنحو الإجمال دالة عليها كقوله تعالى:
{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } [البقرة: 214]، ومن الحوادث الواقعة قبلنا ما وقع من إحياء الأموات كما قصه القرآن من قصص إبراهيم وموسى وعيسى وعزير وأرميا وغيرهم، وقد قال رسول الله فيما رواه الفريقان: والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة لا تخطئون طريقهم ولا يخطئكم سنن بني إسرائيل.
على أن هذه القضايا التي أخبرنا بها أئمة أهل البيت من الملاحم المتعلقة بآخر الزمان، وقد أثبتها النقلة والرواة في كتب محفوظة النسخ عندنا سابقة تأليفاً وكتابة على الوقوع بقرون وأزمنة طويلة نشاهد كل يوم صدق شطر منها من غير زيادة ونقيصة فلنحقق صحة جميعها وصدق جميع مضامينها.
ولنرجع إلى بدء الكلام الذي كنا فيه وهو ورود تفسير آية واحدة بيوم القيامة تارة، وبالرجعة أو الظهور تارة أُخرى، فنقول: الذي يتحصل من كلامه تعالى فيما ذكره تعالى من أوصاف يوم القيامة ونعوته أنه يوم لا يحجب فيه سبب من الأسباب ولا شاغل من الشواغل عنه سبحانه، فيفنى فيه جميع الأوهام ويظهر فيه آياته كمال الظهور وهذا يوم لا يبطل وجوده وتحققه تحقق هذا النشأة الجسمانية ووجودها فلا شيء يدل على ذلك من كتاب وسنة بل الأمر على خلاف ذلك، غير أن الظاهر من الكتاب والسنة أن البشر أعني هذا النسل الذي أنهاه الله سبحانه إلى آدم وزوجته سينقرض عن الدنيا قبل طلوع هذا اليوم لهم.
ولا مزاحمة بين النشأتين أعني نشأة الدنيا ونشأة البعث، حتى يدفع بعضها بعضاً كما أن النشأة البرزخية وهي ثابتة الآن للأموات منا لا تدفع الدنيا، ولا الدنيا تدفعها قال تعالى:
{ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم } } [النحل: 63]، فهذه حقيقة يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء، ولذلك ربما سمي يوم الموت بالقيامة لارتفاع حجب الأسباب عن توهم الميت، فعن علي عليه السلام من مات قامت قيامته، وسيجيء بيان الجميع إن شاء الله.
والروايات المثبتة للرجعة وإن كانت مختلفة الآحاد إلا أنها على كثرتها متحدة في معنى واحد، وهو أن سير النظام الدنيوي متوجه إلى يوم تظهر فيه آيات الله كل الظهور، فلا يعصى فيه سبحانه وتعالى بل يعبد عبادة خالصة، لا يشوبها هوى نفس، ولا يعتريه إغواء الشيطان، ويعود فيه بعض الأموات من أولياء الله تعالى وأعدائه إلى الدنيا، ويفصل الحق من الباطل.
وهذا يفيد: أن يوم الرجعة من مراتب يوم القيامة، وإن كان دونه في الظهور لإِمكان الشر والفساد فيه في الجملة دون يوم القيامة، ولذلك ربما ألحق به يوم ظهور المهدي عليه السلام أيضاً تمام لظهور الحق فيه أيضاً تمام الظهور وإن كان هو أيضاً دون الرجعة، وقد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام: أيام الله ثلاثة: يوم الظهور، ويوم الكرة، ويوم القيامة، وفي بعضها: أيام الله ثلاثة: يوم الموت، ويوم الكرة، ويوم القيامة، وهذا المعنى أعني الاتحاد بحسب الحقيقة، والاختلاف بحسب المراتب هو الموجب لما ورد من تفسيرهم عليه السلام بعض الآيات بالقيامة تارة وبالرجعة أُخرى وبالظهور ثالثاً، وقد عرفت مما تقدم من الكلام أن هذا اليوم ممكن في نفسه بل واقع، ولا دليل مع المنكر يدل على نفيه.