التفاسير

< >
عرض

يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٢٣
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ
٢٤
وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٢٥
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {يا أيُّها النَّاس اعبدوا} "الخ"، لما بين سبحانه: حال الفرق الثلاث: المتقين والكافرين، والمنافقين، وان المتقين على هدى من ربهم والقرآن هدى لهم، وان الكافرين مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، وأن المنافقين مرضى وزادهم الله مرضاً وهم صمٌ بكمٌ عمىٌ (وذلك في تمام تسع عشرة آية) فرّع تعالى على ذلك أن دعى الناس إلى عبادته وأن يلتحقوا بالمتقين دون الكافرين والمنافقين بهذه الآيات الخمس إلى قوله: {خالدون}. وهذا السياق يعطي كون قوله: {لعلَّكم تتقون} متعلقاً بقوله: {اعبدوا}، دون قوله {خلقكم} وإن كان المعنى صحيحاً على كلا التقديرين.
وقوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}، الأنداد جمع ند كمثل، وزناً ومعنى وعدم تقييد قوله تعالى: {وأنتم تعلمون} بقيد خاص وجعله حالاً من قوله تعالى: {فلا تجعلوا}، يفيد التأكيد البالغ في النهي بأن الإِنسان وله علم ما، كيفما كان لا يجوز له أن يتخذ لله سبحانه أنداداً والحال أنه سبحانه هو الذي خلقهم والذين من قبلهم ثم نظم النظام الكوني لرزقهم وبقائهم.
وقوله تعالى: {فأْتُواْ بِسورة من مثله} أمر تعجيزي لإِبانة إعجاز القرآن، وأنه كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه، إعجازاً باقياً بمر الدهور وتوالي القرون، وقد تكرر في كلامه تعالى هذا التعجيز كقوله تعالى:
{ قل لئن اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } [الإسراء: 88]، وقوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل فأْتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إنْ كنتم صادقين } [هود: 13]. وعلى هذا فالضمير في مثله عائد إلى قوله تعالى: {مما نزلنا}، ويكون تعجيزاً بالقرآن نفسه وبداعة أسلوبه وبيانه.
ويمكن أن يكون الضمير راجعاً إلى قوله: {عبدنا}، فيكون تعجيزاً بالقرآن من حيث أن الذي جاء به رجل أُمي لم يتعلم من معلم ولم يتلق شيئاً من هذه المعارف الغالية العالية والبيانات البديعة المتقنة من أحد من الناس فتكون الآية في مساق قوله تعالى:
{ قُل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون } [يونس: 16]، وقد ورد التفسيران معاً في بعض الأخبار.
واعلم: أن هذه الآية كنظائرها تعطي إعجاز أقصر سورة من القرآن كسورة الكوثر وسورة العصر مثلاً، وربما يحتمل من رجوع ضمير مثله إلى نفس السورة كسورة البقرة أو سورة يونس مثلاً يأباه الفهم المستأنس بأساليب الكلام إذ من يرمي القرآن بأنه افتراء على الله تعالى إنما يرميه جميعاً ولا يخصص قوله ذاك بسورة دون سورة، فلا معنى لرده باتحدي بسورة البقرة أو بسورة يونس لرجوع المعنى حينئذٍ إلى مثل قولنا: وإن كنتم في ريب من سورة الكوثر أو الإِخلاص مثلاً فأْتوا بسورة مثل سورة يونس وهو بيّن الاستهجان هذا.
(الإِعجاز وماهيته)
اعلم: أن دعوى القرآن أنها آية معجزة بهذا التحدي الذى أبدته هذه الآية تنحل بحسب الحقيقة إلى دعويين، وهما دعوى ثبوت أصل الإِعجاز وخرق العادة الجارية، ودعوى أن القران مصداق من مصاديق الإِعجاز، ومعلوم أن الدعوى الثانية تثبت بثبوتها الدعوى الأولى، والقرآن أيضاً يكتفي بهذا النمط من البيان ويتحدى بنفسه فيستنتج به كلتا النتيجتين، غير أنه يبقى الكلام على كيفية تحقق الإِعجاز مع اشتماله على ما لا تصدقه العادة الجارية في الطبيعة من استناد المسببات إلى أسبابها المعهودة المشخصة من غير استثناء في حكم السببية أو تخلف، واختلاف في قانون العلية، والقرآن يبين حقيقة الأمر ويزيل الشبهة فيه.
فالقرآن يشدق في بيان الأمر من جهتين.
الأولى: أن الإِعجاز ثابت ومن مصاديقه القران المثبت لأصل الإِعجاز ولكون منه بالتحدي.
الثانية: أنه ما هو حقيقة الإِعجاز؟ وكيف يقع في الطبيعة أمر يخرق عادتها وينقض كلّيتها.
(إِعجاز القرآن)
لا ريب في أن القرآن يتحدى بالإِعجاز في آيات كثيرة مختلفة، مكية ومدنية، تدل جميعها على أن القرآن آية معجزة خارقة، حتى أن الآية السابقة أعني قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأْتوا بسورة من مثله} الآية، أي من مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم استدلال على كون القرآن معجزة بالتحدي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا أنه استدلال على النبوة مستقيماً وبلا واسطة، والدليل عليه قوله تعالى في أولها: {وإن كنتم في ريب مما نزَّلنا على عبدنا} ولم يقل وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا، فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص، ومن أعمها تحدياً قوله تعالى:
{ قل لئن اجتمعت الإِنس والجن على أنْ يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } [الإسراء: 88]، والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة.
فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوماً خاصاً، وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده، وقد قرع بالآية أسماع الإِنس والجن.
وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعية والأخبار المغيبة ومعارف أُخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلاَّ في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات.
فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، وللحكيم في حكمته، وللعالم في علمه، وللاجتماعي في اجتماعه، وللمقننين في تقنينهم، وللسياسيين في سياستهم، وللحكام في حكومتهم، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعاً كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان.
ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه إعجازاً لكل فرد من الإِنس والجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول، فإن الإِنسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة، فهل يتأتى القوة البشرية أن تختلف معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة؟ وهل يمكنها أن تأتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة؟ وهل يمكنها أن يشرّع أحكاماً تامّة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجته، وسريان الطهارة في أصله وفرعه؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الإِحصاء العجيب والإِتقان الغريب من رجل أُمي لم يتربَ إِلاَّ في حجر قوم حظهم من الإِنسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيّا أن يرتزقوا بالغارات والغزوات ونهب الأموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الأولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الأمهات ويتباهوا بالفجور ويذموا العلم ويظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة أذلاء لكل مستذل وخطفة لكل خاطف فيوماً لليمن ويوماً للحبشة ويوماً للروم ويوماً للفرس؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية.
وهل يجترئ عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدىً للعالمين ثم يودعه أخباراً في الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الأمم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا يتخلف شيء منها عن صراط الصدق؟.
وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية؛ والدار دار التحول والتكامل؛ أن يداخل في كل شأن من شؤون العالم الإِنساني ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوماً وقوانين وحكماً ومواعظ وأمثالاً وقصصاً في كل ما دقّ وجل ثم لا يختلف حاله في شيء منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الإِلقاء وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها؟ هذا مع ما نراه أن كل إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة.
فالإِنسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية المادية وإن لم يقدر على ذلك فلم يضل في إنسانيته ولم ينس ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن اختباره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به.
فإن قلت: ما الفائدة في توسعة التحدي إلى العامة والتعدي عن حومة الخاصة فإن العامة سريعة الانفعال للدعوة والإِجابة لكل صنيعة وقد خضعوا لأمثال الباب والبهاء والقادياني والمسيلمة على أن ما أتوا به واستدلوا عليه أشبه بالهجر والهذيان منه بالكلام.
قلت: هذا هو السبيل في عموم الإِعجاز والطريق الممكن في تمييز الكمال والتقدم في أمر يقع فيه التفاضل والسباق، فإن أفهام الناس مختلفة اختلافاً ضرورياً والكمالات كذلك، والنتيجة الضرورية لهاتين المقدمتين أن يدرك صاحب الفهم العالي والنظر الصائب ويرجع من هو دون ذلك فهماً ونظراً إلى صاحبه، والفطرة حاكمة والغريزة قاضية.
ولا يقبل شيء مما يناله الإِنسان بقواه المدركة ويبلغه فهمه العموم والشمول لكل فرد في كل زمان ومكان بالوصول والبلوغ والبقاء إلاَّ ما هو من سنخ العلم والمعرفة على الطريقة المذكورة، فإن كل ما فرض آية معجزة غير العلم والمعرفة فإنما هو موجود طبيعي أو حادث حسي محكوم بقوانين المادة محدود بالزمان والمكان فليس بمشهود إلاَّ لبعض أفراد الإِنسان دون بعض ولو فرض محالاً أو كالمحال عمومه لكل فرد منه فإنما يمكن في مكان دون جميع الأمكنة، ولو فرض اتساعه لكل مكان لم يمكن اتساعه لجميع الأزمنة والأوقات.
فهذا ما تحدى به القرآن تحدياً عاماً لكل فرد في كل مكان وفي كل زمان.
(تحدّيه بالعلم)
وقد تحدى بالعلم والمعرفة خاصة بقوله تعالى:
{ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } [النحل: 89]، وقوله: { ولا رطب ولا يابس إلاَّ في كتاب مبين } [الأنعام: 59]، إلى غير ذلك من الآيات، فإن الإِسلام كما يعلمه ويعرفه كل من سار في متن تعليماته من كلياته التي أعطاها القرآن وجزئياته التي أرجعها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بنحو قوله: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [الحشر: 7]، وقوله تعالى: { لتحكم بين الناس بما أراك الله } [النساء: 105]، وغير ذلك متعرض للجليل والدقيق من المعارف الإِلهية "الفلسفية" والأخلاق الفاضلة والقوانين الدينية الفرعية من عبادات ومعاملات وسياسات واجتماعيات وكل ما يمسه فعل الإِنسان وعمله، كل ذلك على أساس الفطرة وأصل التوحيد بحيث ترجع التفاصيل إلى أصل التوحيد بالتحليل، ويرجع الأصل إلى التفاصيل بالتركيب.
وقد بيّن بقاءها جميعاً وانطباقها على صلاح الإِنسان بمرور الدهور وكرورها بقوله تعالى:
{ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } [فصلت: 41-42]. وقوله تعالى: { إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون } [الحجر: 9]، فهو كتاب لا يحكم عليه حاكم النسخ ولا يقضي عليه قانون التحول والتكامل.
فإن قلت: قد استقرت أنظار الباحثين عن الاجتماع وعلماء التقنين اليوم على وجوب تحول القوانين الوضعية الاجتماعية بتحول الاجتماع واختلافها باختلاف الأزمنة والأوقات وتقدم المدنية والحضارة.
قلت: سيجيء البحث عن هذا الشأن والجواب عن الشبهة في تفسير قوله تعالى:
{ كان الناس أُمة واحدة } [البقرة: 213]الآية.
وجملة القول وملخصه أن القرآن يبني أساس التشريع على التوحيد الفطري والأخلاق الفاضلة الغريزية ويدعي أن التشريع يجب أن ينمو من بذر التكوين والوجود. وهؤلاء الباحثون يبنون نظرهم على تحول الاجتماع مع إلغاء المعنويات من معارف التوحيد وفضائل الأخلاق، فكلمتهم جامدة على سير التكامل الاجتماعي المادي العادم لفضيلة الروح، وكلمة الله هي العليا.
(التحدي بمن أنزل عليه القرآن)
وقد تحدى بالنبي الأمي الذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه، ولم يتعلم عند معلم ولم يترب عند مرب بقوله تعالى:
{ قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون } [يونس: 16]، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم بينهم وهو أحدهم لا يتسامى في فضل ولا ينطق بعلم حتى لم يأت بشيء من شعر أو نثر نحواً من أربعين سنة وهو ثلثا عمره لا يحوز تقدماً ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثم أتى بما أتى به دفعة فأتى بما عجزت عنه فحولهم وكلت دونه ألسنة بلغائهم، ثم بثه في أقطار الأرض فلم يجترئ على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لب وفطانة.
وغاية ما أخذوه عليه: أنه سافر إلى الشام للتجارة فتعلم هذه القصص ممن هناك من الرهبان ولم تكن أسفاره إلى الشام إلاَّ مع عمّه أبي طالب قبل بلوغه وإلاَّ مع ميسرة مولى خديجة وسنه يومئذٍ خمسة وعشرون وهو مع من يلازمه في ليله ونهاره، ولو فرض محالاً ذلك فما هذه المعارف والعلوم؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق؟ وممن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب وكلت دونه الألسن الفصاح؟
وما أخذوه عليه أنه كان يقف على قين بمكة من أهل الروم كان يعمل السيوف ويبيعها فأنزل الله سبحانه:
{ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } [النحل: 103]. وما قالوا عليه أنه يتعلم بعض ما يتعلم من سلمان الفارسي وهو من علماء الفرس عالم بالمذاهب والأديان مع أن سلمان إنما آمن به في المدينة، وقد نزل أكثر القرآن بمكة وفيها من جميع المعارف الكلية والقصص ما نزلت منها بالمدينة بل أزيد، فما الذي زاده إيمان سلمان وصحابته؟.
على أن من قرأ العهدين وتأمل ما فيهما ثم رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ الأنبياء السالفين وأممهم رأى أن التاريخ غير التاريخ والقصة غير القصة، ففيهما عثرات وخطايا لأنبياء الله الصالحين تنبو الفطرة وتتنفر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم، والقرآن يبرأهم منها، وفيها أمور أُخرى لا يتعلق بها معرفة حقيقية ولا فضيلة خلقية ولم يذكر القرآن منها إلاَّ ما ينفع الناس في معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الأكثر.
(تحدي القرآن بالإِخبار عن الغيب)
وقد تحدى بالإِخبار عن الغيب بآيات كثيرة، منها إخباره بقصص الأنبياء السالفين وأُممهم كقوله تعالى:
{ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } [هود: 49] الآية، وقوله تعالى بعد قصة يوسف: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذْ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } [يوسف: 102] وقوله تعالي في قصة مريم: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذْ يختصمون } [آل عمران: 44] وقوله تعالى: { ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون } [مريم: 34]، إلى غير ذلك من الآيات.
ومنها الإِخبار عن الحوادث المستقبلة كقوله تعالى:
{ غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } [الروم: 2-3]، وقوله تعالى في رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة بعد الهجرة: { إنَّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد } [القصص: 85]، وقوله تعالى: { لتدخلن المسجد الحرام إنْ شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون } [الفتح: 27] الآية، وقوله تعالى: { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم } [الفتح: 15]، وقوله تعالى: { والله يعصمك من الناس } [المائدة: 67]، وقوله تعالى: { إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون } [الحجر: 9]، وآيات أُخر كثيرة في وعد المؤمنين وعيد كفار مكة ومشركيها.
ومن هذا الباب آيات أُخر في الملاحم نظير قوله تعالى:
{ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين } [الأنبياء: 95-97]، وقوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض } [النور: 55]، وقوله تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم } [الأنعام: 65]، ومن هذا الباب قوله تعالى: { وأرسلنا الرياح لواقح } [الحجر: 22]، وقوله تعالى { وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } [الحجر: 19]، وقوله تعالى: { والجبال أوتاداً } [النبأ: 7]، مما يبتنى حقيقة القول فيها على حقائق علمية مجهولة عند النزول حتى اكتشف الغطاء عن وجهها بالأبحاث العلمية التي وفّق الإِنسان لها في هذه العصر.
ومن هذا الباب (وهو من مختصات هذا التفسير الباحث عن آيات القرآن باستنطاق بعضها ببعض واستشهاد بعضها على بعض) ما في سورة المائدة من قوله تعالى:
{ يا أيُّها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبونه } [المائدة: 54]، الآية، وما في سورة يونس من قوله تعالى: { ولكل أُمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط } [يونس: 47] إلى آخر الآيات، وما في سورة الروم من قوله تعالى: { فَأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها } [الروم: 30] الآية، إلى غير ذلك من الآيات التي تنبئ عن الحوادث العظيمة التي تستقبل الأمة الإِسلامية أو الدنيا عامة بعد عهد نزول القرآن، وسنورد إن شاء الله تعالى طرفاً منها في البحث عن سورة الإِسراء.
(تحدي القرآن بعدم الاختلاف فيه)
وقد تحدى أيضاً بعدم وجود الاختلاف فيه، قال تعالى:
{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82]، فإن من الضروري أن النشأة نشأة المادة والقانون الحاكم فيها قانون التحول والتكامل فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم إلاَّ وهو متدرج الوجود متوجه من الضعف إلى القوة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وجميع توابع ذاته ولواحقه من الأفعال والآثار ومن جملتها الإِنسان الذي لا يزال يتحول ويتكامل في وجوده وأفعاله وآثاره التي منها آثاره التي يتوسل إليها بالفكر والإِدراك، فما من واحد منا إلاَّ ويرى نفسه كل يوم أكمل من أمس ولا يزال يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله وعثرات في أقواله الصادرة منه في الحين الأول، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذو شعور.
وهذا الكتاب جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم نجوماً وقرأه على الناس قطعاً قطعاً في مدة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة في مكة والمدينة في الليل والنهار والحضر والسفر والحرب والسلم في يوم العسرة وفي يوم الغلبة ويوم الأمن ويوم الخوف، ولإِلقاء المعارف الإِلهية وتعليم الأخلاق الفاضلة وتقنين الأحكام الدينية في جميع أبواب الحاجة، ولا يوجد فيه أدنى اختلاف في النظم المتشابه؛ كتاباً متشابهاً مثاني، ولم يقع في المعارف التي ألقاها والأصول التي أعطاها اختلاف بتناقض بعضها مع بعض وتنافي شيء منها مع آخر، فالآية تفسر الآية والبعض يبيّن البعض، والجملة تصدق الجملة كما قال علي عليه السلام: (ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض) "نهج البلاغة". ولو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحة ومن حيث الإِتقان والمتانة.
فإن قلت: هذه مجرد دعوى لا تتكي على دليل وقد أُخذ على القرآن مناقضات وإشكالات جمّة ربما ألّف فيه التأليفات، وهي إشكالات لفظية ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة ومناقضات معنوية تعود إلى خطأه في آرائه وأنظاره وتعليماته، وقد أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلاَّ إلى التأويلات التي يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة وارتضاء الفطرة السليمة.
قلت: ما أُشير إليه من المناقضات والإِشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب، فالاشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان.
ولا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها أو مناقضة أخذوها إلا وهي مذكور في مسفورات المفسرين مع أجوبتها فأخذوا الإِشكالات وجمعوها ورتبوها وتركوا الأجوبة وأهملوها، ونعم ما قيل: لو كانت عين الحب متّهمة فعين البغض أولى بالتهمة.
فإن قلت: فما تقول في النسخ الواقع في القرآن وقد نص عليه القرآن نفسه في قوله:
{ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } [البقرة: 106]، وقوله: { وإذا بدّلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزّل } [النحل: 101]، وهل النسخ إلا اختلاف في النظر لو سلمنا أنه ليس من قبيل المناقضة في القول؟.
قلت: النسخ كما أنه ليس من المناقضة في القول وهو ظاهر كذلك ليس من قبيل الاختلاف في النظر والحكم وإنما هو ناشٍ من الاختلاف في المصداق من حيث قبوله انطباق الحكم يوماً لوجود مصلحته فيه وعدم قبوله الانطباق يوماً آخر لتبدل المصلحة من مصلحة أُخرى توجب حكماً آخر، ومن أوضح الشهود على هذا أن الآيات المنسوخة الأحكام في القرآن مقترنة بقرائن لفظية تومىء إلى أن الحكم المذكور في الآية سينسخ كقوله تعالى:
{ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً } [النساء: 15]، (انظر إلى التلويح الذي تعطيه الجملة الأخيرة)، وكقوله تعالى: { ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً } [البقرة: 109] إلى أن قال: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } [البقرة: 109] حيث تممَّ الكلام بما يشعر بأن الحكم مؤجّل.
(التحدي بالبلاغة)
وقد تحدى القرآن بالبلاغة كقوله تعالى:
{ أم يقولون افتراه قل فأْتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلاَّ هو فهل أنتم مسلمون } [هود: 13-14]. والآية مكية، وقوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل فأْتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } [يونس: 38-39]. والآية أيضاً مكية وفيها التحدي بالنظم والبلاغة فإن ذلك هو الشأن الظاهر من شؤون العرب المخاطبين بالآيات يومئذٍ، فالتاريخ لا يرتاب أن العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدمة عليهم والمتأخرة عنهم ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق. وقد تحدى عليهم القرآن بكل تحد ممكن مما يثير الحمية ويوقد نار الأنفة والعصبية. وحالهم في الغرور ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم مما لا يرتاب فيه، وقد طالت مدة التحدي وتمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلاَّ بالتجافي ولم يزدهم إلاَّ العجز ولم يكن منهم إلاَّ الاستخفاء والفرار، كما قال تعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون } [هود: 5]. وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرناً ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه أحد بشيء إلاَّ أخزى نفسه وافتضح في أمره.
وقد ضبط النقل بعض هذه المعارضات والمناقشات، فهذا مسيلمة عارض سورة الفيل بقوله: "الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وبيل وخرطوم طويل" وفي كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبية "فنولجه فيكن إيلاجاً، ونخرجه منكن إخراجاً" فانظر إلى هذه الهذيانات واعتبر، وهذه سورة عارض بها الفاتحة بعض النصارى "الحمد للرَّحمن. رب الأكوان الملك الديان. لك العبادة وبك المستعان، اهدنا صراط الإِيمان" إلى غير ذلك من التقوّلات.
فإن قلت: ما معنى كون التأليف الكلامي بالغاً إلى مرتبة معجزة للإِنسان ووضع الكلام مما سمحت به قريحة الإِنسان؟ فكيف يمكن أن يترشح من القريحة ما لا تحيط به والفاعل أقوى من فعله ومنشئ الأثر محيط بأثره؟ وبتقريب آخر، الإِنسان هو الذي جعل اللفظ علامة دالة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعية إلى تفهيم الإِنسان ما في ضميره لغيره فخاصة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصة وضعية اعتبارية مجعولة للإِنسان، ومن المحال أن يتجاوز هذه الخاصة المترشحة عن قريحة الإِنسان حد قريحته فتبلغ مبلغاً لا تسعه طاقة القريحة، فمن المحال حينئذٍ أن يتحقق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة وإلاَّ كانت غير الدلالة الوضعية الاعتبارية، مضافاً إلى أن التراكيب الكلامية لو فرض أن بينها تركيباً بالغاً حد الإِعجاز كان معناه أن كل معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها، وبين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها وأبلغها لا تسعها طاقة البشر، وهو التركيب المعجز، ولازمه أن يكون في كل معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي، مع أن القرآن كثيراً ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرقة، وهو في القصص واضح لا ينكر، ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كل معنى مقصود إلاَّ واحد لا غير.
قلت: هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف، ومعنى الصرف أن الإِتيان بمثل القرآن أو سور أو سورة واحدة منه، محال على البشر لمكان آيات التحدي وظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون، ولكن لا لكون التأليفات الكلامية التي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الإِنسان وفائقة على القوة البشرية، مع كون التأليفات جميعاً أمثالاً لنوع النظم الممكن للإِنسان، بل لأن الله سبحانه يصرف الإِنسان عن معارضتها والإِتيان بمثلها بالإِرادة الإِلهية الحاكمة على إرادة الإِنسان حفظاً لآية النبوّة ووقاية لحمى الرسالة.
وهذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدل عليه آيات التحدي بظاهرها كقوله
{ قل فأْتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إنْ كنتم صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } [هود: 13-14] الآية، فإن الجملة الأخيرة ظاهرة في أن الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون القرآن نازلاً لا كلاماً تقوّله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن نزوله إنما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين كما قال تعالى: { أم يقولون تقوّله بل لا يؤمنون فليأْتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } [الطور: 233-234]، وقوله تعالى: { وما تنزّلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون } [الشعراء: 210-212]، والصرف الذي يقولون به إنما يدل على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف، لا على كون القرآن كلاماً لله نازلاً من عنده، ونظير هذه الآية الآية الأخرى، وهي قوله: { قل فأْتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } [يونس: 38] الآية، فإنها ظاهرة في أن الذي يوجب استحالة إتيان البشر بمثل القرآن وضعف قواهم وقوى كل من يعينهم على ذلك من تحمّل هذا الشأن، هو أن للقرآن تأويلاً لم يحيطوا بعلمه فكذبوه، ولا يحيط به علماً إلاَّ الله فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه، لا أن الله سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكنهم منه لولا الصرف بإرادة من الله تعالى.
وكذا قوله تعالى:
{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82] الآية، فإنه ظاهر في أن الذي يعجز الناس عن الإِتيان بمثل القرآن إنما هو كونه في نفسه على صفة عدم الاختلاف لفظاً ومعنىً، ولا يسع لمخلوق أن يأتي بكلام غير مشتمل على الاختلاف، لا أن الله صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا، فما ذكروه من أن إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه.
وأما الإِشكال باستلزام الإِعجاز من حيث البلاغة المحال بتقريب أن البلاغه من صفات الكلام الموضوع، ووضع الكلام من آثار القريحة الإِنسانية، فلا يمكن أن يبلغ من الكمال حداً لا تسعه طاقة القريحة وهو مع ذلك معلول لها لا لغيرها، فالجواب عنه أن الذي يستند من الكلام إلى قريحة الإِنسان إنما هو كشف اللفظ المفرد عن معناه، وأما سرد الكلام ونضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى المؤلف وهيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامة أو ناقصة وإراءة واضحة أو خفية، وكذا تنظيم الصورة العلمية في الذهن بحيث يوافق الواقع في جميع روابطه ومقدماته ومقارناته ولواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون بعض فإنما هو أمر لا يرجع إلى وضع الألفاظ بل إلى نوع مهارة في صناعة البيان وفن البلاغة تسمح به القريحة في سرد الألفاظ ونظم الأدوات اللفظية ونوع لطف في الذهن يحيط به القوة الذاهنة على الواقعة المحكية بأطرافها ولوازمها ومتعلقاتها.
فها هُنا جهات ثلاث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق فربما أحاط إنسان بلغة من اللغات فلا يشذ عن علمه لفظ لكنه لا يقدر على التهجي والتكلم، وربما تمهّر الإِنسان في البيان وسرد الكلام لكن لا علم له بالمعارف والمطالب فيعجز عن التكلم فيها بكلام حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته التي هو عليها في نفسه، وربما تبحر الإِنسان في سلسلة من المعارف والمعلومات ولطفت قريحته ورقت فطرته لكن لا يقدر على الإِفصاح عن ما في ضميره، وعيّ عن حكاية ما يشاهده من جمال المعنى ومنظره البهيج.
فهذه أمور ثلاثة: أولها راجع إلى وضع الإِنسان بقريحته الاجتماعية، والثاني والثالث راجعان إلى نوع من لطف القوة المدركة، ومن البيّن أن إدراك القوى المدركة منا محدودة مقدّرة لا نقدر على الإِحاطه بتفاصيل الحوادث الخارجية والأمور الواقعية بجميع روابطها، فلسنا على أمن من الخطأ قط في وقت من الأوقات، ومع ذلك فالاستكمال التدريجي الذي في وجودنا أيضاً يوجب الاختلاف التدريجي في معلوماتنا أخذاً من النقص إلى الكمال، فأي خطيب أشدق وأي شاعر مفلق فرضته لم يكن ما يأتيه في أول أمره موازناً لما تسمح به قريحته في أواخر أمره؟ فلو فرضنا كلاماً إنسانياً أي كلام فرضناه لم يكن في مأمن من الخطأ لفرض عدم إطلاع متكلمه بجميع أجزاء الواقع وشرائطه (أولاً) ولم يكن على حد كلامه السابق ولا على زنة كلامه اللاحق بل ولا أوله يساوي آخره وإن لم نشعر بذلك لدقة الأمر، لكن حكم التحول والتكامل عام (ثانياً)، وعلى هذا فلو عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه (وجدّ الهزل هو القول بغير علم محيط) ولا اختلاف يعتريه لم يكن كلاماً بشرياً، وهو الذي يفيده القرآن بقوله:
{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } [النساء: 82] الآية، وقوله تعالى: { والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل } [الطارق: 11-14]. انظر إلى موضع القسم بالسماء والأرض المتغيرتين والمعنى المقسم به في عدم تغيّره واتكائه على حقيقة ثابتة هي تأويله (وسيأتي ما يراد في القرآن من لفظ التأويل)، وقوله تعالى: { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } [البروج: 21-22]، وقوله تعالى: { والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلَّكم تعقلون * وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم } [الزخرف: 2-4]، وقوله تعالى: { فلا أُقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلاَّ المطهرون } [الواقعة: 75-79]، فهذه الآيات ونظائرها تحكي عن إتكاء القرآن في معانيه على حقائق ثابتة غير متغيرة ولا متغير ما يتكي عليها.
إذا عرفت ما مرّ علمت أن استناد وضع اللغة إلى الإِنسان لا يقتضي أن لا يوجد تأليف كلامي فوق ما يقدر عليه الإِنسان الواضع له، وليس ذلك إلاَّ كالقول بأن القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع ممن يستعملها وواضع النرد والشطرنج يجب أن يكون أمهر من يلعب بهما ومخترع العود يجب أن يكون أقوى ممن يضرب بها.
فقد تبيّن من ذلك كله أن البلاغة التامة معتمدة على نوع من العلم المطابق للواقع من جهة مطابقة اللفظ للمعنى ومن جهة مطابقة المعنى المعقول للخارج الذي يحكيه الصورة الذهنية.
أما اللفظ فأن يكون الترتيب الذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقاً للترتيب الذي بين أجزاء المعنى المعبر عنه باللفظ بحسب الطبع فيطابق الوضع الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإِعجاز.
وأما المعنى فأن يكون في صحته وصدقه معتمداً على الخارج الواقع بحيث لا يزول عمّا هو عليه من الحقيقة، وهذه المرتبة هي التي يتكي عليها المرتبة السابقة، فكم من هزل بليغ في هزليته لكنه لا يقاوم الجد، وكم من كلام بليغ مبني على الجهالة لكنه لا يعارض ولا يسعه أن يعارض الحكمة، والكلام الجامع بين عذوبة اللفظ وجزالة الأسلوب وبلاغة المعنى وحقيقة الواقع هو أرقى الكلام.
وإذا كان الكلام قائماً على أساس الحقيقة ومنطبق المعنى عليها تمام الانطباق لم يكذّب الحقائق الأُخر ولم تكذبه، فإن الحق مؤتلف الأجزاء ومتحد الأركان، لا يبطل حق حقاً، ولا يكذب صدق صدقاً، والباطل هو الذي ينافي الباطل وينافي الحق، انظر إلى مغزى قوله سبحانه وتعالى:
{ فماذا بعد الحق إلاَّ الضلال } [يونس: 32]، فقد جعل الحق واحداً لا تفرق فيه ولا تشتت، وانظر إلى قوله تعالى: { ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم } [الأنعام: 135]، فقد جعل الباطل متشتتّاً ومشتتاً ومتفرقاً ومفرقاً.
وإذا كان الأمر كذلك فلا يقع بين أجزاء الحق اختلاف بل نهاية الائتلاف، يجر بعضه إلى بعض، وينتج بعضه البعض كما يشهد بعضه على بعض ويحكي بعضه البعض.
وهذا من عجيب أمر القرآن، فإن الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة ولا تعقم عن الانتاج، كلما ضمت آية إلى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار الحقائق، ثم الآية الثالثة تصدقها وتشهد بها، هذا شأنه وخاصته، وسترى في خلال البيانات في هذا الكتاب نبذاً من ذلك، على أن الطريق متروك غير مسلوك ولو أن المفسرين ساروا هذا المسير لظهر لنا إلى اليوم ينابيع من بحاره العذبة وخزائن من أثقاله النفيسة.
فقد اتضح بطلان الاشكال من الجهتين جميعاً فإن أمر البلاغة المعجزة لا يدور مدار اللفظ حتى يقال إن الإِنسان هو الواضع للكلام فكيف لا يقدر على أبلغ الكلام وأفصحه وهو واضح، أو يقال إن أبلغ التركيبات المتصورة تركيب واحد من بينها، فكيف يمكن التعبير عن معنى واحد بتركيبات متعددة مختلفة السياق والجميع فائقة قدرة البشر بالغ حد الإِعجاز بل المدار هو المعنى المحافظ لجميع جهات الذهن والخارج.
(معنى الآية المعجزة في القرآن وما يفسر به حقيقتها)
ولا شبهة في دلالة القرآن على ثبوت الآية المعجزة وتحققها بمعنى الأمر الخارق للعادة الدال على تصرف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونشأة المادة لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل.
وما تمحّله بعض المنتسبين إلى العلم من تأويل الآيات الدالة على ذلك توفيقاً بينها وبين ما يترائى من ظواهر الأبحاث الطبيعية "العلمية" اليوم تكلف مردود إليه.
والذي يفيده القرآن الشريف في معنى خارق العادة وإعطاء حقيقته نذكره في فصول من الكلام.
1 - تصديق القرآن لقانون العلية العامة:
إن القرآن يثبت للحوادث الطبيعية أسباباً ويصدق قانون العلية العامة كما يثبته ضرورة العقل وتعتمد عليه الأبحاث العلمية والأنظار الاستدلالية، فإن الإِنسان مفطور على أن يعتقد لكل حادث مادي علة موجبة من غير تردد وإرتياب. وكذلك العلوم الطبيعية وساير الأبحاث العلمية تعلل الحوادث والأمور المربوطة بما تجده من أمور أُخرى صالحة للتعليل، ولا نعني بالعلة إلاَّ أن يكون هناك أمر واحد أو مجموع أمور إذا تحققت في الطبيعة مثلاً تحقق عندها أمر آخر نسميه المعلول بحكم التجارب، كدلالة التجربة على أنه كلما تحقق احتراق لزم أن يتحقق هناك قبله علة موجبة له من نار أو حركة أو اصطكاك أو نحو ذلك، ومن هنا كانت الكلية وعدم التخلف من أحكام العلية والمعلولية ولوازمهما.
وتصديق هذا المعنى ظاهر من القرآن فيما جرى عليه وتكلم فيه من موت وحياة ورزق وحوادث أُخرى علوية سماوية أو سفلية أرضية على أظهر وجه، وإن كان يسندها جميعاً بالآخرة إلى الله سبحانه لفرض التوحيد.
فالقرآن يحكم بصحة قانون العلية العامة، بمعنى أن سبباً من الأسباب إذا تحقق مع ما يلزمه ويكتنف به من شرائط التأثير من غير مانع لزمه وجود مسببه مترتباً عليه بإذن الله سبحانه وإذا وجد المسبب كشف ذلك عن تحقق سببه لا محالة.
2 - إثبات القرآن ما يخرق العادة:
ثم إن القرآن يقتص ويخبر عن جملة من الحوادث والوقائع لا يساعد عليه جريان العادة المشهودة في عالم الطبيعة على نظام العلة والمعلول الموجود، وهذه الحوادث الخارقة للعادة هي الآيات المعجزة التي ينسبها إلى عدة من الأنبياء الكرام كمعجزات نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنها أُمور خارقة للعادة المستمرة في نظام الطبيعة.
لكن يجب أن يعلم أن هذه الأمور والحوادث وإن أنكرتها العادة واستبعدتها إلاَّ أنها ليست أموراً مستحيلة بالذات بحيث يبطلها العقل الضروري كما يبطل قولنا الإِيجاب والسلب يجتمعان معاً ويرتفعان معاً من كل جهة، وقولنا الشيء يمكن أن يسلب عن نفسه، وقولنا الواحد ليس نصف الاثنين وأمثال ذلك من الأمور الممتنعة بالذات، كيف وعقول جم غفير من المليين منذ أعصار قديمة تقبل ذلك وترتضيه من غير إنكار ورد ولو كانت المعجزات ممتنعة بالذات لم يقبلها عقل عاقل ولم يستدل بها على شيء ولم ينسبها أحد إلى أحد؟!.
على أن أصل هذه الأمور أعني المعجزات ليس مما تنكره عادة الطبيعة بل هي مما يتعاوره نظام المادة كل حين بتبديل الحي إلى ميت والميت إلى الحي وتحويل صورة إلى صورة وحادثة إلى حادثة ورخاء إلى بلاء وبلاء إلى رخاء، وإنما الفرق بين صنع العادة وبين المعجزة الخارقة هو أن الأسباب المادية المشهودة التي بين أيدينا إنما تؤثر أثرها مع روابط مخصوصة وشرائط زمانية ومكانية خاصة تقضي بالتدريج في التأثير، مثلاً العصا وإن أمكن أن تصير حية تسعى والجسد البالى وإن أمكن أن يصير إنساناً حياً لكن ذلك إنما يتحقق في العادة بعلل خاصة وشرائط زمانية ومكانية مخصوصة تنتقل بها المادة من حال إلى حال وتكتسي صورة بعد صورة حتى تستقر وتحل بها الصورة الأخيرة المفروضة على ما تصدّقه المشاهدة والتجربة لا مع أي شرط اتفق أو من غير علّة أو بإرادة مريد كما هو الظاهر من حال المعجزات والخوارق التي يقصها القرآن.
وكما أن الحس والتجربة الساذجين لا يساعدان على تصديق هذه الخوارق للعادة كذلك النظر العلمي الطبيعي، لكونه معتمداً على السطح المشهود من نظام العلة والمعلول الطبيعيين، أعني به السطح الذى يستقر عليه التجارب العلمية اليوم والفرضيات المعللة للحوادث المادية.
إلاَّ أن حدوث الحوادث الخارقة للعادة إجمالاً ليس في وسع العلم إنكاره والستر عليه، فكم من أمر عجيب خارق للعادة يأتي به أرباب المجاهدة وأهل الارتياض كل يوم تمتلي به العيون وتنشره النشريات ويضبطه الصحف والمسفورات بحيث لا يبقى لذي لب في وقوعها شك ولا في تحقّقها ريب.
وهذا هو الذي ألجأ الباحثين في الآثار الروحية من علماء العصر أن يعللوه بجريان أمواج مجهولة الكتريسية مغناطيسية فافترضوا أن الإِرتياضات الشاقة تعطي للإِنسان سلطة على تصريف أمواج مرموزة قوية تملكه أو تصاحبه إرادة وشعور وبذلك يقدر على ما يأتي به من حركات وتحريكات وتصرفات عجيبة في المادة خارقة للعادة بطريق القبض والبسط ونحو ذلك.
وهذه الفرضية لو تمت وأطّردت من غير انتقاض لأدت إلى تحقق فرضية جديدة وسيعة تعلل جميع الحوادث المتفرقة التي كانت تعللها جميعاً أو تعلل بعضها الفرضيات القديمة على محور الحركة والقوة ولساقت جميع الحوادث المادية إلى التعلل والارتباط بعلة واحدة طبيعية.
فهذا قولهم والحق معهم في الجملة إذ لا معنى لمعلول طبيعي لا علة طبيعية له مع فرض كون الرابطة طبيعية محفوظة، وبعبارة أُخرى إنا لا نعني بالعلة الطبيعية إلاَّ أن تجتمع عدة موجودات طبيعية مع نسب وروابط خاصة فيتكون منها عند ذلك موجود طبيعي جديد حادث متأخر عنها مربوط بها بحيث لو انتقض النظام السابق عليه لم يحدث ولم يتحقق وجوده.
وأما القرآن الكريم فإنه وإن لم يشخّص هذه العلة الطبيعية الأخيرة التي تعلل جميع الحوادث المادية العادية والخارقة للعادة (على ما نحسبه) بتشخيص اسمه وكيفية تأثيره لخروجه عن غرضه العام إلاَّ أنه مع ذلك يثبت لكل حادث مادي سبباً مادياً بإذن الله تعالى، وبعبارة أُخرى يثبت لكل حادث مادي مستند في وجوده إلى الله سبحانه (والكل مستند) مجرى مادياً وطريقاً طبيعياً، به يجري فيض الوجود منه تعالى إليه. قال تعالى:
{ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب * ومن يتوكل على الله فهو حسبه إنَّ الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً } [الطلاق: 2-3]، فإن صدر الآية يحكم بالإِطلاق من غير تقييد أن كل من اتّقى الله وتوكل عليه وإن كانت الأسباب العادية المحسوبة عندنا أسباباً تقضي بخلافه وتحكم بعدمه فإن الله سبحانه حسبه فيه وهو كائن لا محالة، كما يدل عليه أيضاً إطلاق قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]، وقوله تعالى: { ادعوني أستجب لكم } [غافر: 60]، وقوله تعالى: { أليس الله بكاف عبده } [الزمر: 36]. ثم الجملة التالية وهي قوله تعالى: { إنَّ الله بالغ أمره } [الطلاق: 3]، يعلل إطلاق الصدر، وهذا المعنى قوله: { والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [يوسف: 21]، وهذه جملة مطلقة غير مقيدة بشيء البتة؛ فللَّه سبحانه سبيل إلى كل حادث تعلقت به مشيئته وإرادته وإن كانت السبل العادية والطرق المألوفة مقطوعة منتفية هناك.
وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن يتوسل تعالى إليه من غير سبب مادي وعلة طبيعية، بل بمجرد الإِرادة وحدها، وثانيهما: أن يكون هناك سبب طبيعي مستور عن علمنا يحيط به الله سبحانه ويبلغ ما يريده من طريقه إلاَّ أن الجملة التالية من الآية المعللة لما قبلها أعني قوله تعالى:
{ قد جعل الله لكل شيء قدراً } [الطلاق: 3]؛ تدل على ثاني الوجهين فإنها تدل على أن كل شيء من المسببات أعم مما تقتضيه الأسباب العادية أو لا تقتضيه، فإن له قدراً قدره الله سبحانه عليه، وارتباطات مع غيره من الموجودات، واتصالات وجودية مع ما سواه، لله سبحانه أن يتوسل منها إليه وإن كانت الأسباب العادية مقطوعة عنه غير مرتبطة به إلاَّ أن هذه الاتصالات والارتباطات ليست مملوكة للأشياء أنفسها حتى تطيع في حال وتعصى في أخرى بل مجعولة بجعله تعالى مطيعة منقادة له.
فالآية تدل على أنه تعالى جعل بين الأشياء جميعها ارتباطات واتصالات له أن يبلغ إلى كل ما يريد من أي وجه شاء وليس هذا نفياً للعلية والسببية بين الأشياء بل إثبات أنها بيد الله سبحانه يحولها كيف شاء وأراد، ففي الوجود علية وارتباط حقيقي بين كل موجود وما تقدمه من الموجودات المنتظمة غير أنها ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة (ولذلك نجد لفرضيات العلمية الموجودة قاصرة عن تعليل جميع الحوادث الوجودية) بل على ما يعلمه الله تعالى وينظمه.
وهذه الحقيقة هى التي تدل عليها آيات القدر كقوله تعالى:
{ وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاَّ بقدر معلوم } [الحجر: 21]، وقوله تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } [القمر: 49]، وقوله تعالى: { وخلق كل شيء فقدره تقديراً } [الفرقان: 2]، وقوله تعالى: { الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى } [الأعلى: 2-3]، وكذا قوله تعالى: { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاَّ في كتاب من قبل أن نبرأها } [الحديد: 22]، وقوله تعالى: { ما أصاب من مصيبة إلاَّ بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم } [التغابن: 11]. فإن الآية الأولى وكذا بقية الآيات تدل على أن الأشياء تنزل من ساحة الإِطلاق إلى مرحلة التعيّن والتشخّص بتقدير منه تعالى وتحديد يتقدم على الشيء ويصاحبه، ولا معنى لكون الشيء محدوداً مقدراً في وجوده إلاَّ أن يتحدد ويتعين بجميع روابطه التي مع سائر الموجودات والموجود المادي مرتبط بمجموعة من الموجودات المادية الأخرى التي هي كالقالب الذي يقلب به الشيء ويعيّن وجوده ويحدده ويقدره فما من موجود مادي إلاَّ وهو متقدّر مرتبط بجميع الموجودات المادية التي تتقدمه وتصاحبه فهو معلول لآخر مثله لا محالة.
ويمكن أن يستدل أيضاً على ما مرّ بقوله تعالى:
{ ذلكم الله ربكم خالق كل شيء } [غافر: 62]، وقوله تعالى: { ما من دابة إلاَّ هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم } [هود: 56]، فإن الآيتين بانضمام ما مرّت الإِشارة إليه من أن الآيات القرآنية تصدق قانون العلية العام تنتج المطلوب.
وذلك أن الآية الأولى تعمم الخلقة لكل شيء فما من شيء إلاَّ وهو مخلوق لله عزّ شأنه، والآية الثانية تنطق بكون الخلقة والإِيجاد على وتيرة واحدة ونسق منتظم من غير اختلاف يؤدي إلى الهرج والجزاف.
والقرآن كما عرفت يصدق قانون العلية العام في ما بين الموجودات المادية، ينتج أن نظام الوجود في الموجودات المادية سواء كانت على جري العادة أو خارقة لها على صراط مستقيم غير متخلف، ووتيرة واحدة في استناد كل حادث فيه إلى العلة المتقدمة عليه الموجبة له.
ومن هنا يستنتج أن الأسباب العادية التي ربما يقع التخلف بينها وبين مسبباتها ليست بأسباب حقيقية بل هناك أسباب حقيقية مطردة غير متخلفة الأحكام والخواص، كما ربما يؤيده التجارب العلمي في جراثيم الحياة وفي خوارق العادة كما مرّ.
3 - القرآن يسند ما أسند إلى العلة المادية إلى الله تعالى:
ثم ان القرآن كما يثبت بين الأشياء العلية والمعلولية ويصدق سببية البعض للبعض كذلك يسند الأمر في الكل إلى الله سبحانه فيستنتج منه أن الأسباب الوجودية غير مستقلة في التأثير والمؤثر الحقيقي بتمام معنى الكلمة ليس إلاَّ الله عزّ سلطانه. قال تعالى:
{ ألا له الخلق والأمر } [الأعراف: 54]، وقال تعالى: { لله ما في السماوات وما في الأرض } [البقرة: 284]، وقال تعالى: { له ملك السماوات والأرض } [الحديد: 5]، وقال تعالى: { قل كل من عند الله } [النساء: 78]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن كل شيء مملوك محض لله لا يشاركه فيه أحد، وله أن يتصرف فيها كيف شاء وأراد، وليس لأحد أن يتصرف في شيء منها إلاَّ من بعد أن يأذن الله لمن شآء ويملّكه التصرف من غير استقلال في هذا التمليك أيضاً، بل مجرد إذن لا يستقل به المأذون له دون أن يعتمد على إذن الآذن، قال تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]، وقال تعالى: { الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50]، إلى غير ذلك من الآيات، وقال تعالى أيضاً: { له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه } [البقرة: 255]، وقال تعالى: { ثم استوى على العرش يدبّر الأمر ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه } [يونس: 3]. فالأسباب تملكت السببية بتمليكه تعالى، وهي غير مستقلة في عين أنها مالكة. وهذا المعنى هو الذي يعبّر سبحانه عنه بالشفاعة والإِذن، فمن المعلوم أن الاذن إنما يستقيم معناه إذا كان هناك مانع من تصرّف المأذون فيه، والمانع أيضاً إنما يتصور فيما كان هناك مقتض موجود يمنع المانع عن تأثيره ويحول بينه وبين تصرفه.
فقد بان أن في كل السبب مبدئاً مؤثراً مقتضياً للتأثير به يؤثر في مسببه، والأمر مع ذلك لله سبحانه.
4 - القرآن يثبت تأثيراً في نفوس الأنبياء في الخوارق:
ثم إنه تعالى قال:
{ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلاَّ بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون } [غافر: 78]. فأفاد إناطة إتيان أية آية من أيّ رسول بإذن الله سبحانه فبيّن أن إتيان الآيات المعجزة من الأنبياء وصدورها عنهم إنما هو لمبدأ مؤثر موجود في نفوسهم الشريفة متوقف في تأثيره على الإِذن كما مرّ في الفصل السابق.
وقال تعالى:
{ واتّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلاَّ بإذن الله } [البقرة: 102]. والآية كما أنها تصدق صحة السحر في الجملة كذلك تدل على أن السحر أيضاً كالمعجزة في كونه عن مبدأ نفساني في الساحر لمكان الاذن.
وبالجملة جميع الأمور الخارقة للعادة سواء سميت معجزة أو سحراً أو غير ذلك ككرامات الأولياء وسائر الخصال المكتسبة بالارتياضات والمجاهدات جميعها مستندة إلى مباد نفسانية ومقتضيات إرادية على ما يشير إليه كلامه سبحانه إلاَّ أن كلامه ينص على أن المبدأ الموجود عند الأنبياء والرسل والمؤمنين هو الفائق الغالب على كل سبب وفي كل حال، قال تعالى:
{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } [الصافات: 171-173]، وقال تعالى: { كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي } [المجادلة: 21]، وقال تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } [غافر: 51]. والآيات مطلقة غير مقيدة.
ومن هنا يمكن أن يستنتج أن هذا المبدأ الموجود المنصور أمر وراء الطبيعة وفوق المادة. فإن الأمور المادية مقدرة محدودة مغلوبة لما هو فوقها قدراً واحداً عند التزاحم والمغالبة، والأمور المجردة أيضاً، وإن كانت كذلك إلاَّ أنها لا تزاحم بينها ولا تمانع إلاَّ أن تتعلق بالمادة بعض التعلق، وهذا المبدأ النفساني المجرد المنصور بإراده الله سبحانه إذا قابل مانعاً مادياً أفاض إمداداً على السبب بما لا يقاومه سبب مادي يمنعه، فافهم.
5- القرآن كما يسند الخوارق إلى تأثير النفوس يسندها إلى أمر الله تعالى:
ثم إن الجملة الأخيرة من الآية السابقة في الفصل السابق أعني قوله تعالى:
{ فإذا جاء أمر الله قضي بالحق } [غافر: 78] الآية، تدل على أن تأثير هذا المقتضى يتوقف على أمر من الله تعالى يصاحب الاذن الذي كان يتوقف عليه أيضاً فتأثير هذا المقتضى يتوقف على مصادفته الأمر أو اتحاده معه. وقد فسّر الأمر في قوله تعالى: { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } [يس: 82]، بكلمة الايجاد وقول: كن. وقال تعالى: { إنَّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله } [الإنسان: 29-30]، وقال: { إنْ هو إلاَّ ذكر للعالمين * لمن شآء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلاَّ أنْ يشاء الله رب العالمين } [التكوير: 27-29]، دلّت الآيات على أن الأمر الذي للإِنسان أن يريده وبيده زمام اختياره لا يتحقق موجوداً إلاَّ أن يشاء الله ذلك بأن يشاء أن يشاء الإِنسان ويريد إرادة الإِنسان، فإن الآيات الشريفة في مقام أن أفعال الإِنسان الإِرادية وإن كانت بيد الإِنسان بإرادته لكن الإِرادة والمشيئة ليست بيد الإِنسان بل هي مستندة إلى مشيئة الله سبحانه، وليست في مقام بيان أن كل ما يريده الإِنسان فقد أراده الله فإنه خطأ فاحش ولازمه أن يتخلف الفعل عن إرادة الله سبحانه عند تخلفه عن إرادة الإِنسان، تعالى الله عن ذلك. مع أنه خلاف ظواهر الآيات الكثيرة الواردة في هذا المورد كقوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } [السجدة: 13]. وقوله تعالى: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً } [يونس: 99]، إلى غير ذلك، فإرادتنا ومشيئتنا إذا تحققت فينا فهي مرادة بإرادة الله ومشيئته لها وكذا أفعالنا مرادة له تعالى من طريق إرادتنا ومشيئتنا بالواسطة. وهما: أعني الإِرادة والفعل جميعاً متوقفان على أمر الله سبحانه وكلمة كن.
فالأمور جميعاً سواء كانت عادية أو خارقة للعادة، وسواء كان خارق العادة في جانب الخير والسعادة كالمعجزة والكرامة، أو في جانب الشر كالسحر والكهانة مستندة في تحققها إلى أسباب طبيعية، وهي مع ذلك متوقفة على إرادة الله، لا توجد إلاَّ بأمر الله سبحانه أي بأن يصادف السبب أو يتحد مع أمر الله سبحانه.
وجميع الأشياء وإن كانت من حيث إستناد وجودها إلى الأمر الإِلهي على حد سواء بحيث إذا تحقق الإِذن والأمر تحققت عن أسبابها، وإذا لم يتحقق الإِذن والأمر لم تتحقق، أي لم تتم السببية إلاَّ أن قسماً منها وهو المعجزة من الأنبياء أو ما سأله عبد ربه بالدعاء لا يخلو عن إرادة موجبة منه تعالى وأمر عزيمة كما يدل عليه قوله:
{ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } [المجادلة: 21] الآية ، وقوله تعالى: { أُجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ } [البقرة: 186] الآية، وغير ذلك من الآيات المذكورة في الفصل السابق.
6 - القرآن يسند المعجزة إلى سبب غير مغلوب:
فقد تبيّن من الفصول السابقة من البحث أن المعجزة كسائر الأمور الخارقة للعادة لا تفارق الأسباب العادية في الاحتياج إلى سبب طبيعي وان مع الجميع أسباباً باطنية وأن الفرق بينها أن الأمور العادية ملازمة لأسباب ظاهرية تصاحبها الأسباب الحقيقية الطبيعية غالباً أو مع الأغلب، ومع تلك الأسباب الحقيقية إرادة الله وأمره، والأمور الخارقة للعادة من الشرور كالسحر والكهانة مستندة إلى أسباب طبيعية مفارقة للعادة مقارنة للسبب الحقيقي بالإِذن والإِرادة كاستجابة الدعاء ونحو ذلك من غير تحد يبتنى عليه ظهور حق الدعوة وأن المعجزة مستندة إلى سبب طبيعي حقيقي بإذن الله وأمره إذا كان هناك تحد يبتنى عليه صحة النبوة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى وأن القسمين الآخرين يفارقان سائر الأقسام في أن سببهما لا يصير مغلوباً مقهوراً قط بخلاف سائر المسببات.
فإن قلت: فعلى هذا، لو فرضنا الإِحاطة والبلوغ إلى السبب الطبيعي الذي للمعجزة كانت المعجزة ميسورة ممكنة الإِتيان لغير النبي أيضاً ولم يبق فرق بين المعجزة وغيرها إلاَّ بحسب النسبة والإِضافه فقط فيكون حينئذٍ أمر ما معجزة بالنسبة إلى قوم غير معجزة بالنسبة إلى آخرين، وهم المطلعون على سببها الطبيعي الحقيقي، وفي عصر دون عصر، وهو عصر العلم، فلو ظفر البحث العلمي على الأسباب الحقيقية الطبيعية القصوى لم يبق مورد للمعجزة ولم تكشف المعجزة عن الحق. ونتيجة هذا البحث أن المعجزة لا حجية فيها إلاَّ على الجاهل بالسبب فليست حجة في نفسها.
قلت: كلاّ، فليست المعجزة معجزة من حيث أنها مستندة إلى سبب طبيعي مجهول حتى تنسلخ عن اسمها عند ارتفاع الجهل وتسقط عن الحجية، ولا أنها معجزة من حيث استنادها إلى سبب مفارق للعادة، بل هي معجزة من حيث أنها مستندة إلى أمر مفارق للعادة غير مغلوب السبب قاهرة العلة البتة، وذلك كما أن الأمر الحادث من جهة استجابة الدعاء كرامة من حيث استنادها إلى سبب غير مغلوب كشفاء المريض مع أنه يمكن أن يحدث من غير جهته كجهة العلاج بالدواء غير أنه حينئذٍ أمر عادي يمكن أن يصير سببه مغلوباً مقهوراً بسبب آخر أقوى منه.
7 - القرآن يعد المعجزة برهاناً على صحة الرسالة لا دليلاً عامياً:
وَها هُنا سؤال وهو: أنه ما هي الرابطة بين المعجزة وبين حقية دعوى الرسالة، مع أن العقل لا يرى تلازماً بين صدق الرسول في دعوته إلى الله سبحانه وبين صدور أمر خارق للعادة عن الرسول على أن الظاهر من القرآن الشريف، تقرير ذلك فيما يحكيه من قصص عدة من الأنبياء كهود وصالح وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم على ما يقصه القرآن حينما بثوا دعوتهم سئلوا عن آية تدل على حقيّة دعواهم فأجابوهم فيما سئلوا وجاؤوا بالآيات.
وربما أعطوا المعجزة في أول البعثة قبل أن يسألهم أممهم شيئاً من ذلك كما قال تعالى في موسى عليه السلام وهارون:
{ اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري } [طه: 42]، وقال تعالى في عيسى عليه السلام: { ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأُحيي الموتى بإذن الله وأُنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم إنَّ في ذلك لآية لكم إنْ كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، وكذا إعطاء القرآن معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالجملة فالعقل الصريح لا يرى تلازماً بين حقية ما أتى به الأنبياء والرسل من معارف المبدأ والمعاد وبين صدور أمر يخرق العادة عنهم.
مضافاً إلى أن قيام البراهين الساطعة على هذه الأصول الحقة يغني العالم البصير بها عن النظر في أمر الإِعجاز، ولذا قيل إن المعجزات لإِقناع نفوس العامة لقصور عقولهم عن إدراك الحقائق العقلية، وأما الخاصة فإنهم في غنى عن ذلك.
والجواب عن هذا السؤال أن الأنبياء والرسل عليهم السلام لم يأتوا بالآيات المعجزة لإِثبات شيء من معارف المبدأ والمعاد مما يناله العقل كالتوحيد والبعث وأمثالها وإنما اكتفوا في ذلك بحجة العقل والمخاطبة من طريق النظر والاستدلال كقوله تعالى:
{ قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } [إبراهيم: 10] في الاحتجاج على التوحيد قوله تعالى: { ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } [ص: 27-28]، في الاحتجاج على البعث. وإنما سئل الرسل المعجزة وأتوا بها لإِثبات رسالتهم وتحقيق دعواها.
وذلك أنهم ادعوا الرسالة من الله بالوحي وأنه بتكليم إلهي أو نزول ملك ونحو ذلك وهذا شيء خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الإِدراكات الظاهرة والباطنة التي يعرفها عامة الناس ويجدونها من أنفسهم، بل إدراك مستور عن عامة النفوس لو صح وجوده لكان تصرفاً خاصاً مما وراء الطبيعة في نفوس الأنبياء فقط، مع أن الأنبياء كغيرهم من أفراد الناس في البشرية وقواها، ولذلك صادفوا إنكاراً شديداً من الناس ومقاومة عنيفة في رده على أحد وجهين:
فتارة حاول الناس إبطال دعواهم بالحجة كقوله تعالى:
{ قالوا إن أنتم إلاَّ بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عمّا كان يعبد آباؤنا } [إبراهيم: 10]، استدلوا فيها على بطلان دعواهم الرسالة بأنهم مثل سائر الناس والناس لا يجدون شيئاً مما يدعونه من أنفسهم مع وجود المماثلة، ولو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع هذا، ولهذا أجاب الرسل عن حجتهم بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: { قالت لهم رسلهم إنْ نحن إلاَّ بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشآء من عباده } [إبراهيم: 11]، فردوا عليهم بتسليم المماثلة وان الرسالة من منن الله الخاصة، والاختصاص ببعض النعم الخاصة لا ينافي المماثلة، فللناس اختصاصات، نعم لو شاء أن يمتن على من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع، فالنبوّة مختصة بالبعض وإن جاز على الكل.
ونظير هذا الاحتجاج قولهم في النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما حكاه الله تعالى:
{ أأنزل عليه الذكر من بيننا } [ص: 8]، وقولهم كما حكاه الله: { لولا أُنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [الزخرف: 31]. ونظير هذا الاحتجاج أو قريب منه ما في قول تعالى: { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أُنزل عليه ملك فيكون معه نذيراً أو يُلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها } [الفرقان: 7-8]، ووجه الاستدلال أن دعوى الرسالة توجب أن لا يكون بشراً مثلنا لكونه ذا أحوال من الوحي وغيره ليس فينا فَلِمَ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لاكتساب المعيشة؟ بل يجب أن ينزل معه ملك يشاركه في الإِنذار أو يلقي إليه كنز فلا يحتاج إلى مشي الأسواق للكسب أو تكون له جنة فيأكل منها لا مما نأكل منه من طعام، فرد الله تعالى عليهم بقوله: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً } [الفرقان: 9] إلى أن قال: { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلاَّ إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً } [الفرقان: 20]، ورد تعالى في موضع آخر مطالبتهم مباشرة الملك للإِنذار بقوله: { ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون } [الأنعام: 9]. وقريب من ذلك الاحتجاج أيضاً ما في قوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً } [الفرقان: 21]، فأبطلوا بزعمهم دعوى الرسالة بالوحي بمطالبة أن يشهدوا نزول الملك أو رؤية الرب سبحانه لمكان المماثلة مع النبي، فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً } [الفرقان: 22]، فذكر أنهم والحال حالهم لا يرون الملائكة إلاَّ مع حال الموت كما ذكره في موضع آخر بقوله تعالى: { وقالوا يا أيُّها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزّل الملائكة إلاَّ بالحق وما كانوا إذاً منظرين } [الحجر: 6-8]، وتشتمل هذه الآيات الأخيرة على زيادة في وجه الاستدلال، وهو تسليم صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعواه إلاَّ أنه مجنون وما يحكيه ويخبر به أمر يسوّله له الجنون غير مطابق للواقع كما في موضع آخر من قوله: { وقالوا مجنون وازدجر } [القمر: 9]. وبالجملة فأمثال هذه الآيات مسوقة لبيان إقامتهم الحجة على إبطال دعوى النبوّة من طريق المماثلة.
وتارة أُخرى أقاموا أنفسهم مقام الإِنكار وسؤال الحجة والبيّنة على صدق الدعوة لاشتمالها على ما تنكره النفوس ولا تعرفه العقول (على طريقة المنع مع السند باصطلاح فن المناظرة) وهذه البيّنة هي المعجزة، بيان ذلك أن دعوى النبوّة والرسالة من كل نبي ورسول على ما يقصه القرآن إنما كانت بدعوى الوحي والتكليم الإِلهي بلا واسطة أو بواسطة نزول الملك، وهذا أمر لا يساعد عليه الحس ولا تؤيده التجربة فيتوجه عليه الإِشكال من جهتين: إحداهما من جهة عدم الدليل عليه، والثانية من جهة الدليل على عدمه، فإن الوحي والتكليم الإِلهي وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية مما لا يشاهده البشر من أنفسهم، والعادة الجارية في الأسباب والمسببات تنكرة فهو أمر خارق للعادة، وقانون العلية العامة لا يجوّزه، فلو كان النبي صادقاً في دعواه النبوة والوحي كان لازمه أنه متصل بما وراء الطبيعة، مؤيد بقوة إلهية تقدر على خرق العادة وأن الله سبحانه يريد بنبوته والوحي إليه خرق العادة، فلو كان هذا حقاً ولا فرق بين خارق وخارق كان من الممكن أن يصدر من النبي خارق آخر للعادة من غير مانع وأن يخرق الله العادة بأمر آخر يصدق النبوّة والوحي من غير مانع عنه فإن حكم الأمثال واحد فلئن أراد الله هداية الناس بطريق خارق للعادة وهو طريق النبوّة والوحي فليؤيدها وليصدقها بخارق آخر وهو المعجزة.
وهذا هو الذي بعث الأمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوة كلما جاءهم رسول من أنفسهم بعثا بالفطرة والغريزة وكان سؤال المعجزة لتأييد الرسالة وتصديقها لا للدلالة على صدق المعارف الحقة التي كان الأنبياء يدعون إليها مما يمكن أن يناله البرهان كالتوحيد والمعاد، ونظير هذا ما لو جاء رجل بالرسالة إلى قوم من قبل سيدهم الحاكم عليهم ومعه أوامر ونواه يدعيها للسيد، فإن بيانه لهذه الأحكام وإقامتة البرهان على أن هذه الأحكام مشتملة على مصلحة القوم وهم يعلمون أن سيدهم لا يريد إلاَّ صلاح شأنهم، إنما يكفي في كون الأحكام التي جاء بها حقة صالحة للعمل، ولا تكفي البراهين والأدلة المذكورة في صدق رسالتة وأن سيدهم أراد منهم بإرساله إليهم ما جاء به من الأحكام بل يطالبونه ببينة أو علامة تدل على صدقه في دعواه ككتاب بخطه وخاتمه يقرؤونه، أو علامة يعرفونها، كما قال المشركون للنبي:
{ حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه } [الإسراء: 93]. فقد تبيّن بما ذكرناه أولاً: التلازم بين صدق دعوى الرسالة وبين المعجزة وأنها الدليل على صدق دعواها لا يتفاوت في ذلك حال الخاصة والعامة في دلالتها وإثباتها، وثانياً أن ما يجده الرسول والنبي من الوحي ويدركه منه من غير سنخ ما نجده بحواسنا وعقولنا النظرية الفكرية، فالوحي غير الفكر الصائب؛ وهذا المعنى في كتاب الله تعالى من الوضوح والسطوع بحيث لا يرتاب فيه من له أدنى فهم وأقل إنصاف.
وقد انحرف في ذلك جمع من الباحثين من أهل العصر فراموا بناء المعارف الإِلهية والحقائق الدينية على ما وصفه العلوم الطبيعية من أصالة المادة المتحولة المتكاملة، فقد رأوا أن الإِدراكات الإِنسانية خواص مادية مترشحة من الدماغ وأن الغايات الوجودية وجميع الكمالات الحقيقية استكمالات فردية أو اجتماعية مادية.
فذكروا أن النبوّة نوع نبوغ فكري وصفاء ذهني يستحضر به الإِنسان المسمى نبياً كمال قومه الاجتماعي ويريد به أن يخلصهم من ورطة الوحشية والبربرية إلى ساحة الحضارة والمدنية فيستحضر ما ورثه من العقائد والآراء ويطبقها على مقتضيات عصره ومحيط حياته، فيقنن لهم أصولاً اجتماعية وكليات عملية يستصلح بها أفعالهم الحيوية ثم يتمم ذلك بأحكام وأمور عبادية ليستحفظ بها خواصهم الروحية لافتقار الجامعة الصالحة والمدنية الفاضلة إلى ذلك ويتفرع على هذا الافتراض:
أولاً: أن النبي إنسان متفكر نابغ يدعو قومه إلى صلاح محيطهم الاجتماعي.
وثانياً: أن الوحي هو انتقاش الأفكار الفاضلة في ذهنه.
وثالثاً: أن الكتاب السماوي مجموع هذه الأفكار الفاضلة المنزهة عن التهوسات النفسانية والأغراض النفسانية الشخصية.
ورابعاً: أن الملائكة التي أخبر بها النبي قوى طبيعية تدبّر أمور الطبيعة أو قوى نفسانية تفيض كمالات النفوس عليها، وأن روح القدس مرتبة من الروح الطبيعية المادية تترشح منها هذه الأفكار المقدسة، وأن الشيطان مرتبة من الروح تترشح منها الأفكار الردية وتدعو إلى الأعمال الخبيثة المفسدة للاجتماع، وعلى هذا الأسلوب فسروا الحقائق التي أخبر بها الأنبياء كاللوح والقلم والعرش والكرسي والكتاب والحساب والجنة والنار بما يلائم الأصول المذكورة.
وخامساً: أن الأديان تابعة لمقتضيات أعصارها تتحوّل بتحولها.
وسادساً: أن المعجزات المنقولة عن الأنبياء المنسوبة إليهم خرافات مجعولة أو حوادث محرّفة لنفع الدين وحفظ عقائد العامة عن التبدل بتحول الأعصار أو لحفظ مواقع أئمة الدين ورؤساء المذهب عن السقوط والاضمحلال إلى غير ذلك مما أبدعه قوم وتبعهم آخرون.
هذه جمل ما ذكروه، والنبوة بهذا المعنى لأن تسمى لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوّة إلهية، والكلام التفصيلي في أطراف ما ذكروه خارج عن البحث المقصود في هذا المقام.
والذي يمكن أن يقال فيه ها هُنا أن الكتب السماوية والبيانات النبوية المأثورة على ما بأيدينا لا توافق هذا التفسير ولا تناسبه أدنى مناسبة، وإنما دعاهم إلى هذا النوع من التفسير إخلادهم إلى الأرض وركونهم إلى مباحث المادة فاستلزموا إنكار ما وراء الطبيعة وتفسير الحقائق المتعالية عن المادة بما يسلخها عن شأنها وتعيدها إلى المادة الجامدة.
وما ذكره هؤلاء هو في الحقيقة تطور جديد فيما كان يذكره آخرون فقد كانوا يفسرون جميع الحقائق المأثورة في الدين بالمادة غير أنهم كانوا يثبتون لها وجودات غائبة عن الحسّ كالعرش والكرسي واللوح والقلم والملائكة ونحوها من غير مساعدة الحسّ والتجربة على شيء من ذلك، ثم لما اتسع نطاق العلوم الطبيعية وجرى البحث على أساس الحس والتجربة لزم الباحثين على ذلك الأسلوب أن ينكروا لهذه الحقائق وجوداتها المادية الخارجة عن الحس أو البعيدة عنه وأن يفسروها بما تعيدها إلى الوجود المادي المحسوس ليوافق الدين ما قطع به العلم ويستحفظ بذلك عن السقوط.
فهاتان الطائفتان بين باغ وعاد، أما القدماء من المتكلمين فقد فهموا من البيانات الدينية مقاصدها حق الفهم من غير مجاز غير أنهم رأوا أن مصاديقها جميعاً أمور مادية محضة لكنها غائبة عن الحس غير محكومة بحكم المادة أصلاً والواقع خلافه، وأما المتأخرون من باحثي هذا العصر ففسروا البيانات الدينية بما أخرجوها به عن مقاصدها البينة الواضحة، وطبقوها على حقائق مادية ينالها الحس وتصدقها التجربة مع أنها ليست بمقصودة، ولا البيانات اللفظية تنطبق على شيء منها.
والبحث الصحيح يوجب أن تفسر هذه البيانات اللفظية على ما يعطيها اللفظ في العرف واللغة ثم يعتمد في أمر المصداق على ما يفسر به بعض الكلام بعضاً ثم ينظر، هل الأنظار العلمية تنافيها أو تبطلها؟ فلو ثبت فيها في خلال ذلك شيء خارج عن المادة وحكمها فإنما الطريق إليه إثباتاً أو نفياً طور آخر من البحث غير البحث الطبيعي الذي تتكفله العلوم الطبيعية، فما للعلم الباحث عن الطبيعة وللأمر الخارج عنها؟ فإن العلم الباحث عن المادة وخواصها ليس من وظيفته أن يتعرض لغير المادة خواصها لا إثباتاً ولا نفياً.
ولو فعل شيئاً منه باحث من بحّاثه كان ذلك منه شططاً من القول، نظير ما لو أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك نفياً أو إثباتاً، ولنرجع إلى بقية الآيات.
وقوله تعالى: {فاتّقوا النار التي وقودها الناس والحجارة}. سوق الآيات من أول السورة وإن كانت لبيان حال المتّقين والكافرين والمنافقين (الطوائف الثلاث) جميعاً لكنه سبحانه حيث جمعهم طرّاً في قوله: {يا أيُّها النَّاس اعبدوا ربكم}، ودعاهم إلى عبادته تقسّموا لا محالة إلى مؤمن وغيره فإن هذه الدعوة لا تحتمل من حيث إجابتها وعدمها غير القسمين: المؤمن والكافر، وأما المنافق فإنما يتحقق بضم الظاهر إلى الباطن، واللسان إلى القلب فكان هناك من جمع بين اللسان والقلب إيماناً أو كفراً ومن اختلف لسانه وقلبه وهو المنافق، فلما ذكرنا (لعلّه) أسقط المنافقون من الذكر، وخصّ بالمؤمنين والكافرين ووضع الإِيمان مكان التقوى.
ثم إن الوقود ما توقد به النار وقد نصّت الآية على أنه نفس الإِنسان، فالإِنسان وقود وموقود عليه، كما في قوله تعالى أيضاً:
{ ثم في النار يسجرون } [غافر: 72]. وقوله تعالى: { نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة } [الهمزة: 6-7]، فالإِنسان معذَّب بنار توقده نفسه، وهذه الجملة نظيرة قوله تعالى: { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رُزِقْنا من قبل وأْتوا به متشابهاً } [البقرة: 25]، ظاهرة في أنه ليس للإِنسان هناك إلاَّ ما هيّأه من ها هُنا، كما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" الحديث. وإن كان بين الفريقين فرق من حيث أن لأهل الجنة مزيداً عند ربهم. قال تعالى: { لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد } [ق: 35]. والمراد بالحجارة في قوله: {وقودها الناس والحجارة}، الأصنام التي كانوا يعبدونها، ويشهد به قوله تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنّم } [الأنبياء: 98]، الآية، والحصب هو الوقود.
وقوله تعالى: {لهم فيها أزواج مطهّرة}، قرينة الأزواج تدل على أن المراد بالطهارة هي الطهارة من أنواع الأقذار والمكاره التي تمنع من تمام الالتئام والالفة والانس من الأقذار والمكاره الخَلقيّة والخُلقيّة.
(بحث روائي)
روى الصدوق، قال: سئل الصادق عليه السلام عن الآية فقال: الأزواج المطهّرة اللاتي لا يحضن ولا يحدثن.
أقول: وفي بعض الروايات تعميم الطهارة للبراءة عن جميع العيوب والمكاره.