التفاسير

< >
عرض

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ
٢٢٢
نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٢٣
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} "الخ"، المحيض مصدر كالحيض، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضاً، ومحيضاً إذا نزفت طبيعتها الدم المعروف ذا الصفات المعهودة المختصة بالنساء، ولذلك يقال هي حائض، كما يقال: هي حامل.
والأذى هو الضرر على ما قيل، لكنه لا يخلو عن نظر، فإنه لو كان هو الضرر بعينه لصح مقابلته مع النفع كما أن الضرر مقابل النفع وليس بصحيح، يقال: دواء مضر وضار، ولو قيل دواء موذ أفاد معنى آخر، وأيضاً قال تعالى:
{ لن يضروكم إلا أذى } [آل عمران: 111]، ولو قيل لن يضروكم إلا ضرراً لفسد الكلام، وأيضاً كونه بمعنى الضرر غير ظاهر في امثال قوله تعالى: { إن الذين يؤذون الله ورسوله } [الأحزاب: 57]، وقوله تعالى: { لِمَ تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } [الصف: 5]، فالظاهر ان الأذى هو الطارئ على الشيء غير الملائم لطبعه فينطبق عليه معنى الضرر بوجه.
وتسمية المحيض أذى على هذا المعنى لكون هذا الدم المستند إلى عادة النساء حاصلاً من عمل خاص من طبعها يؤثر به في مزاج الدم الطبيعي الذي يحصله جهاز التغذية فيفسد مقداراً منه عن الحال الطبيعي وينزله إلى الرحم لتطهيره أو لتغذية الجنين أو لتهيئة اللبن للإرضاع، وأما على قولهم: إن الأذى هو الضرر فقد قيل: إن المراد بالمحيض اتيان النساء في حال الحيض، والمعنى: يسألونك عن اتيانهن في هذه الحال، فأجيب بأنه ضرر وهو كذلك فقد ذكر الأطباء أن الطبيعة مشتغلة في حال الطمث بتطهير الرحم واعداده للحمل، والوقاع يختل به نظام هذا العمل فيضر بنتائج هذا العمل الطبيعي من الحمل وغيره.
قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن}، الاعتزال هو أخذ العزلة والتجنب عن المخالطة والمعاشرة، يقال: عزلت نصيبه إذا ميزته ووضعته في جانب بالتفريق بينه وبين سائر الأنصباء، والقرب مقابل البعد يتعدى بنفسه وبمن، والمراد بالاعتزال ترك الإتيان من محل الدم على ما سنبين.
وقد كان للناس في أمر المحيض مذاهب شتى: فكانت اليهود تشدد في أمره، وتفارق النساء في المحيض في المأكل والمشرب والمجلس والمضجع، وفي التوراة أحكام شديدة في أمرهن في المحيض، وأمر من قرب منهن في المجلس والمضجع والمس وغيره ذلك، وأما النصارى فلم يكن عندهم ما يمنع الاجتماع بهن أو الاقتراب منهن بوجه، وأما المشركون من العرب فلم يكن عندهم شيء من ذلك غير ان العرب القاطنين بالمدينة وحواليها سرى فيهم بعض آداب اليهود في أمر المحيض والتشديد في أمر معاشرتهن في هذا الحال، وغيرهم ربما كانوا يستحبون إتيان النساء في المحيض ويعتقدون أن الولد المرزوق حينئذ يصير سفاحاً ولوعاً في سفك الدماء وذلك من الصفات المستحسنة عند العشائر من البدويين.
وكيف كان فقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض}، وإن كان ظاهره الأمر بمطلق الاعتزال على ما قالت به اليهود، ويؤكده قوله تعالى ثانياً: {ولا تقربوهن}، إلا أن قوله تعالى أخيراً {فأتوهن من حيث أمركم الله} - ومن المعلوم أنه محل الدم - قرينة على أن قوله: {فاعتزلوا ولا تقربوا}، واقعان موقع الكناية لا التصريح. والمراد به الإتيان من محل الدم فقط لا مطلق المخالطة والمعاشرة ولا مطلق التمتع والاستلذاذ.
فالاسلام قد أخذ في أمر المحيض طريقاً وسطاً بين التشديد التام الذي عليه اليهود والإهمال المطلق الذي عليه النصارى، وهو المنع عن إتيان محل الدم والاذن فيما دونه، وفي قوله تعالى في المحيض، وضع الظاهر موضع المضمر وكان الظاهر أن يقال: فاعتزلوا النساء فيه والوجه فيه أن المحيض الأول أريد به المعنى المصدري والثاني زمان الحيض، فالثاني غير الأول، ولا يفيد معناه تبديله من الضمير الراجع إلى غير معناه.
قوله تعالى: {حتى يطهرن فإذا تطهرن فأْتوهن من حيث أمركم الله}، الطهارة وتقابلها النجاسة - من المعاني الدائرة في ملة الإسلام ذات أحكام وخواص مجعولة فيها تشتمل على شطر عظيم من المسائل الدينية، وقد صار اللفظان بكثرة الاستعمال من الحقائق الشرعية أو المتشرعة على ما اصطلح عليه في فن الأصول.
وأصل الطهارة بحسب المعنى مما يعرفه الناس على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، ومن هنا يعلم أنها من المعاني التي يعرفها الإنسان في خلال حياته من غير اختصاص بقوم دون قوم أو عصر دون عصر.
فإن أساس الحياة مبني على التصرف في الماديات والبلوغ بها إلى مقاصد الحياة والاستفادة منها لمأرب العيش، فالإنسان يقصد كل شيء بالطبع لما فيه من الفائدة والخاصية والجدوى، ويرغب فيه لذلك، وأوسع هذه الفوائد الفوائد المربوطة بالتغذي والتوليد.
وربما عرض للشيء عارض يوجب تغيره عما كان عليه من الصفات الموجبة لرغبة الطبع فيه، وعمدة ذلك الطعم والرائحة واللون، فأوجب ذلك تنفر الطبع وانسلاب رغبته عنه، وهذا هو المسمى بالنجاسة وبها يستقذر الإنسان الشيء فيجتنبه، وما يقابله وهو كون الشيء على حاله الأولى من الفائدة والجدوى الذي به يرغب فيه الطبع هو الطهارة، فالطهارة والنجاسة وصفان وجوديان في الأشياء من حيث وجدانها صفة توجب الرغبة فيها، أو صفه توجب كراهتها واستقذارها.
وقد كان أول ما تنبه الإنسان بهذين المعنيين انتقل بهما في المحسوسات ثم أخذ في تعميمها للأمور المعقولة غير المحسوسة لوجود أصل معنى الرغبة والنفرة فيها كالأنساب، والأفعال والأخلاق، والعقائد، والأقوال.
هذا ملخص القول في معنى الطهارة والنجاسة عند الناس، وأما النظافة والنزاهة والقدس والسبحان، فألفاظ قريبة المعنى من الطهارة، غير أن النظافة هي الطهارة العائدة إلى الشيء بعد قذارة سابقة ويختص استعمالها بالمحسوسات، والنزاهة أصلها البعد، وأصل إطلاقها على الطهارة من باب الاستعارة، والقدس والسبحان يختصان بالمعقولات والمعنويات، وأما القذارة والرجس فلفظان قريبا المعنى من النجاسة، لكن الأصل في القذارة معنى البعد، يقال: ناقة قذرور تترك ناحية من الإبل وتستبعد، ويقال: رجل قاذورة لا يخال الناس لسوء خلقه ولا ينازلهم، ورجل مقذر بالفتح يجتنبه الناس، ويقال: قذرت الشيء بالكسر وتقذرته واستقذرته إذا كرهته، وعلى هذا يكون أصل استعمال القذارة بمعنى النجاسة من باب الاستعارة لاستلزام نجاسة الشيء تبعد الإنسان عنه، وكذلك الرجس والرجز بكسر الراء، وكأن الأصل في معناه الهول والوحشة فدلالته على النجاسة استعارية.
وقد اعتبر الإسلام معنى الطهارة والنجاسة، وعممهما في المحسوس والمعقول، وطردهما في المعارف الكلية، وفي القوانين الموضوعة، قال تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} الآية، وهو النقاء من الحيض وانقطاع الدم، وقال تعالى:
{ وثيابك فطهر } [المدثر: 4]، وقال تعالى: { ولكن يريد ليطهركم } [المائدة: 6]، وقال تعالى: { أُولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } [المائدة: 41]، وقال تعالى: { لا يمسه إلا المطهرون } [الواقعة: 79]. وقد عدت الشريعة الإسلامية عدة أشياء نجسة كالدم، والبول، والغائط، والمني من الإنسان وبعض الحيوان والميتة والخنزير أعياناً نجسة، وحكم بوجوب الاجتناب عنها في الصلاة وفي الأكل وفي الشرب، وقد عد من الطهارة أموراً كالطهارة الخبثية المزيلة للنجاسة الحاصلة بملاقات الأعيان النجسة، وكالطهارة الحدثية المزيلة للحدث الحاصلة بالوضوء والغسل على الطرق المقررة شرعاً المشروحة في كتب الفقه.
وقد مر بيان أن الإسلام دين التوحيد فهو يرجع الفروع إلى أصل واحد هو التوحيد، وينشر الأصل الواحد في فروعه.
ومن هنا يظهر: أن أصل التوحيد هي الطهارة الكبرى عند الله سبحانه، وبعد هذه الطهارة بقية المعارف الكلية طهارات للأنسان، وبعد ذلك أُصول الأخلاق الفاضلة، وبعد ذلك الأحكام الموضوعة لصلاح الدنيا والآخرة، وعلى هذا الأصل تنطبق الآيات السابقة المذكورة آنفاً كقوله تعالى:
{ يريد ليطهركم } [المائدة: 6]، وقوله تعالى: { ويطهركم تطهيراً } [الأحزاب: 33]، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في معنى الطهارة.
ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله تعالى: {حتى يطهرن}، أي ينقطع عنهن الدم، وهو الطهر بعد الحيض، وقوله تعالى: {فإذا تطهرن}، أي يغسلن محل الدم أو يغتسلن، قوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله}، أمر يفيد الجواز لوقوعه بعد الحظر، وهو كناية عن الأمر بالجماع على ما يليق بالقرآن الشريف من الأدب الإلهي البارع، وتقييد الأمر بالإتيان بقوله {أمركم الله}، لتتميم هذا التأدب، فإن الجماع مما يعد بحسب بادي النظر لغواً ولهواً فقيده بكونه مما أمر الله به أمراً تكوينياً للدلالة على أنه مما يتم به نظام النوع الإنساني في حياته وبقائه فلا ينبغي عده من اللغو واللهو بل هو من أصول النواميس التكوينية.
وهذه الآية أعني قوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله}، تماثل قوله تعالى:
{ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم } [البقرة: 187]، وقوله تعالى: { فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، من حيث السياق، فالظاهر ان المراد بالأمر بالإتيان في الآية هو الأمر التكويني المدلول عليه بتجهيز الإنسان بالاعضاء والقوى الهادية إلى التوليد، كما ان المراد بالكتابة في قوله تعالى: وابتغوا ما كتب الله لكم أيضاً ذلك، وهو ظاهر، ويمكن أن يكون المراد بالأمر هو الإيجاب الكفائي المتعلق بالازدواج والتناكح نظير سائر الواجبات الكفائية التي لا تتم حياة النوع إلا به لكنه بعيد.
وقد استدل بعض المفسرين بهذه الآية على حرمة إتيان النساء من أدبارهن، وهو من أوهن الإستدلال وأردأه، فإنه مبني: إما على الإستدلال بمفهوم قوله تعالى: {فأتوهن} وهو من مفهوم اللقب المقطوع عدم حجيته، وإما على الاستدلال بدلالة الأمر على النهي عن الضد الخاص وهو مقطوع الضعف.
على ان الاستدلال لو كان بالأمر في قوله تعالى: {فأتوهن} فهو واقع عقيب الحظر لا يدل على الوجوب، ولو كان بالأمر في قوله تعالى: {من حيث أمركم الله}، فهو إن كان أمراً تكوينياً كان خارجاً عن الدلالة اللفظية، وإن كان أمراً تشريعياً كان للإيجاب الكفائي، والدلالة على النهي عن الضد على تقدير التسليم إنما هي للأمر الإيجابي العيني المولوي.
قوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، التوبة هي الرجوع إلى الله سبحانه والتطهر هو الأخذ بالطهارة، وقبولها فهو انقلاع عن القذارة ورجوع إلى الأصل الذي هو الطهارة، فالمعنيان يتصادقان في مورد أوامر الله سبحانه ونواهيه، وخاصة في مورد الطهارة والنجاسة، فالائتمار بأمر من أوامره تعالى والانتهاء عن كل ما نهى عنه تطهر عن قذارة المخالفة والمفسدة، وتوبة ورجوع إليه عز شأنه، ولمكان هذه المناسبة علل تعالى ما ذكره من الحكم بقوله: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، فإن من اللازم أن ينطبق ما ذكره من العلة على كل ما ذكره من الحكم، أعني قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في الميحض}، وقوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله}، والآية أعني قوله: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، مطلقة غير مقيدة فتشمل جميع مراتب التوبة والطهارة كما مر بيانه، ولا يبعد استفادة المبالغة من قوله تعالى: {المتطهرين}، كما جيء بصيغة المبالغة في قوله: {التوابين}، فينتج استفادة الكثرة في التوبة والطهارة من حيث النوع ومن حيث العدد جميعاً، أعني: إن الله يحب جميع أنواع التوبة سواء كانت بالاستغفار أو بامتثال كل أمر ونهي من تكاليفه أو باتخاذ كل اعتقاد من الاعتقادات الحقة، ويحب جميع أنواع التطهر سواء كان بالاغتسال والوضوء والغسل أو التطهر بالأعمال الصالحة أو العلوم الحقه، ويحب تكرار التوبة وتكرار التطهر.
قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، الحرث مصدر بمعنى الزراعة ويطلق كالزراعة على الأرض التي يعمل فيها الحرث والزراعة، وأنى من أسماء الشرط يستعمل في الزمان كمتى، وربما استعمل في المكان أيضاً، قال تعالى:
{ يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]، فإن كان بمعنى المكان كان المعنى من أي محل شئتم، وإن كان بمعنى الزمان كان المعنى في أي زمان شئتم، وكيف كان يفيد الإطلاق بحسب معناه وخاصة من حيث تقييده بقوله: شئتم، وهذا هو الذي يمنع الأمر - أعني قوله تعالى: {فأتوا حرثكم} - أن يدل على الوجوب إذ لا معنى لإيجاب فعل مع إرجاعه إلى اختيار المكلف ومشيئته.
ثم إن تقديم قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم}، على هذا الحكم، وكذا التعبير عن النساء ثانياً بالحرث لا يخلو عن الدلالة على أن المراد التوسعة في إتيان النساء من حيث المكان أو الزمان الذي يقصدن منه دون المكان الذي يقصد منهن، فإن كان الإطلاق من حيث المكان فلا تعرض للآية الإطلاق الزماني ولا تعارض له مع قوله تعالى في الآية السابقة: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} الآية، وإن كان من حيث الزمان فهو مقيد بآية المحيض، والدليل عليه اشتمال آية المحيض على ما يأبى معه أن ينسخه آية الحرث، وهو دلالة آية المحيض على أن المحيض أذى وأنه السبب لتشريع حرمة إتيانهن في المحيض والمحيض أذى دائماً، ودلالتها أيضاً على أن تحريم الإتيان في المحيض نوع تطهير من القذارة والله سبحانه يحب التطهير دائماً، ويمتن على عباده بتطهيرهم كما قال تعالى:
{ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم } } [المائدة: 6]. ومن المعلوم أن هذا اللسان لا يقبل التقييد بمثل قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، المشتمل أولاً على التوسعة، وهو سبب كان موجوداً مع سبب التحريم وعند تشريعه ولم يؤثر شيئاً فلا يتصور تأثيره بعد استقرار التشريع وثانياً على مثل التذييل الذي هو قوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين}، ومن هذا البيان يظهر: ان آية الحرث لا تصلح لنسخ آية المحيض سواء تقدمت عليها نزولاً أو تأخرت.
فمحصل معنى الآية: أن نسبة النساء إلى المجتمع الإنساني نسبة الحرث إلى الإنسان فكما أن الحرث يحتاج إليه لابقاء البذور وتحصيل ما يتغذى به من الزاد لحفظ الحياة وإبقائها كذلك النساء يحتاج اليهن النوع في بقاء النسل ودوام النوع لأن الله سبحانه جعل تكون الإنسان وتصور مادته بصورته في طباع أرحامهن، ثم جعل طبيعة الرجال وفيهم بعض المادة الأصلية مائلة منعطفة إليهن، وجعل بين الفريقين مودة ورحمة، وإذا كان كذلك كان الغرض التكويني من هذا الجعل هو تقديم الوسيلة لبقاء النوع، فلا معنى لتقييد هذا العمل بوقت دون وقت، أو محل دون محل إذا كان مما يؤدي إلى ذلك الغرض ولم يزاحم أمراً آخر واجباً في نفسه لا يجوز إهماله، وبما ذكرنا يظهر معنى قوله تعالى {وقدموا لأنفسكم}.
ومن غريب التفسير الاستدلال بقوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} الآية، على جواز العزل عند الجماع، والآية غير ناظرة إلى هذا النوع من الإطلاق، ونظيره تفسير قوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم}، بالتسمية قبل الجماع.
قوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين}، قد ظهر: ان المراد من قوله: قدموا لانفسكم وخطاب الرجال أو مجموع الرجال والنساء بذلك الحث على إبقاء النوع بالتناكح والتناسل، والله سبحانه لا يريد من نوع الإنسان وبقائه إلا حياة دينه وظهور توحيده وعبادته بتقواهم العام، قال تعالى:
{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56]، فلو أمرهم بشيء مما يرتبط بحياتهم وبقائهم فإنما يريد توصلهم بذلك إلى عبادة ربهم لا إخلادهم إلى الأرض وانهماكهم في شهوات البطن والفرج، وتيههم في أودية الغي والغفلة.
فالمراد بقوله: {قدموا لأنفسكم} وإن كان هو الاستيلاد وتقدمه أفراد جديدي الوجود والتكون إلى المجتمع الإنساني الذي لا يزال يفقد أفراداً بالموت والفناء، وينقص عدده بمرور الدهر لكن لا لمطلوبيتهم في نفسه بل للتوصل به إلى إبقاء ذكر الله سبحانه ببقاء النسل وحدوث أفراد صالحين ذوي أعمال صالحة تعود مثوباتها وخيراتها إلى انفسهم وإلى صالحي آبائهم المتسببين إليهم، كما قال تعالى:
{ ونكتب ما قدموا وآثارهم } [يس: 12]. وبهذا الذي ذكرنا يتأيد: ان المراد بتقديمهم لانفسهم تقديم العمل الصالح ليوم القيامة كما قال تعالى: { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } [النبأ: 40]، وقال تعالى أيضاً: { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً } [المزمل: 20]، فقوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} "الخ"، مماثل السياق لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } [الحشر: 18]، فالمراد (والله أعلم) بقوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} تقديم العمل الصالح، ومنه تقديم الأولاد برجاء صلاحهم للمجتمع، وبقوله تعالى: {واتقوا الله}، التقوى بالاعمال الصالحة في إتيان الحرث وعدم التعدي عن حدود الله والتفريط في جنب الله وانتهاك محارم الله، وبقوله تعالى: {واعلموا أنكم ملاقوه} "إلخ"، الأمر بتقوى الله بمعنى الخوف من يوم اللقاء وسوء الحساب كما أن المراد بقوله تعالى في آية الحشر: {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} الآية، التقوى بمعنى الخوف، وإطلاق الأمر بالعلم وإرادة لازمه وهو المراقبة والتحفظ والاتقاء شائع في الكلام، قال تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } [الأنفال: 24]، أي اتقوا حيلولته بينكم وبين قلوبكم ولما كان العمل الصالح وخوف يوم الحساب من اللوازم الخاصة بالايمان ذيل تعالى كلامه بقوله: {وبشر المؤمنين}، كما صدر آية الحشر بقوله: {يا أيُّها الذين آمنوا}.
(بحث روائي)
في الدر المنثور: أخرج أحمد وعبد بن حميد، والدارمي، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأبو يعلى، وابن المنذر، وأبو حاتم، والنحاس في ناسخه، وأبو حيان، والبيهقي في سننه عن انس: ان اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فأنزل الله: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل ان يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن خضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله ان اليهود قالت: كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ظننا ان قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل في أثرهما فسقاهما فعرفا انه لم يجد عليهما.
وفي الدر المنثور عن السدي في قوله: {ويسألونك عن المحيض}، قال: الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح.
أقول: وروي مثله عن مقاتل أيضاً.
وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام في حديث في قوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} الآية، قال عليه السلام: هذا في طلب الولد فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله.
وفي الكافي: سئل عن الصادق عليه السلام: ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال عليه السلام: كل شيء ما عدا القبل بعينه.
وفيه أيضاً عنه عليه السلام: في المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيامها، قال عليه السلام: إذا أصاب زوجها شبق فليأمر فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء، قبل أن تغتسل، وفي رواية: والغسل أحب إلي.
أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة جداً وهي تؤيد قراءة يطهرن بالتخفيف وهو انقطاع الدم كما قيل: إن الفرق بين يطهرن ويتطهرن ان الثاني قبول الطهارة، ففيه معنى الاختيار فيناسب الاغتسال، بخلاف الأول فإنه حصول الطهارة، فليس فيه معنى الاختيار فيناسب الطهارة بانقطاع الدم، والمراد بالتطهر إن كان هو الغسل بفتح الغين أفاد استحباب ذلك، وإن كان هو الغسل بضم الغين أفاد استحباب الإتيان بعد الغسل كما أفاده عليه السلام بقوله: والغسل أحب إلي، لا حرمة الإتيان قبله أعني فيما بين الطهارة والتطهر لمنافاته كون يطهرن غاية مضروبة للنهى، فافهم ذلك.
وفي الكافي أيضاً عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، قال: كان الناس يستنجون بالكرسف والأحجار ثم أحدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصنعه فأنزل الله في كتابه: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}.
أقول: والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وفي بعضها: ان أول من استنجى بالماء براء بن عازب فنزلت الآية وجرت به السنة.
وفيه عن سلام بن المستنير، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فدخل عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء، فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفر عليه السلام: أخبرك أطال الله بقاك وامتعنا بك -: إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترقّ قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا وهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا، قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما هي القلوب، مرة تصعب ومرة تسهل ثم قال أبو جعفر عليه السلام أما إن أصحاب محمد قالوا: يا رسول الله نخاف علينا من النفاق؟ قال: فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل يكاد أن نحول عن الحالة التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا ان يكون ذلك نفاقاً؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"كلا إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا، والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم انفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا انكم تذنبون فتستغفرون الله تعالى لخلق خلقاً حتى يذنبوا فيستغفروا الله تعالى فيغفر لهم، ان المؤمن مفتن تواب، أما سمعت قول الله عز وجل: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، وقال تعالى: {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}"
]. أقول: وروى مثله العياشي في تفسيره، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لو تدومون على الحالة، إشارة إلى مقام الولاية وهو الانصراف عن الدنيا والإِشراف على ما عند الله سبحانه، وقد مرّ شطر من الكلام فيها في البحث عن قوله تعالى: { الذين إذا أصابتهم مصيبة } [البقرة: 156]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لولا أنكم تذنبون "الخ"، إشارة إلى سر القدر، وهو انسحاب حكم أسمائه تعالى إلى مرتبة الأفعال وجزئيات الحوادث بحسب ما لمفاهيم الأسماء من الاقتضاءات، وسيجيء الكلام فيه في ذيل قوله تعالى: { وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاَّ بقدر معلوم } [الحجر: 21]، وسائر آيات القدر، وقوله أما سمعت قول الله عز وجل: {إن الله يحب التوابين} "الخ"، من كلام أبي جعفر عليه السلام، والخطاب لحمران، وفيه تفسير التوبة والتطهر بالرجوع إلى الله تعالى من المعاصي وإزالة قذارات الذنوب عن النفس، ورينها عن القلب، وهذا من استفادة مراتب الحكم من حكم بعض المراتب، نظير ما ورد في قوله تعالى: { لا يمسه إلاَّ المطهرون } [الواقعة: 79]، من الاستدلال به على أن علم الكتاب عند المطهرين من أهل البيت، والاستدلال على حرمة مسّ كتابة القرآن على غير طهارة.
وكما أن الخلقة تتنزل آخذة من الخزائن التي عند الله تعالى حتى تنتهي إلى آخر عالم المقادير على ما قال تعالى:
{ وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاَّ بقدر معلوم } [الحجر: 21]، كذلك أحكام المقادير لا تتنزل إلاَّ بالمرور من منازل الحقائق؛ فافهم ذلك، وسيجيء له زيادة توضيح في البحث عن قوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } [آل عمران: 7] الآية.
ومن هنا يستأنس ما مرّت إليه الإِشارة: أن المراد بالتوبة والتطهر في الآية على ظاهر التنزيل هو الغسل بالماء فهو إرجاع البدن إلى الله سبحانه بإزالة القذر عنه.
ويظهر أيضاً: معنى ما تقدم نقله عن تفسير القمي من قوله عليه السلام: أنزل الله على إبراهيم عليه السلام الحنيفية، وهي الطهارة، وهي عشرة أشياء: خمسة في الرأس وخمسة في البدن، فأما التي في الرأس: فأخذ الشارب، وإعفاء اللحى، وطم الشعر، والسواك، والخلال، وأما التي في البدن: فأخذ الشعر من البدن، والختان، وقلم الاظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء، وهي الحنفية الطاهرة التي جاء بها إبراهيم فلم تنسخ ولا تنسخ إلى يوم القيامة، الحديث؛ والأخبار في كون هذه الأمور من الطهارة كثيرة، وفيها: أن النورة طهور.
وفي تفسير العياشي: في قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} الآية، عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: أي شيء تقولون في إتيان النساء في أعجازهن؟ قلت: بلغني أن أهل المدينة لا يرون به بأساً، قال عليه السلام: إن اليهود كانت تقول إذا أتى الرجل من خلفها خرج ولده أحول فأنزل الله: {نساؤكم حرث لكم فأْتوا حرثكم أنى شئتم}، يعني من خلف أو قدام، خلافاً لقول اليهود في أدبارهن.
وفيه عن الصادق عليه السلام في الآية، فقال عليه السلام: من قدامها ومن خلفها في القبل.
وفيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يأتي أهله في دبرها فكره ذلك وقال: وإياكم ومحاش النساء، وقال: إنما معنى: {نساؤكم حرث لكم فأْتوا حرثكم أنى شئتم}، أي ساعه شئتم.
وفيه عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: كتبت إلى الرضا عليه السلام في مثله، فورد الجواب: سألت عمّن أتى جارية في دبرها والمرأة لعبة لا تؤذي وهي حرث كما قال الله.
أقول: والروايات في هذه المعاني عن أئمة أهل البيت كثيرة، مروية في الكافي والتهذيب وتفسيري العياشي والقمي، وهي تدل جميعاً: أن الآية لا تدل على أزيد من الإِتيان من قدامهن، وعلى ذلك يمكن أن يحمل قول الصادق عليه السلام في رواية العياشي عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إتيان النساء في أعجازهن قال: لا بأس ثم تلا هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم فأْتوا حرثكم أنى شئتم}.
أقول: الظاهر أن المراد بالإِتيان في اعجازهن هو الإِتيان من الخلف في الفرج، والاستدلال بالآية على ذلك كما يشهد به خبر معمر بن خلاد المتقدم.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله، قال: كانت الأنصار تأتي نسائها مضاجعة، وكانت قريش تشرح شرحاً كثيراً فتزوج رجل من قريش امرأة من الأنصار فأراد أن يأتيها فقالت: لا إلاَّ كما يفعل، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل: {فأْتوا حرثكم أنى شئتم} أي قائماً وقاعداً ومضطجعاً بعد أن يكون في صمام واحد.
أقول: وقد روي في هذا المعنى بعدة طرق عن الصحابة في سبب نزول الآية، وقد مرّت الرواية فيه عن الرضا عليه السلام.
وقوله: في صمام واحد أي في مسلك واحد، كناية عن كون الإِتيان في الفرج فقط، فإن الروايات متكاثرة من طرقهم في حرمة الإِتيان من أدبار النساء، رووها بطرق كثيرة عن عدة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقول أئمة أهل البيت وإن كان هو الجواز على كراهة شديدة على ما روته أصحابنا بطرقهم الموصولة إليهم عليهم السلام، إلاَّ أنهم عليهم السلام لم يتمسكوا فيه بقوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأْتوا حرثكم أنى شئتم} الآية، كما مرّ بيانه بل استدلوا عليه بقوله تعالى حكاية عن لوط، قال:
{ قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين } [الحجر: 71]، حيث عرض عليه السلام عليهم بناته وهو يعلم أنهم لا يريدون الفروج ولم ينسخ الحكم بشيء من القرآن.
والحكم مع ذلك غير متفق عليه فيما رووه من الصحابة، فقد روي عن عبد الله بن عمر ومالك بن أنس وأبي سعيد الخدري وغيرهم أنهم كانوا لا يرون به بأساً وكانوا يستدلون على جوازه بقوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} الآية، حتى أن المنقول عن ابن عمر أن الآية إنما نزلت لبيان جوازه.
ففي الدر المنثور عن الدارقطني في غرائب مالك مسنداً عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك عليَّ المصحف يا نافع! فقرأ حتى أتى على: {نساؤكم حرث لكم فأْتوا حرثكم أنى شئتم}، قال لي: تدري يا نافع فيمن نزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله {نساؤكم حرث لكم فأْتوا حرثكم أنى شئتم} الآية، قلت له: من دبرها في قبلها قال لا إلاَّ في دبرها.
أقول: وروي في هذا المعنى عن ابن عمر بطرق كثيرة، قال: وقال ابن عبد البر: الرواية بهذا المعنى عن ابن عمر صحيحة معروفة عنه مشهورة.
وفي الدر المنثور أيضاً: أخرج ابن راهويه، وأبو يعلى، وابن جرير، والطحاوي في مشكل الآثار وابن مردويه بسند حسن عن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزلت: {نساؤكم حرث لكم فأْتوا حرثكم أنى شئتم}، الآية.
وفيه أيضاً أخرج الخطيب في رواة مالك عن أبي سليمان الجوزجاني، قال: سألت مالك بن أنس عن وطء الحلائل في الدبر. فقال لي: الساعة غسلت رأسي عنه.
وفيه أيضاً: أخرج الطحاوي من طريق إصبغ بن الفرج عن عبد الله بن القاسم، قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال يعني: وطء المرأة في دبرها ثم قرأ: {نساؤكم حرث لكم}، ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟.
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: إن ابن عمر - والله يغفر له - أوهم إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكان يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلاَّ على حرف، وذلك أثر ما تكون المرأة، وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه فقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلاَّ فاجتنبني فسرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله عزّ وجل: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد.
أقول: ورواه السيوطي في الدر المنثور بطرق أخرى أيضاً عن مجاهد، عن ابن عباس.
وفيه أيضاً: اخرج ابن عبد الحكم: أن الشافعي ناظر محمد بن الحسن في ذلك، فاحتج عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرماً فالتزمه، فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها (الاعكان جمع عكنة بضم العين: ما انطوى وثني من لحم البطن) أفي ذلك حرث: قال: لا، قال، أفيحرم؟ قال: لا، قال: فكيف تحتج بما لا تقولون به؟.
وفيه أيضاً: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: بينما أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية المحيض؟ قال: بلى فأقرأ: {ويسألونك عن المحيض} إلى قوله: {فأْتوهن من حيث أمركم الله} فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم من ثم أمرت أن تأتي، فقال: كيف بالآية {نساؤكم حرث لكم فأْتوا حرثكم أنى شئتم}؟ فقال: أي، ويحك، وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقاً كان المحيض منسوخاً إذا شغل من ها هُنا جئت من ها هُنا، ولكن أنى شئتم من الليل والنهار.
أقول: واستدلاله كما ترى مدخول، فإن آية المحيض لا تدل على أزيد من حرمة الإِتيان من محل الدم عند المحيض فلو دلت آية الحرث على جواز إتيان الادبار لم يكن بينها نسبة التنافي أصلاً حتى يوجب نسخ حكم آية المحيض؟ على أنك قد عرفت أن آية الحرث أيضاً لا تدل على ما راموه من جواز إتيان الأدبار، نعم يوجد في بعض الروايات المروية عن ابن عباس: الاستدلال على حرمة الإِتيان من محاشيهن بالأمر الذي في قوله تعالى: {فأْتوهن من حيث أمركم الله} الآية، وقد عرفت فيما مرّ من البيان أنه من أفسد الاستدلال، وأن الآية تدل على حرمة الإِتيان من محل الدم ما لم يطهرن وهي ساكتة عمّا دونه، وأن آية الحرث أيضاً غير دالة إلاَّ على التوسعة من حيث الحرث، والمسألة فقهية إنما اشتغلنا بالبحث عنها بمقدار ما تتعلق بدلالة الآيات.