التفاسير

< >
عرض

يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ
٤٧
وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ
٤٨
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {واتّقوا يوماً لا تجزي}، الملك والسلطان الدنيوي بأنواعه وأقسامه وبجميع شؤونه، وقواه المقننة الحاكمة والمجرية مبتنية على حوائج الحياة، وغايتها رفع الحاجة حسب ما يساعد عليه العوامل الزمانية والمكانية، فربما بدَّل متاع من متاع أو نفع من نفع أو حكم من حكم من غير ميزان كلي يضبط الحكم ويجري ذلك في باب المجازاة أيضاً فإن الجرم والجناية عندهم يستتبع العقاب، وربما بدل الحاكم العقاب لغرض يستدعي منه ذلك كأن يلحّ المحكوم الذي يرجى عقابه على القاضي ويسترحمه أو يرتشيه فينحرف في قضائه فيجزي أي يقضي فيه بخلاف الحق، أو يبعث المجرم شفيعاً يتوسط بينه وبين الحاكم أو مجري الحكم أو يعطي عدلاً وبدلاً إذا كانت حاجة الحاكم المريد للعقاب إليه أزيد وأكثر من الحاجة إلى عقاب ذالك المجرم، أو يستنصر قومه فينصروه فيتخلص بذالك عن تبعة العقاب ونحو ذلك. تلك سنّة جارية وعادة دائرة بينهم، وكانت الملل القديمة من الوثنيين وغيرهم تعتقد أن الحياة الآخرة نوع حياة دنيوية يطرد فيها قانون الأسباب ويحكم فيها ناموس التأثير، والتأثر المادي الطبيعي، فيقدمون إلى آلهتهم أنواع القرابين والهدايا للصفح عن جرائمهم أو الإِمداد في حوائجهم، أو يستشفعون بها، أو يفدون بشيء عن جريمة أو يستنصرون بنفس أو سِلاح حتى أنهم كانوا يدفنون مع الأموات أنواع الزخرف والزينة ليكون معهم ما يتمتعون به في آخرتهم، ومن أنواع السلاح ما يدافعون به عن أنفسهم، وربما ألحدوا معه من الجواري من يستأنس بها، ومن الأبطال من يستنصر به الميت، وتوجد اليوم في المتاحف بين الآثار الأرضية عتائق كثيرة من هذا القبيل، ويوجد عقائد متنوعة شبيهة بتلك العقائد بين الملل الإِسلامية على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، بقيت بينهم بالتوارث، ربما تلونت لوناً بعد لون، وجيلاً بعد جيل، وقد أبطل القرآن جميع هذه الآراء الواهية، والأقاويل الكاذبة، فقد قال عز من قائل:
{ والأمر يومئذٍ لله } [الانفطار: 19]، وقال: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب } [البقرة: 166]، وقال: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعائكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضلَّ عنكم ما كنتم تزعمون } [الأنعام: 94]، وقال: { هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون } [يونس: 30]، إلى غير ذلك من الآيات التي بين فيها: أن الموطن خال عن الأسباب الدنيوية، وبمعزل عن الارتباطات الطبيعية، وهذا أصل يتفرع عليه بطلان كل واحد من تلك الأقاويل والأوهام على طريق الإِجمال، ثم فصل القول في نفي واحد واحد منها وإبطاله فقال: { واتّقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]، وقال: { يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } [البقرة: 254]، وقال: { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً } [الدخان: 41]، وقال: { يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم } [غافر: 33]، وقال: { ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون } [الصافات: 25-26]، وقال: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عمّا يشركون } [يونس: 18]، وقال: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } [غافر: 19]، وقال: { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } [الشعراء: 100-101]، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة النافية لوقوع الشفاعة وتأثير الوسائط والأسباب يوم القيامة، هذا.
ثم إن القرآن مع ذلك لا ينفي الشفاعة من أصلها، بل يثبتها بعض الإِثبات. قال تعالى:
{ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } [السجدة: 4]، وقال تعالى: { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } [الأنعام: 51]، وقال تعالى: { قل لله الشفاعة جميعاً } [الزمر: 44]، وقال تعالى: { له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } [البقرة: 255]، وقال تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه } [يونس: 3]، وقال تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } [الأنبياء: 26-28]، وقال: { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86]، وقال: { ولا يملكون الشفاعة إلاَّ من اتخذ عند الرَّحمن عهداً } [مريم: 87]، وقال تعالى: { يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلاَّ من أذن له الرَّحمن ورضي له قولاً * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً } [طه: 109-110]، وقال تعالى: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له } [سبأ: 23]، وقال تعالى: { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاَّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } [النجم: 26]، فهذه الآيات كما ترى بين ما يحكم باختصاص الشفاعة بالله عزّ اسمه كالآيات الثلاثة الأولى، وبين ما يعممها لغيره تعالى بإذنه وارتضائه ونحو ذلك، وكيف كان فهي تثبت الشفاعة بلا ريب، غير أن بعضها تثبتها بنحو الأصالة لله وحده من غير شريك، وبعضها تثبتها لغيره باذنه وارتضائه، وقد عرفت أن هناك آيات تنفيها فتكون النسبة بين هذه الآيات كالنسبة بين الآيات النافية لعلم الغيب عن غيره، وإثباته له تعالى بالاختصاص ولغيره بارتضائه، قال تعالى: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب } [النمل: 65]، وقال تعالى: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو } [الأنعام: 59] وقال تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاَّ من ارتضى من رسول } [الجن: 26-27]، وكذلك الآيات الناطقة في التوفي والخلق والرزق والتأثير والحكم والملك وغير ذلك فإنها شائعة في أسلوب القرآن، حيث ينفي كل كمال عن غيره تعالى، ثم يثبته لنفسه، ثم يثبته لغيره بإذنه ومشيئته، فتفيد أن الموجودات غيره تعالى لا تملك ما تملك من هذه الكمالات بنفسها واستقلالها، وإنما تملكها بتمليك الله لها إياها، حتى أن القرآن يثبت نوعاً من المشيئة في ما حكم فيه وقضى عليه بقضاء حتم، كقوله تعالى: { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاَّ ما شاء ربك * إن ربك فعّال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاَّ ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } [هود: 106-108]، فقد علق الخلود بالمشيئة وخاصة في خلود الجنة مع حكمه بأن العطاء غير مجذوذ، إشعاراً بأن قضائه تعالى بالخلود لا يخرج الأمر من يده ولا يبطل سلطانه وملكه عزّ سلطانه كما يدل عليه قوله: { إن ربك فعّال لما يريد } [هود: 107]، وبالجملة لا إعطاء هناك يخرج الأمر من يده ويوجب له الفقر، ولا منع يضطره إلى حفظ ما منعه وإبطال سلطانه تعالى.
ومن هنا يظهر أن الآيات النافية للشفاعة، إن كانت ناظرة إلى يوم القيامة فإنما تنفيها عن غيره تعالى بمعنى الاستقلال في الملك، والآيات المثبتة تثبتها لله سبحانه بنحو الاصالة، ولغيره تعالى بإذنه وتمليكه، فالشفاعة ثابتة لغيره تعالى بإذنه فلننظر ماذا يفيده كلامه في معنى الشفاعة ومتعلقها؟ وفيمن تجري؟ وممن تصح؟ ومتى تتحقق؟ وما نسبتها إلى العفو والمغفرة منه تعالى؟ ونحو ذلك في أمور.
1 - ما هي الشفاعة؟:
الشفاعة على ما نعرف من معناها إجمالاً بالقريحة المكتسبة من الاجتماع والتعاون (وهي من الشفع مقابل الوتر كأن الشفيع ينضم إلى الوسيلة الناقصة التي مع المستشفع فيصير به زوجاً بعد ما كان فرداً فيقوى على نيل ما يريده، لو لم يكن يناله وحده لنقص وسيلته وضعفها وقصورها) من الأمور التي نستعلمها لإِنجاح المقاصد، ونستعين بها على حوائج الحياة، وجل الموارد التي نستعملها فيها، إما مورد يقصد فيها جلب المنفعة والخير، وإما مورد يطلب فيها دفع المضرة والشر، لكن لا كل نفع وضرر، فإنا لا نستشفع فيما يتضمنه الأسباب الطبيعية والحوادث الكونية من الخير والشر والنفع والضر، كالجوع، والعطش، والحر، والبرد، والصحة، والمرض، بل نتسبب فيها بالأسباب الطبيعية، ونتوسل إليها بوسائلها المناسبة لها كالأكل، والشرب، واللبس والاكتنان، والمداواة، وإنما نستشفع في الخيرات والشرور والمنافع والمضار التى تستدعيها أو تستتبعها أوضاع القوانين والأحكام التي وضعتها واعتبرتها وقررتها وأجرتها حكومة الاجتماع بنحو الخصوص أو العموم، ففي دائرة المولوية والعبودية، وعند كل حاكم ومحكوم، أحكام من الأمر والنهي إذا عمل بها وامتثلها المكلف بها استتبع ذلك تبعة الثواب من مدح أو نفع، من جاه أو مال، وإذا خالفها وتمرد منها استتبع ذلك تبعة العقاب من ذم أو ضرر مادي، أو معنوي، فإذا أمر المولى أو نهي عبده، أو كل من هو تحت سيادته وحكومته بأمر أو نهى مثلاً فامتثله كان له بذلك أجر كريم، وإن خالف كان له عقاب أو عذاب فهناك نوعان من الوضع والاعتبار، وضع الحكم ووضع تبعة الحكم، يتعين به تبعة الموافقة والمخالفة.
وعلى هذا الأصل تدور جميع الحكومات العامة بين الملل والخاصة بين كل إنسان ومن دونه.
فإذا أراد الإِنسان أن ينال كمالاً وخيراً مادياً أو معنوياً وليس عنده ما يستوجب ذلك بحسب ما يعينه الاجتماع، ويعرف به لياقتة، أو أراد أن يدفع عن نفسه شراً متوجهاً إليه من عقاب المخالفة وليس عنده ما يدفعه، أعني الامتثال والخروج عن عهدة التكليف، وبعبارة واضحة إذا أراد نيل ثواب من غير تهيئة أسبابه، أو التخلص من عقاب من غير إتيان التكليف المتوجة إليه فذلك مورد الشفاعة، وعنده تؤثر لكن لا مطلقاً فإن من لا لياقة له بالنسبة إلى التلبس بكمال، أو لا رابطة له تربطها إلى المشفوع عنده أصلاً، كالعامي الأمي الذي يريد تقلد مقام علمي، أو الجاحد الطاغي الذي لا يخضع لسيده أصلاً لا تنفع عنده الشفاعة، فإنما الشفاعة متممة للسبب لا مستقلة في التأثير.
ثم إن تأثير الشفيع عند الحاكم المشفوع عنده لا يكون تأثيراً جزافياً من غير سبب يوجب ذلك بل لا بد أن يوسّط أمراً يؤثر في الحاكم، ويوجب نيل الثواب، أو التخلص من العقاب، فالشفيع لا يطلب من المولى مثلاً أن يبطل مولوية نفسه وعبودية عبده فلا يعاقبه، ولا يطلب منه أن يرفع اليد عن حكمه وتكليفه المجعول، أو ينسخه عموماً أو في خصوص الواقعة فلا يعاقبه، ولا يطلب منه أن يبطل قانون المجازاة عموماً أو خصوصاً فلا يعاقب لذلك رأساً، أو في خصوص الواقعة، فلا نفوذ ولا تأثير للشفيع في مولوية وعبودية، ولا في حكم ولا في جزاء حكم، بل الشفيع بعد ما يسلم جميع الجهات الثلاث المذكورة إنما يتمسك: إما بصفات في المولى الحاكم توجب العفو والصفح كسؤدده، وكرمه، وسخائه، وشرافة محتده، وإما بصفات في العبد تستدعي الرأفة والحنان وتثير عوامل المغفرة كمذلته ومسكنته وحقارته وسوء حاله، وإما بصفات في نفسه أعني نفس الشفيع من قربه إلى المولى وكرامته وعلو منزلته عنده فيقول: ما أسألك إبطال مولويتك وعبوديته، ولا أن تبطل حكمك ولا أن تبطل الجزاء، بل أسألك الصفح عنه بأن لك سؤدداً ورأفة وكرماً لا تنتفع بعقابه ولا يضرك الصفح عن ذنبه، أو بأنه جاهل حقير مسكين لا يعتني مثلك بشأنه ولا يهتم بأمره، أو بأن لي عندك من المنزلة والكرامة ما يوجب إسعاف حاجتي في تخليصه والعفو عنه.
ومن هنا يظهر للمتأمل أن الشفيع إنما يحكم بعض العوامل المربوطة بالمورد المؤثرة في رفع العقاب مثلاً من صفات المشفوع عنده أو نحوها على العامل الآخر الذي هو سبب وجود الحكم وترتب العقاب على مخالفته، ونعني بالحكومة أن يخرج مورد الحكم عن كونه مورداً بإدخاله في مورد حكم آخر، فلا يشمله الحكم الأول لعدم كونه من مصاديقه لا أن يشمله فيبطل حكمه بعد الشمول بالمضادة كإبطال الأسباب المتضادة في الطبيعة بعضها حكم بعض بالمعارضة والغلبة في التأثير، فحقيقة الشفاعة التوسط في إيصال نفع أو دفع شر بنحو الحكومة دون المضادة.
ومن هنا يظهر أيضاً أن الشفاعة من مصاديق السببية فهي توسيط السبب المتوسط القريب بين السبب الأول البعيد ومسببه، هذا ما يتحصل من تحليل معنى الشفاعة التي عندنا.
ثم إن الله سبحانه يمكن أن يقع مورد النظر في السببية من جهتين:
إحداهما: أنه يبتدىء منه التأثير، وينتهي إليه السببية، فهو المالك للخلق والإِيجاد على الاطلاق، وجميع العلل والأسباب أمور متخللة متوسطة بينه وبين غيره لنشر رحمته التي لا تنفد ونعمته التي لا تحصى إلى خلقه وصنعه.
والثانية: أنه تعالى تفضل علينا بالدنو في حين علوه فشرع الدين ووضع فيه أحكاماً من أوامر ونواهي وغير ذلك وتبعات من الثواب والعقاب في الدار الآخرة وأرسل رسلاً مبشرين ومنذرين فبلغوه أحسن تبليغ وقامت بذلك الحجة وتمّت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته.
أما من الجهة الأولى: وهي النظر إليه من جهة التكوين، فانطباق معنى الشفاعة على شأن الأسباب والعلل الوجودية المتوسطة واضح لا يخفى، فإنها تستفيد من صفاته العليا من الرحمة والخلق والإِحياء والرزق وغير ذلك إيصال أنواع النعم والفضل إلى كل مفتقر محتاج من خلقه، وكلامه تعالى أيضاً يحتمل ذلك، كقوله تعالى:
{ له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه } [البقرة: 255]، وقوله: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه } [يونس: 3]، فإن الشفاعة في مورد التكوين ليست إلاَّ توسط العلل والأسباب بينه وبين مسبباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها، فهذه شفاعة تكوينية.
وأما من الجهة الثانية: وهي النظر إليه من جهة التشريع، فالذي ينبغي أن يقال: أن مفهوم الشفاعة على ما سبق من التحليل يصح صدقه في مورده ولا محذور في ذلك وعليه ينطبق قوله تعالى:
{ يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلاَّ من أذن له الرَّحمن ورضي له قولاً } [طه: 109]، وقوله: { لا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له } [سبأ: 23]، وقوله { لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاَّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } [النجم: 26]، وقوله: { ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى } [الأنبياء: 28]، وقوله: { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86]، فإن الآيات كما ترى تثبت الشفاعة بمعنى الشافعية لعدة من عباده من الملائكة والناس من بعد الإِذن والارتضاء، فهو تمليك ولله الملك وله الأمر فلهم أن يتمسكوا برحمته وعفوه ومغفرته وما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبداً من عباده سائت حاله بالمعصية، وشملته بلية العقوبة، فيخرج عن كونه مصداقاً للحكم الشامل، والجرم العامل على ما عرفت أن تأثير الشفاعة بنحو الحكومة دون التضاد وهو القائل عز من قائل: { أُوْلَـٰئِكَ يبدّل الله سيئاتهم حسنات } [الفرقان: 70]، فله تعالى أن يبدّل عملاً من عمل، كما أن له أن يجعل الموجود من العمل معدوماً، قال تعالى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } [الفرقان: 23]، وقال تعالى: { فأحبط أعمالهم } [محمد: 9]، وقال تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم } [النساء: 31]، وقال تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء: 48]، والآية في غير مورد الإِيمان والتوبة قطعاً فإن الإِيمان والتوبة يغفر بهما الشرك أيضاً كسائر الذنوب وله تكثير القليل من العمل، قال تعالى: { أُوْلئك يؤتون أجرهم مرتين } [القصص: 54]، وقال: { مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، وله سبحانه أن يجعل المعدوم من العمل موجوداً، قال تعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيءٍ كل امرءٍ بما كسب رهين } [الطور: 21]، وهذا هو اللحوق والإِلحاق وبالجملة فله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
نعم إنما يفعل لمصلحة مقتضية، وعلّة متوسطة ولتكن من جملتها شفاعة الشافعين من أنبيائه وأوليائه والمقربين من عباده من غير جزاف ولا ظلم.
ومن هنا ظهر أن معنى الشفاعة بمعنى الشافعية، صادق بحسب الحقيقة في حقه تعالى فإن كلاً من صفاته متوسطة بينه وبين خلقه في إفاضة الجود وبذل الوجود فهو الشفيع في الحقيقة على الاطلاق. قال تعالى:
{ قل لله الشفاعة جميعاً } [الزمر: 44]، وقال تعالى: { ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع } [السجدة: 4]، وقال تعالى: { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } [الأنعام: 51]. وغيره تعالى لو كان شفيعاً فإنما هو بإذنه وتمليكه. فقد ثبت بما مر صحة تحقق الشفاعة عنده تعالى في الجملة فيما لا يوجب محذوراً لا يليق بساحة كبريائه تعالى.
2 - إشكالات الشفاعة:
قد عرفت: أن الشفاعة ثابتة في الجملة لا بالجملة، وستعرف أن الكتاب وكذلك السنَّة لا يثبتان أزيد من ذلك، بل التأمل في معناها وحده يقضي بذلك، فإن الشفاعة كما مرّ يرجع بحسب المعنى إلى التوسط في السببية والتأثير، ولا معنى للاطلاق في السببية والتأثير، فلا السبب يكون سبباً لكل مسبب من غير شرط ولا مسبب واحد يكون مسبباً لكل سبب على الاطلاق فإن ذلك يؤدي إلى بطلان السببيه وهو باطل بالضرورة. ومن هنا اشتبه الأمر على النافين للشفاعة حيث توهموها مطلقة من غير شرط فاستشكلوا فيها بأُمور وبنوا عليها بطلان هذه الحقيقة القرآنية من غير تدبر فيما يعطيه كلامه تعالى وهاك شطراً منها:
الإِشكال الأول: أن رفع العقاب عن المجرم يوم القيامة بعد ما أثبته الله تعالى بالوعيد إما أن يكون عدلاً أو ظلماً. فإن كان عدلاً كان أصل الحكم المستتبع للعقاب ظلماً لا يليق بساحته تعالى وتقدَّس، وإن كان ظلماً كان شفاعة الأنبياء مثلاً سؤالاً للظلم منه وهو جهل لا يجوز نسبته إليهم صلوات الله عليهم.
والجواب عنه أولاً: بالنقض فإنه منقوض بالأوامر الامتحانية فرفع الحكم الامتحاني ثانياً وإثباته أولاً كلاهما من العدل: والحكمة فيها اختبار سريرة المكلف أو إظهار باطن أمره أو إخراج ما في قوته إلى الفعل، فيقال في مورد الشفاعة أيضاً: يمكن أن تكون النجاة مكتوبة لجميع المؤمنين، ثم يوضع الأحكام وما لمخالفتها من أنواع العقاب ليهلك الكافرون بكفرهم، وأما المؤمنون فيرتفع بالطاعة درجات المحسنين منهم ويبقى المسيؤون فينالون بالشفاعة النجاة المكتوبة لهم ولو بالنسبة إلى بعض أنواع العذاب أو أفراده مع مقاساة البعض الآخر، كأحوال البرزخ وأهوال يوم القيامة، فيكون بذلك أصل وضع الحكم وعقابه أولاً عدلاً ورفع عقابه ثانياً عدلاً.
وثانياً: بالحل، فإن رفع العقاب أولاً بواسطة الشفاعة إنما يغاير الحكم الأول فيما ذكر من العدل والظلم لو كان رفع العقاب بالشفاعة نقضاً للحكم الأول أو نقضاً للحكم باستتباع العقوبة وقد عرفت أنه ليس كذلك بل أثر الشفاعة بالحكومة لا بالمضادة فبها إخراج المجرم عن كونه مصداقاً لشمول العقاب بجعله مصداقاً لشمول الرَّحمة من صفات أُخرى له تعالى مِن رحمةٍ وعفو ومغفرة، ومنها إفضاله للشافع بالإِكرام والإِعظام.
الإِشكال الثاني: أن سنة الله تعالى جرت على صون أفعاله من التخلف والاختلاف، فما قضى وحكم به يجريه على وتيرة واحدة من غير استثناء، وعلى هذا جرت سنَّة الأسباب، قال تعالى:
{ هذا صراط عليَّ مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاَّ من اتّبعك من الغاوين وإن جهنّم لموعدهم أجمعين } [الحجر: 41-42]، وقال تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرق بكم } [الأنعام: 153]، وقال تعالى: { فلن تجد لسنَّة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً } [فاطر: 43] وتحقق الشفاعة موجب للاختلاف في الفعل فإن رفع العقاب بالشفاعة عن جميع المجرمين في جميع جرائمهم موجب لنقض الفرض المحال، ولعب ينافي الحكمة قطعاً، ورفعة عن بعض المجرمين أو في بعض جرائمهم وذنوبهم إختلاف في فعله تعالى وتغير وتبدل في سنَّته الجارية وطريقته الدائمة، إذ لا فرق بين المجرمين في أن كل واحد منهم مجرم، ولا بين الذنوب في أن كلاً منها ذنب، وخروج عن زيّ العبودية فتخصيص بعضهم أو بعض من أعمالهم بالصفح والإِغماض دون بعض بواسطة الشفاعة محال، وإنما تجري الشفاعة وما يشبهها في سنّة هذه الحياة من ابتناء الأعمال والأفعال على الأهواء والأوهام التي ربما تقضي في الحق والباطل على السواء، وتجري عن الحكمة وعن الجهالة على نسق واحد.
والجواب: أنه لا ريب في أن صراطه تعالى مستقيم وسنَّته واحدة، لكن هذه السنة الواحدة الغير المختلفة ليست قائمة على أصل صفة واحدة من صفاته تعالى كصفة التشريع والحكم مثلاً حتى لا يتخلف حكم عن مورده ولا جزاء حكم عن محله قط بل هي قائمة على ما يستوجبه جميع صفاته المربوطة علَت صفاته.
توضيح ذلك: أن الله سبحانه هو الواهب المفيض لكل ما في الوجود من حياة أو موت أو رزق أو نعمة أو غير ذلك. وهي أمور مختلفة لا ترتبط به سبحانه على السواء ولا لرابطة واحدة كيف كانت، فإن فيه بطلان الارتباط والسببية، فهو تعالى لا يشفي مريضاً من غير سبب موجب ومصلحة مقتضية ولا يشفيه لأنه الله المميت المنتقم شديد البطش بل لأنه الله الرؤوف الرَّحيم المنعم الشافي المعافي مثلاً ولا يهلك جباراً مستكبراً من غير سبب، لأنه رؤوف رحيم به، بل لأنه الله المنتقم الشديد البطش القهار مثلاً، وهكذا. والقرآن بذلك ناطق، فكل حادث من الحوادث بما يشتمل عليه من جهات الوجود يسند إليه من جهة صفة أو أكثر من صفاته العليا تتسبب إليه بالتلاؤم والائتلاف الواقع بينها، والاقتضاء المستنتج من ذلك، وإن شئت قلت: كل أمر من الأمور يرتبط به تعالى من جهة ما يتضمنه من المصالح والخيرات. إذا عرفت هذا علمت أن استقامة صراطه وعدم تبدل سنته وعدم اختلاف فعله إنما هي بالنسبة إلى ما يفعله بجميع صفاته المربوطة لا بالنسبة إلى مقتضى صفة قاصره وإن شئت قلت: بالنسبة إلى ما يتحصل من الفعل والانفعال والكسر والانكسار الواقع بين الحكم والمصالح المرتبطة بالمورد لا بالنسبة إلى مقتضى مصلحة واحدة. فلو كان هناك سبب الحكم المجعول فقط لم يتغير ولم يختلف في برّ ولا فاجر ولا مؤمن ولا كافر. لكن الأسباب كثيرة ربما استدعى توافق عدة منها غير ما يقتضيه بعضها؛ فافهم ذلك.
فوقوع الشفاعة وارتفاع العقاب - وذلك أثر عدة من الأسباب كالرحمة والمغفرة والحكم والقضاء وإعطاء كل ذي حق حقه والفصل في القضاء - لا يوجب اختلافاً في السنة الجارية وضلالاً في الصراط المستقيم.
الاشكال الثالث: أن الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك أراد غيره حكم به أولاً فلا تتحقق الشفاعة إلاَّ بترك الإِرادة ونسخها لأجل الشفيع فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلاَّ إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به، كأن أخطأ ثم عرف الصواب، ورأى أن المصلحة أو العمل في خلاف ما كان يريده أو حكم به. وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب عنده على العدالة، وكل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته على حسب علمه وعلمه أزلي لا يتغير.
والجواب أن ذلك منه تعالى ليس من تغير الإِرادة والعلم في شيء وإنما التغير في المراد والمعلوم، فهو سبحانه يعلم أن الإِنسان الفلاني سيتحول عليه الحالات فيكون في حين كذا على حال كذا لاقتران أسباب وشرائط خاصة فيريد فيه بإرادة، ثم يكون في حين آخر على حال آخر جديد يخالف الأول لاقتران أسباب وشرائط أُخر فيريد فيه بإرادة أخرى وكل يوم هو في شأن، وقد قال تعالى:
{ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب } [الرعد: 39]، وقال: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } [المائدة: 64]، مثال ذلك: أنا نعلم أن الهواء ستغشاه الظلمة فلا يعمل أبصارنا والحاجة إليه قائمة ثم تنجلي الظلمة بإنارة الشمس فتتعلق إرادتنا عند إقبال الليل بالاستضاءة بالسراج وعند انقضائه بإطفائه والعلم والإِرادة غير متغيرتان وإنما تغير المعلوم والمراد، فخرجا عن كونهما منطبقاً عليه للعلم والإِرادة، وليس كل علم ينطبق على كل معلوم، ولا كل إرادة تتعلق بكل مراد، نعم تغير العلم والإِرادة المستحيل عليه تعالى هو بطلان انطباق العلم على المعلوم والإِرادة على المراد مع بقاء المعلوم والمراد على حالهما وهو الخطأ والفسخ، مثل أن ترى شبحاً فتحكم بكونه إنساناً ثم يتبين أنه فرس فيتبدل العلم، أو تريد أمراً لمصلحة ما، ثم يظهر لك أن المصلحة في خلافه فتنفسخ إرادتك، وهذان غير جائزين في مورده تعالى، والشفاعة ورفع العقاب بها ليس من هذا القبيل كما عرفت.
الإِشكال الرابع: أن وعد الشفاعة منه تعالى أو تبليغها من الأنبياء عليهم السلام مستلزم لتجري الناس على المعصية وإغراء لهم على هتك محارم الله تعالى وهو مناف للغرض الوحيد من الدين من سوق الناس إلى العبودية والطاعة، فلا بد من تأويل ما يدل عليه من الكتاب والسنة بما لا يزاحم هذا الأصل البديهي.
والجواب عنه، أولاً: بالنقض بالآيات الدالة على شمول المغفرة وسعة الرحمة كقوله تعالى:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء: 116]، والآية - كما مرّ - في غير مورد التوبة بدليل استثنائه الشرك المغفور بالتوبة.
وثانياً: بالحل: فإن وعد الشفاعة أو تبليغها إنما يستلزم تجرِّي الناس على المعصية وإغرائهم على التمرد والمخالفة بشرطين:
أحدهما: تعيين المجرم بنفسه ونعته أو تعيين الذنب الذي تقع فيه الشفاعة تعييناً لا يقع فيه لبس بنحو الانجاز من غير تعليق بشرط جائز.
وثانيهما: تأثير الشفاعة في جميع أنواع العقاب وأوقاته بأن تقلعه من أصله قلعاً.
فلو قيل: ان الطائفة الفلانية من الناس أو كل الناس لا يعاقبون على ما أجرموا ولا يؤاخذون فيما أذنبوا أبداً، أو قيل إن الذنب الفلاني لا عذاب عليه قط كان ذلك باطلاً من القول ولعباً بالأحكام والتكاليف المتوجهة إلى المكلفين، وأما إذا أبهم الأمر من حيث الشرطين فلم يعين أن الشفاعة في أي الذنوب وفي حق أي المذنبين أو أن العقاب المرفوع هو جميع العقوبات وفي جميع الأوقات والأحوال، فلا تعلم نفس هل تنال الشفاعة الموعودة أو لا فلا تتجرىء على هتك محارم الله تعالى، غير أن ذلك توقظ قريحة رجائها فلا يوجب مشاهدة ما يشاهدها من ذنوبها وآثامها قنوطاً من رحمة الله، ويأساً من روح الله، مضافاً إلى قوله تعالى:
{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } [النساء: 31]، فإن الآية تدل على رفع عقاب السيئات والمعاصي الصغيرة على تقدير اجتناب المعاصي الكبيرة فإذا جاز أن يقول الله سبحانه: إن اتقيتم الكبائر عفونا عن صغائركم، فليجز أن يقال: إن تحفظتم على إيمانكم حتى أتيتموني في يوم اللقاء بإيمان سليم قبلت فيكم شفاعة الشافعين، فإنما الشأن كل الشأن في حفظ الإِيمان والمعاصي تضعف الإِيمان وتقسى القلب وتجلب الشرك، وقد قال تعالى: { فلا يأمن مكر الله إلاَّ القوم الخاسرون } [الأعراف: 99]، وقال: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } [المطففين: 14]، وقال: { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله } [الروم: 10]، وربما أوجب ذلك انقلاعه عن المعاصي، وركوبه على صراط التقوى، وصيرورته من المحسنين، واستغنائه عن الشفاعة بهذا المعنى، وهذا من أعظم الفوائد، وكذا إذا عيّن المجرم المشفوع له أو الجرم المشفوع فيه، لكن صرح بشموله على بعض جهات العذاب أو بعض أوقاته فلا يوجب تجرؤ المجرمين قطعاً.
والقرآن لم ينطق في خصوص المجرمين وفي خصوص الذنب بالتعيين ولم ينطق في رفع العقاب إلاَّ بالبعض كما سيجيء فلا إشكال أصلاً.
الاشكال الخامس: إن العقل لو دلَّ فإنما يدل ُّعلى إمكان وقوع الشفاعة لا على فعلية وقوعها على أن أصل دلالته ممنوع، وأما النقل فما يتضمنه القرآن لا دلالة فيه على وقوعها، فإن فيها آيات دالة على نفي الشفاعة مطلقاً كقوله:
{ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } [البقرة: 254]، وأُخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة كقوله تعالى: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } [المدثر: 48]، وأُخرى تفيد النفي بمثل قوله تعالى: { إِلاَّ بإذنه } [البقرة: 255] وقوله: { إلاَّ من بعد إذنه } [يونس: 3] وقوله تعالى: { إِلاَّ لمن ارتضى } [الأنبياء: 28]، ومثل هذا الاستثناء أي الاستثناء بالإِذن والمشيئة معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإِشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته سبحانه كقوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى إلاَّ ما شاء الله } [الأعلى: 6]، وقوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاَّ ما شاء ربك } [هود: 107]، فليس في القرآن نص قطعي على وقوع الشفاعة وأما السنة فما دلت عليه الروايات من الخصوصيات لا تعويل عليه، وأما المتيقن منها فلا يزيد على ما في الكتاب دلالة.
والجواب: أما عن الآيات النافية للشفاعة فقد عرفت أنها لا تنفي مطلق الشفاعة بل الشفاعة بغير إذن الله وارتضائه، وأما عن الآيات النافية لمنفعة الشفاعة على زعم المستشكل فإنها تثبت الشفاعة ولا تنفيه، فإن الآيات واقعة في سورة المدثر وإنما تنفي الانتفاع عن طائفة خاصة من المجرمين لا عن جميعهم، ومع ذلك فالشفاعة مضافة لا مجردة مقطوعة عن الإِضافة، ففرق بين أن يقول القائل: فلا تنفعهم الشفاعة وبين أن يقول: فلا تنفعهم شفاعة الشافعين فإن المصدر المضاف يشعر بوقوع الفعل في الخارج بخلاف المقطوع عن الإِضافة، نص عليه الشيخ عبد القاهر في دلائل الإِعجاز، فقوله: شفاعة الشافعين يدل على أن شفاعة ما ستقع، غير أن هؤلاء لا ينتفعون بها على أن الإِتيان بصيغة الجمع في الشافعين يدل على ذلك أيضاً كقوله: {كانت من الغابرين} وقوله: {وكان من الكافرين} وقوله: {وكان من الغاوين} وقوله: {لا ينال عهدي الظالمين} وأمثال ذلك، ولولا ذلك لكان الإِتيان بصيغة الجمع، وله مدلول زائد على مدلول المفرد لغواً زائداً في الكلام، فقوله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين}، من الآيات المثبتة للشفاعة دون النافية.
وأما عن الآيات المشتملة على استثناء الإِذن والارتضاء فدلالة قوله: {إلاَّ بإذنه} وقوله: {إلاّ من بعد إذنه} على الوقوع، وهو مصدر مضاف مما لا ينبغي أن ينكره عارف بأساليب الكلام وكذا القول: بكون قوله: {إلاَّ بإذنه} وقوله: {إلاَّ لمن ارتضى} بمعنى واحد وهو المشيئة مما لا ينبغي الإِصغاء إليه، على أن الاستثناء واقع في مورد الشفاعة بوجوه مختلفة كقوله: {إلاَّ بإذنه وإلاَّ من بعد إذنه} وقوله: {إلاَّ لمن ارتضى}، وقوله: {إِلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون} إلى غير ذلك، فهب: أن الإِذن والارتضاء واحد وهو المشية فهل يمكن التفوه بذلك في قوله: {إِلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون}. فهل المراد بهذا الاستثناء استثناء المشيئة أيضاً؟ هذا وأمثاله من المساهلة في البيان مما لا يصح نسبته إلى كلام سوقي فكيف بالكلام البليغ! وكيف بأبلغ الكلام! وأما السنة فسيأتي الكلام في دلالتها على ما يحاذي دلالة الكتاب.
الاشكال السادس: أن الآيات غير صريحة في رفع العقاب الثابت على المجرمين يوم القيامة بعد ثبوت الجرم ولزوم العقاب بل المراد بها شفاعة الأنبياء بمعنى توسطهم بما هم أنبياء بين الناس وبين ربهم بأخذ الأحكام بالوحي وتبليغها الناس وهدايتهم، وهذا المقدار كالبذر ينمو وينشأ منه ما يستقبله من الاقدار والأوصاف والأحوال فهم عليهم السلام شفعاء المؤمنين في الدنيا وشفعائهم في الآخرة.
والجواب: أنه لا كلام في أن ذلك من مصاديق الشفاعة إلاَّ أن الشفاعة غير مقصورة فيه كما مرّ بيانه، ومن الدليل عليه قوله تعالى:
{ إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء: 48]، وقد مرّ بيان: أن الآية في غير مورد الإِيمان والتوبة، والشفاعة التي قررها المستشكل في الأنبياء إنما هي بطريق الدعوة إلى الإِيمان والتوبة.
الاشكال السابع: أن طريق العقل لا يوصل إلى تحقق الشفاعة، وما نطق به القرآن آيات متشابهة تنفيها تارة وتثبتها أخرى، وربما قيدتها وربما أطلقتها، والأدب الديني الإِيمان بها، وإرجاع علمها إلى الله تعالى.
والجواب عنه: أن المتشابهة من الآيات تصير بإرجاعها إلى المحكمات محكمات مثلها، وهو أمر ميسور لنا غير مضروب دونه الستر، كما سيجيء بيانه عند قوله تعالى:
{ منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأُخر متشابهات } [آل عمران: 7]. 3 - فيمن تجري الشفاعة:
قد عرفت أن تعيين المشفوع لهم يوم القيامة لا يلائم التربية الدينية كل الملاءمة إلاَّ أن يعرفوا بما لا يخلو عن شوب ابهام، وعلى ذلك جرى بيان القرآن، قال تعالى:
{ كل نفس بما كسبت رهينة إلاَّ أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين } [المدثر: 38-48]، بيّن سبحانه فيها أن كل نفس مرهونة يوم القيامة بما كسبت من الذنوب، مأخوذة بما أسلفت من الخطايا، إلاَّ أصحاب اليمين فقد فكوا من الرهن واطلقوا واستقروا في الجنان، ثم ذكر أنهم غير محجوبين عن المجرمين الذين هم مرهونون بأعمالهم، مأخوذ عليهم في سقر، يتساءلون عنهم سلوكهم في النار، وهم يجيبون بالإِشارة إلى عدة صفات ساقتهم إلى النار، فرَّع على هذه الصفات بأنه لم ينفعهم لذلك شفاعة الشافعين.
ومقتضى هذا البيان كون أصحاب اليمين غير متصفين بهذه الصفات التي يدل الكلام على كونها هي المانعة عن شمول الشفاعة، وإذا كانوا غير متصفين بهذه الصفات المانعة عن شمول الشفاعة وقد فكّ الله تعالى نفوسهم عن رهانة الذنوب والآثام دون المجرمين المحرومين عن الشفاعة، المسلوكين في سقر، فهذا الفك والإِخراج إنما هو بالشفاعة، فأصحاب اليمين هم المشفعون بالشفاعة، وفي الآيات تعريف أصحاب اليمين بانتفاء الأوصاف المذكورة عنهم، بيان ذلك: أن الآيات واقعة في سورة المدثر وهي من السور النازلة بمكة في بدء البعثة كما ترشد إليه مضامين الآيات الواقعة فيها، ولم يشرع يومئذٍ الصلاة والزكاة بالكيفية الموجودة اليوم، فالمراد بالصلاة في قوله: {لم نك من المصلين}، التوجه إلى الله تعالى بالخضوع العبودي، وبإطعام المسكين مطلق الانفاق على المحتاج في سبيل الله، دون الصلاة والزكاة المعهودتين في الشريعة الإِسلامية والخوض هو الغور في ملاهي الحياة وزخارف الدنيا الصارفة للإِنسان عن الإِقبال على الآخرة وذكر الحساب يوم الدين، أو التعمق في الطعن في آيات الله المذكرة ليوم الحساب المبشرة المنذرة، وبالتلبس بهذه الصفات الأربعة، وهي ترك الصلاة لله وترك الإِنفاق في سبيل الله والخوض وتكذيب يوم الدين ينهدم أركان الدين، وبالتلبس بها تقوم قاعدته على ساق، فإن الدين هو الاقتداء بالهداة الطاهرين بالإِعراض عن الاخلاد إلى الأرض والاقبال إلى يوم لقاء الله، وهذان هما ترك الخوض وتصديق يوم الدين، ولازم هذين عملاً التوجه إلى الله بالعبودية، والسعي في رفع حوائج جامعة الحياة وهذان هما الصلاة والانفاق في سبيل الله، فالدين يتقوّم بحسب جهتي العلم والعمل بهذه الخصال الأربع، وتستلزم بقية الأركان، كالتوحيد والنبوة، استلزاماً هذا، فأصحاب اليمين هم الفائزون بالشفاعة، وهم المرضيون ديناً واعتقاداً سواء كانت أعمالهم مرضية غير محتاجة إلى شفاعة يوم القيامة أو لم تكن، وهم المعنيون بالشفاعة، فالشفاعة للمذنبين من أصحاب اليمين، وقد قال تعالى:
{ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم } [النساء: 31]، فمن كان له ذنب باق إلى يوم القيامة فهو لا محالة من أهل الكبائر، إذ لو كان الذنب من الصغائر فقط لكان مكفّراً عنه، فقد بان أن الشفاعة لأهل الكبائر من أصحاب اليمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي فاما المحسنون فما عليهم من سبيل" الحديث.
ومن جهة أُخرى إنما سمى هؤلاء بأصحاب اليمين في مقابل أصحاب الشمال وربما سموا أصحاب الميمنة في مقابل أصحاب المشأمة، وهو من الألفاظ التي اصطلح عليه القرآن مأخوذ من إيتاء الإِنسان يوم القيامة كتابه بيمينه أو بشماله، قال تعالى:
{ يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أُوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلاً ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً } [الإسراء: 71]، وسنبين في الآيه إن شاء الله تعالى أن المراد من إيتاء الكتاب باليمين إتباع الإِمام الحق، ومن إيتائه بالشمال إتباع إمام الضلال كما قال تعالى في فرعون: { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار } [هود: 98]، وبالجملة مرجع التسمية بأصحاب اليمين أيضاً إلى ارتضاء الدين كما أن إليه مرجع التوصيف بالصفات الأربعة المذكورة هذا.
ثم إنه تعالى قال في موضع آخر من كلامه:
{ ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى } [الأنبياء: 28]، فأثبت الشفاعة على من ارتضي، وقد أطلق الارتضاء من غير تقييد بعمل ونحوه، كما فعلة في قوله: { إلاَّ من أذن له الرَّحمن ورضي له قولاً } [طه: 109]، ففهمنا أن المراد به ارتضاء أنفسهم أي ارتضاء دينهم لا ارتضاء عملهم، فهذه الآية أيضاً ترجع من حيث الإِفادة إلى ما ترجع إليه الآيات السابقة ثم أنه تعالى قال: {يوم نحشر المتّقين إلى الرَّحمن وفداً ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً لا يملكون الشفاعة إلاَّ من اتخذ عند الرَّحمن عهداً} فهو يملك الشفاعة (أي المصدر المبني للمفعول) وليس كل مجرم بكافر محتوم له النار، بدليل قوله تعالى: { إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنّم لا يموت فيها ولا يحيى ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } [طه: 74-75]، فمن لم يكن مؤمناً قد عمل صالحاً فهو مجرم سواء كان لم يؤمن، أو كان قد آمن ولم يعمل صالحاً، فمن المجرمين من كان على دين الحق لكنه لم يعمل صالحاً وهو الذي قد اتخذ عند الله عهداً لقوله تعالى: { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌّ مبين وأنِ اعبدونِ هذا صراط مستقيم } [يس: 60-61]، فقوله تعالى: {وأنِ اعبدونِ} عهد بمعنى الأمر وقوله تعالى: {هذا صراط مستقيم}، عهد بمعنى الالتزام لاشتمال الصراط المستقيم على الهداية إلى السعادة والنجاة، فهؤلاء قوم من أهل الإِيمان يدخلون النار لسوء أعمالهم، ثم ينجون منها بالشفاعة، وإلى هذا المعنى يلوّح قوله تعالى: { قالوا لن تمسنا النار إلاَّ أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً } [البقرة: 80] فهذه الآيات أيضاً ترجع إلى ما ترجع إليه الآيات السابقة، والجميع تدل على أن مورد الشفاعة أعني المشفوع لهم يوم القيامة هم الدائنون بدين الحق من أصحاب الكبائر، وهم الذين ارتضى الله دينهم.
4 - من تقع منه الشفاعة؟:
قد عرفت أن الشفاعة منها تكوينية، ومنها تشريعية، فأما الشفاعة التكوينية فجملة الأسباب الكونية شفعاء عند الله بما هم وسائط بينه وبين الأشياء. وأما الشفاعة التشريعية، وهي الواقعة في عالم التكليف والمجازات، فمنها ما يستدعي في الدنيا مغفرة من الله سبحانه أو قرباً وزلفى، فهو شفيع متوسط بينه وبين عبده. ومنه التوبة كما قال تعالى:
{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرَّحيم وأنيبوا إلى ربكم } [الزمر: 53-54]، ويعمّ شموله لجميع المعاصي حتى الشرك. ومنه الإِيمان قال تعالى: { وآمنوا برسوله } [الحديد: 28]، إلى قوله: { ويغفر لكم ذنوبكم } [الحديد: 28]، ومنه كل عمل صالح. قال تعالى: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم } [النور: 55]، وقال تعالى: { يا أيُّها الذين آمنوا اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } [المائدة: 35]، والآيات فيه كثيرة، ومنه القرآن لقوله تعالى: { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } [المائدة: 16]. ومنه كل ما له ارتباط بعمل صالح، والمساجد والأمكنة المتبركة والأيام الشريفة، ومنه الأنبياء والرسل باستغفارهم لأممهم. قال تعالى: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً } [النساء: 64]، ومنه الملائكة في استغفارهم للمؤمنين، قال تعالى: { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } [غافر: 7]، وقال تعالى: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم } [الشورى: 5]، ومنه المؤمنون باستغفارهم لأنفسهم ولإِخوانهم المؤمنين. قال تعالى حكاية عنهم: { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا } [البقرة: 286]. ومنها الشفيع يوم القيامة بالمعنى الذي عرفت، فمنهم الأنبياء. قال تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل عباد مكرمون} إلى أن قال: { ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى } [الأنبياء: 28]، فإن منهم عيسى بن مريم وهو نبيّ، وقال تعالى: { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86]، والآيتان تدلان على جواز الشفاعة من الملائكة أيضاً لأنهم قالوا إنهم بنات الله سبحانه. ومنهم الملائكة. قال تعالى: { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاَّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } [النجم: 26]، وقال تعالى: { يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلاَّ من أذن له الرَّحمن ورضي له قولاً يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } [طه: 109-110]، ومنهم الشهداء لدلالة قوله تعالى: { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاَّ من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86]، على تملكهم للشفاعة لشهادتهم بالحق، فكل شهيد فهو شفيع يملك الشهادة، غير أن هذه الشهادة كما مرّ في سورة الفاتحة وسيأتي في قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس } [البقرة: 143]، شهادة الأعمال دون الشهادة بمعنى القتل في معركة القتال، ومن هنا يظهر أن المؤمنين أيضاً من الشفعاء فإن الله عزّ وجل أخبر بلحوقهم بالشهداء يوم القيامة، قال تعالى: { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم } [الحديد: 19]، كما سيجيء بيانه.
5 - بماذا تتعلق الشفاعة؟:
قد عرفت أن الشفاعة منها تكوينية تتعلق بكل سبب تكويني في عالم الأسباب ومنها شفاعة تشريعية متعلقة بالثواب والعقاب، فمنها ما يتعلق بعقاب كل ذنب، الشرك فما دونه كشفاعة التوبة والإِيمان قبل يوم القيامة ومنها ما يتعلق بتبعات بعض الذنوب كبعض الأعمال الصالحة، وأما الشفاعة المتنازع فيها وهي شفاعة الأنبياء وغيرهم يوم القيامة لرفع العقاب ممن استحقه بالحساب، فقد عرفت في الأمر الثالث ان متعلقها أهل المعاصي الكبيرة ممن يدين دين الحق وقد ارتضى الله دينه.
6 - متى تنفع الشفاعة؟
ونعني بها أيضاً الشفاعة الرافعة للعقاب، والذي يدل عليه قوله سبحانه:
{ كل نفس بما كسبت رهينة إلاَّ أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر } [المدثر: 38-42]، فالآيات كما مرّ دالة على توصيف من تناله الشفاعة ومن يحرم منها غير أنها تدل على أن الشفاعة إنما تنفع في الفك عن هذه الرهانة والإِقامة والخلود في سجن النار، وأما ما يتقدم عليه من أهوال يوم القيامة وعظائمها فلا دليل على وقوع شفاعة فيها لو لم تدل الآية على انحصار الشفاعة في الخلاص من رهانة النار.
واعلم أنه يمكن أن يستفاد من هذه الآيات وقوع هذا التساؤل بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وتعلق الشفاعة بجمع من المجرمين بإخراجهم من النار، وذلك لمكان قوله: {في جنات}، الدال على الاستقرار وقوله: {ما سلككم}، فإن السلوك هو الادخال، لكن لا كل إدخال بل إدخال على سبيل النضد والجمع والنظم ففيه معنى الاستقرار وكذا قوله: فما تنفعهم، فإن ما لنفي الحال، فافهم ذلك.
وأما نشأة البرزخ وما يدل على حضور النبي عليه السلام والأئمة عليهم السلام عند الموت وعند مساءلة القبر وإعانتهم إياه على الشدائد كما سيأتي في قوله تعالى:
{ وإن من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به } [النساء: 159]، فليس من الشفاعة عند الله في شيء وإنما هو من سبيل التصرفات والحكومة الموهوبة لهم بإذن الله سبحانه، قال تعالى: { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ونادوا أصحاب الجنه أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون } [الأعراف: 45] إلى أن قال: { ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغني عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } [الأعراف: 48]، ومن هذا القبيل من وجه قوله تعالى: { يوم ندعوا كل أُناس بإمامهم فمن أُوتي كتابه بيمينه } [الإسراء: 71]، فوساطة الإِمام في الدعوة، وإيتاء الكتاب من قبيل الحكومة الموهوبة فافهم.
فتحصل أن المتحصل من أمر الشفاعة وقوعها في آخر موقف من مواقف يوم القيامة باستيهاب المغفرة بالمنع عن دخول النار، أو إخراج بعض من كان داخلاً فيها، باتساع الرحمة أو ظهور الكرامة.
(بحث روائي)
في أمالي الصدوق: عن الحسين بن خالد عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي" ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل" قال الحسين بن خالد: فقلت للرضا عليه السلام يا بن رسول الله فما معنى قول الله عز وجل: {ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى} قال عليه السلام: لا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى الله دينه.
أقول: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما شفاعتي، هذا المعنى رواه الفريقان بطرق متعددة عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد مرّ استفادة معناه من الآيات.
وفي تفسير العياشي: عن سماعة بن مهران عن أبي إبراهيم عليه السلام: في قول الله: عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً، قال: يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين عاماً ويؤمر الشمس، فتركب على رؤوس العباد، ويلجمهم العرق، ويؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئاً فيأتون آدم فيستشفعون منه فيدلهم على نوح، ويدلهم نوح على إبراهيم، ويدلهم إبراهيم على موسى، ويدلهم موسى على عيسى، ويدلهم عيسى فيقول: عليكم بمحمد خاتم البشر فيقول محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أنا لها فينطلق حتى يأتي باب الجنة فيدق، فيقال له: من هذا؟ والله أعلم فيقول محمد، فيقال: افتحوا له، فإذا فتح الباب استقبل ربه فخرَّ ساجداً فلا رفع رأسه حتى يقال له: تكلم وسل تعط واشفع تشفع فيرفع رأسه ويستقبل ربه فيخرُّ ساجداً فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتى أنه ليشفع من قد أحرق بالنار فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأمم أوجه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول الله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}.
أقول: وهذا المعنى مستفيض مروي بالاختصار والتفصيل بطرق متعددة من العامة والخاصة، وفيها دلالة على كون المقام المحمود في الآية هو مقام الشفاعة، ولا ينافي ذلك كون غيره صلى الله عليه وآله وسلم من الأنبياء، وغيرهم جائز الشفاعة لإِمكان كون شفاعتهم فرعاً لشفاعته فافتتاحها بيده صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي تفسير العياشي أيضاً: عن أحدهما عليه السلام: في قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}، قال: هي الشفاعة.
وفي تفسير العياشي أيضاً: عن عبيد بن زرارة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المؤمن هل له شفاعة؟ قال: نعم، فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومئذٍ؟ قال: نعم. إن للمؤمنين خطايا وذنوباً وما من أحد إلاَّ يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذٍ. قال: وسأله رجل عن قول رسول الله: أنا سيد ولد آدم ولا فخر. قال: نعم. قال: يأخذ حلقة باب الجنة فيفتحها فيخرُّ ساجداً فيقول الله: إرفع رأسك اشفع تشفَّع أطلب تُعط فيرفع رأسه ثم يخرُّ ساجداً فيقول الله: ارفع رأسك اشفع تُشفَّع واطلب تُعط ثم يرفع رأسه فيشفع فيشفّع ويطلب فيعطى.
وفي تفسير الفرات: عن محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً عن بشر بن شريح البصري قال: قلت لمحمد بن علي عليه السلام، أية آية في كتاب الله أرجى؟ قال: فما يقول فيها قومك؟.
قلت: يقولون: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}. قال: لكنا أهل بيت لا نقول ذلك. قال: قلت: فأي شيء تقولون فيها؟ قال: نقول: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}؛ الشفاعة والله الشفاعة والله الشفاعة.
أقول: أما كون قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} الآية، مقام الشفاعة فربما ساعد عليه لفظ الآية أيضاً مضافاً إلى ما استفاض عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه مقام الشفاعة فإن قوله تعالى: {أن يبعثك}، يدل على أنه مقام سيناله يوم القيامة. وقوله محموداً مطلق، فهو حمد غير مقيد يدل على وقوعه من جميع الناس من الأولين والآخرين، والحمد هو الثناء على الجميل الاختياري ففيه دلالة على وقوع فعل منه صلى الله عليه وآله وسلم ينتفع به ويستفيد منه الكل فيحمده عليه، ولذلك قال عليه السلام في رواية عبيد بن زرارة السابقة: وما من أحد إلاَّ يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذٍ الحديث. وسيجيء بيان هذا المعنى بوجه آخر وجيه.
وأما كون قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}، أرجى آية في كتاب الله دون قوله تعالى: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا} الآية، فإن النهي عن القنوط وإن تكرر ذكره في القرآن الشريف إلاَّ أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم حكاية عن إبراهيم عليه السلام: قال:
{ ومن يقنط من رحمة ربه إلاّ الضالون } [الحجر: 56]، وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: { إنه لا ييأس من روح الله إلاَّ القوم الكافرون } [يوسف: 87]، ناظرتان إلى اليأس والقنوط من الرحمة التكوينية بشهادة المورد.
وأما قوله تعالى:
{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرَّحيم وأنيبوا إلى ربكم } [الزمر: 53]، إلى آخر الآيات فهو وإن كان نهياً عن القنوط من الرحمة التشريعية بقرينة قوله تعالى {أسرفوا على أنفسهم}، الظاهر في كون القنوط في الآية قنوطاً من جهة المعصية، وقد عمم سبحانه المغفرة للذنوب جميعاً من غير استثناء، ولكنه تعالى ذيّله بالأمر بالتوبة والإِسلام والعمل بالاتباع فدلت الآية على أن العبد المسرف على نفسه لا ينبغي له أن يقنط من روح الله ما دام يمكنه اختبار التوبة والإِسلام والعمل الصالح.
وبالجملة فهذه رحمة مقيدة أمر الله تعالى عباده بالتعلق بها، وليس رجاء الرحمة المقيدة كرجاء الرَّحمة العامة والإِعطاء، والإِرضاء المطلقين الذين وعدهما الله لرسوله الذي جعله رحمة للعالمين. ذلك الوعد يطيب نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} الآية.
توضيح ذلك: أن الآية في مقام الامتنان وفيها وعد يختص به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعد الله سبحانه بمثله أحداً من خلقة قط، ولم يقيد الاعطاء بشيء فهو إعطاء مطلق وقد وعد الله ما يشابه ذلك فريقاً من عباده في الجنة فقال تعالى:
{ لهم ما يشاؤون عند ربهم } [الزمر: 34]، وقال تعالى: { لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد } [ق: 35]، فأفاد أن لهم هناك ما هو فوق مشيتهم، والمشيئة تتعلق بكل ما يخطر ببال الإِنسان من السعادة والخير، فهناك ما لا يخطر على قلب بشر كما قال تعالى: { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين } [السجدة: 17]، فإذا كان هذا قدر ما أعطاه الله على عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو أمر فوق القدر كما عرفت ذلك فما يعطيه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في مقام الامتنان أوسع من ذلك وأعظم، فافهم.
فهذا شأن إعطائه تعالى، وأما شأن رضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن المعلوم أن هذا الرضا ليس هو الرضا بما قسم الله، الذي هو زميل لأمر الله. فإن الله هو المالك الغني على الاطلاق وليس للعبد إلاَّ الفقر والحاجة، فينبغي أن يرضى بقليل ما يعطيه ربه وكثيره وينبغي أن يرضى بما قضاه الله في حقه، سره ذلك أو ساءه، فإذا كان هذا هكذا فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم وأعمل، لا يريد إلاَّ ما يريده الله في حقه، لكن هذا الرضا حيث وضع في مقابل الاعطاء يفيد معنى آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده، وإرضاء الجائع بإشباعه فهو الإِرضاء بالإِعطاء من غير تحديد، وهذا أيضاً مما وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده. قال عزّ من قائل:
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه } [البينة: 7-8]، وهذا أيضاً لموقع الامتنان والاختصاص يجب أن يكون أمراً فوق ما للمؤمنين وأوسع من ذلك، وقد قال تعالى: في حق رسوله: { بالمؤمنين رؤوف رحيم } [التوبة: 128]، فصدّق رأفته وكيف يرضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويطيب نفسه أن يتنعم بنعيم الجنة ويرتاض في رياضه وفريق من المؤمنين متغلغلون في دركات السعير، مسجونون تحت أطباق النار وهم معترفون لله بالربوبية، ولرسوله بالرسالة، ولما جاء به بالصدق، وإنما غلبت عليهم الجهالة، ولعب بهم الشيطان، فاقترفوا معاصي من غير عناد واستكبار. والواحد منّا إذا راجع ما أسلفه من عمره ونظر إلى ما قصَّر به في الاستكمال والارتقاء يلوم نفسه بالتفريط في سعيه وطلبه ثم يلتفت إلى جهالة الشباب ونقص التجارب فربما خمدت نار غضبه وانكسرت سورة ملامته لرحمة ناقصة أودعها الله فطرته، فما ظنك برحمة رب العالمين في موقف ليس فيه إلاَّ جهالة إنسان ضعيف وكرامة النبي الرؤوف الرَّحيم ورحمة أرحم الرَّاحمين. وقد رأى ما رأى من وبال أمره من لدن نشبت عليه أظفار المنية إلى آخر مواقف يوم القيامة؟.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له} الآية، عن أبي العباس المكبَّر قال: دخل مولى لإِمرأة علي بن الحسين يقال له: أبو أيمن فقال: يا أبا جعفر تغرون الناس وتقولون: شفاعة محمد، شفاعة محمد؛ فغضب أبو جعفر حتى تربَّد وجهه، ثم قال: ويحك يا أبا أيمن أغرّك أن عفّ بطنك وفرجك؟ أما لو قد رأيت أفزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد، ويلك فهل يشفع إلاَّ لمن وجبت له النار؟ قال: ما من أحد من الأولين والآخرين إلاَّ وهو محتاج إلى شفاعة محمد صلى الله عليه عليه وآله وسلم يوم القيامة، ثم قال أبو جعفر: إن لرسول الله الشفاعة في أُمته، ولنا شفاعة في شيعتنا، ولشيعتنا شفاعة في أهاليهم، ثم قال: وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإن المؤمن ليشفع لخادمه ويقول: يارب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد.
أقول: قوله عليه السلام: ما من أحد من الأولين والآخرين إلاَّ وهو محتاج إلى شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ظاهره ان هذه الشفاعة العامة غير التي ذكرها بقوله: ويلك فهل يشفع إلاَّ لمن وجبت له النار، وقد مرّ نظير هذا المعنى في رواية العياشي عن عبيد بن زرارة عن الصادق عليه السلام. وفي هذا المعنى روايات أُخر روتها العامة والخاصة، ويدل عليه قوله تعالى:
{ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86]، حيث يفيد أن الملاك في الشفاعة هو الشهادة، فالشهداء هم الشفعاء المالكون للشفاعة، وسيأتي إن شاء الله في قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } [البقرة: 143]، أن الأنبياء شهداء وأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهيد عليهم، فهو صلى الله عليه وآله وسلم شهيد الشهداء فهو شفيع الشفعاء ولولا شهادة الشهداء لما قام للقيامة أساس.
وفي تفسير القمي أيضاً: في قوله تعالى {ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له}. قال عليه السلام: لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله حتى يأذن الله له إلاَّ رسول الله فإن الله أذن له في الشفاعة قبل يوم القيامة، والشفاعة له وللأئمة مِن وُلده ثم مِنْ بعد ذلك للأنبياء.
وفي الخصال: عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ثلاثة يشفعون إلى الله عزّ وجلّ فيشفعون: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء"
]. أقول: الظاهر أن المراد بالشهداء، شهداء معركة القتال كما هو المعروف في لسان الأئمة في الأخبار لا شهداء الأعمال كما هو مصطلح القرآن.
وفي الخصال في حديث الأربعمائة: قال عليه السلام: لنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة.
أقول: وهناك روايات كثيرة في شفاعة سيدة النساء فاطمة عليها السلام وشفاعة ذريتها غير الأئمة وشفاعة المؤمنين حتى السقط منهم. ففي الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"تناكحوا تناسلوا فاني أُباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط يقوم محبنطئاً على باب الجنة فيقال له: أدخل فيقول: لا حتى يدخل أبواي" الحديث.
وفي الخصال: عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال: إن للجنة ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبينا، فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو وأقول: رب سلم شيعتي ومحبي وأنصاري ومن تولاني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش، قد أجيبت دعوتك، وشفعت في شيعتك، ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من عاداني بفعل أو قول في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلاَّ الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت.
وفي الكافي: عن حفص المؤذن عن أبي عبد الله عليه السلام في رسالته إلى أصحابه قال عليه السلام: واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من سره أن ينفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه.
وفي تفسير الفرات: بإسناده عن الصادق عليه السلام قال: قال جابر لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك يا بن رسول الله حدثني بحديث في جدتك فاطمة وساق الحديث يذكر فيه شفاعة فاطمة يوم القيامة إلى أن قال: قال أبو جعفر عليه السلام: فوالله لا يبقى في الناس إلاَّ شاك أو كافر أو منافق، فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى فما لنا من شافعين لا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين، قال أبو جعفر عليه السلام: هيهات هيهات منعوا ما طلبوا ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون.
أقول: تمسكه عليه السلام بقوله تعالى: فما لنا من شافعين يدل على استشعار دلالة الآيات على وقوع الشفاعة وقد تمسك بها النافون للشفاعة على نفيها وقد اتضح مما قدمناه في قوله تعالى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين وجه دلالتها عليها في الجملة، فلو كان المراد مجرد النفي لكان حق الكلام أن يقال: فما لنا من شفيع ولا صديق حميم، فالإِتيان في حيز النفي بصيغة الجمع يدل على وقوع شفاعة من جماعة وعدم نفعها في حقهم، مضافا إلى أن قوله تعالى: فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين بعد قوله: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم المسوق للتحسر تمنّ واقع في حيز التحسر ومن المعلوم أن التمني في حيز التحسر إنما يكون بما يتضمن ما فقده ويشتمل على ما تحسر عليه فيكون معنى قولهم: فلو أن لنا كرة، معناه يا ليتنا نردّ فنكون من المؤمنين حتى ننال الشفاعة من الشافعين كما نالها المؤمنون، فالآية من الآيات الدالة على وقوع الشفاعة.
وفي التوحيد: عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل، قيل: يا بن رسول الله كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى يقول: {ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى}، ومن ارتكب الكبيرة لا يكون مرتضى؟ فقال عليه السلام: ما من مؤمن يرتكب ذنباً إلاَّ ساءه ذلك وندم عليه، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كفى بالندم توبه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم من سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالماً والله تعالى ذكره يقول: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}، فقيل له: يابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لا يندم على ذنب يرتكبه فقال: ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليه إلاَّ ندم على ما ارتكب، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة، ومتى لم يندم عليها كان مصراً والمصر لا يغفر له، لأنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإِصرار، وأما قول الله عز وجل: ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى فإنهم لا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى الله دينه، والدين الاقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات، فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة" .
أقول: قوله عليه السلام وكان ظالماً، فيه تعريف الظالم يوم القيامة وإشارة إلى ما عرّفه به القرآن حيث يقول: { فأذّن مؤذّن بينهم أن لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 44-45]، وهو الذي لا يعتقد بيوم المجازاة فلا يتأسف على فوت أوامر الله تعالى ولا يسؤه اقتحام محارمه إما بجحد جميع المعارف الحقة والتعاليم الدينية وإما بالاستهانة لأمرها وعدم الاعتناء بالجزاء والدين يوم الجزاء والدين فيكون قوله به إستهزاءً بأمره وتكذيباً له، وقوله عليه السلام: فتكون تائباً مستحقاً للشفاعة، أي راجعاً إلى الله ذا دين مرضي مستحقاً للشفاعة، وأما التوبة المصطلحة فهي بنفسها شفيعة منجية، وقوله عليه السلام: وقد قال النبي لا كبيرة مع الاستغفار، "الخ" تمسّكه عليه السلام به من جهة أن الإِصرار وهو عدم الانقباض بالذنب والندم عليه يخرج الذنب عن شأنه الذي له إلى شأن آخر وهو تكذيب المعاد والظلم بآيات الله فلا يغفر لأن الذنب إنما يغفر إما بتوبة أو بشفاعة متوقفة على دين مرضي ولا توبة هناك ولا دين مرضياً.
ونظير هذا المعنى واقع في رواية العلل عن أبي إسحق الليثي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: يابن رسول الله أخبرني عن المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني؟ قال: اللهم لا، قلت: فيلوط؟ قال: اللهم لا، قلت: فيسرق؟ قال: لا، قلت: فيشرب الخمر؟ قال: لا، قلت: فيأتي؟ بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال: لا، قلت: فيذنب ذنباً؟ قال: نعم، وهو مؤمن مذنب مسلم، قلت: ما معنى مسلم؟ قال: المسلم لا يلزمه ولا يصر عليه الحديث.
وفي الخصال: بأسانيد عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إذا كان يوم القيامة تجلَّى الله عزّ وجلّ لعبده المؤمن فيوقفه على ذنوبه ذنباً ذنباً ثم يغفر الله له لا يطلع الله له ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ويستر عليه أن يقف عليه أحد، ثم يقول لسيئاته: كوني حسنات"
]. وعن صحيح مسلم مرفوعاً إلى أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ونحوا عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال: أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول: إن لي ذنوباً ما أراها ها هُنا" قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.
وفي الأمالي: عن الصادق عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته.
أقول: والروايات الثلاث الأخيرة من المطلقات والأخبار الدالة على وقوع شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة من طرق أئمة أهل البيت وكذا من طرق أهل السنة والجماعة بالغة حد التواتر، وهي من حيث المجموع إنما تدل على معنى واحد وهو الشفاعة على المذنبين من أهل الإِيمان إما بالتخليص من دخول النار وإما بالآخراج منها بعد الدخول فيها، والمتيقن منها عدم خلود المذنبين من أهل الإِيمان في النار وقد عرفت أن القرآن أيضاً لا يدل على أزيد من ذلك.
(بحث فلسفي)
البراهين العقلية وإن قصرت عن إعطاء التفاصيل الواردة كتاباً وسنة في المعاد لعدم نيلها المقدمات المتوسطة في الاستنتاج على ما ذكره الشيخ ابن سينا لكنها تنال ما يستقبله الإِنسان من كمالاته العقلية والمثالية في صراطي السعادة والشقاوة بعد مفارقة نفسه بدنه من جهة التجرد العقلي والمثالي الناهض عليهما البرهان.
فالإِنسان في بادئ أمره يحصل له من كل فعل يفعله هيئة نفسانيه وحال من أحوال السعادة والشقاء، ونعني بالسعادة ما هو خير له من حيث أنه إنسان، وبالشقاوة ما يقابل ذلك، ثم تصير تلك الأحوال بتكررها ملكة راسخة، ثم يتحصل منها صورة سعيدة أو شقية للنفس تكون مبدأً لهيئآت وصور نفسانية، فإن كانت سعيدة فآثارها وجودية ملائمة للصورة الجديدة، وللنفس التي هي بمنزلة المادة القابلة لها، وإن كانت شقية فأثارها أمور عدمية ترجع بالتحليل إلى الفقدان والشر، فالنفس السعيدة تلتذ بآثارها بما هي إنسان، وتلتذ بها بما هي إنسان سعيد بالفعل، والنفس الشقية وإن كانت آثارها مستأنسة لها وملائمة بما أنها مبدأ لها، لكنها تتألم بها بما أنها إنسان، هذا بالنسبة إلى النفوس الكاملة في جانب السعادة والشقاوة، أعني الإِنسان السعيد ذاتا والصالح عملاً والإِنسان الشقى ذاتا والطالح عملاً، وأما الناقصة في سعادتها وشقائها فالإِنسان السعيد ذاتاً الشقي فعلاً، بمعنى أن يكون ذاته ذات صورة سعيدة بالاعتقاد الحق الثابت غير أن في نفسه هيئآت شقية رديئة من الذنوب والآثام اكتسبتها حين تعلقها بالبدن الدنيوي وارتضاعها من ثدي الاختيار، فهي أمور قسرية غير ملائمة لذاتة، وقد أُقيم البرهان على أن القسر لا يدوم، فهذه النفس سترزق التطهر منها في برزخ أو قيمة على حسب قوة رسوخها في النفس، وكذلك الأمر فيما للنفس الشقية من الهيآت العارضة السعيدة، فإنها ستسلب عنها وتزول سريعاً أو بطيئاً، وأما النفس التي لم تتم لها فعلية السعادة والشقاوة في الحياة الدنيا حتى فارقت البدن مستضعفة ناقصة فهي من المرجئين لأمر الله عزّ وجل، فهذا ما يقتضيه البراهين في المجازاة بالثواب والعقاب المقتضية لكونها من لوازم الأعمال ونتائجها، لوجوب رجوع الروابط الوضعية الاعتبارية بالآخرة إلى روابط حقيقية وجودية هذا.
ثم إن البراهين قائمة على أن الكمال الوجودي مختلف بحسب مراتب الكمال والنقص، والشدة والضعف، وهو التشكيك خاصة في النور المجرد، فلهذه النفوس مراتب مختلفة في القرب والبعد من مبدأ الكمال ومنتهاه في سيرها الارتقائي وعودها إلى ما بدأت منها وهي بعضها فوق بعض، وهذه شأن العلل الفاعلية (بمعنى ما به) ووسائط الفيض، فلبعض النفوس وهي النفوس التامة الكاملة كنفوس الأنبياء عليهم السلام وخاصة من هو في أرقى درجات الكمال، والفعلية وساطة في زوال الهيئات الشقية الردية القسرية من نفوس الضعفاء، ومن دونهم من السعداء إذا لزمتها قسراً، وهذه هي الشفاعة الخاصة بأصحاب الذنوب.
(بحث اجتماعي)
الذي تعطيه أصول الاجتماع أن المجتمع الإِنساني لا يقدر على حفظ حياته وإدامة وجوده إلاَّ بقوانين موضوعة معتبرة بينهم، لها النظارة في حاله، الحكومة في أعمال الأفراد وشؤونهم، تنشأ عن فطرة المجتمع وغريزه الأفراد المجتمعين بحسب الشرائط الموجودة، فتسير بهدايتها جميع طبقات الاجتماع كل على حسب ما يلائم شأنه ويناسب موقعه، فيسير المجتمع بذلك سيراً حثيثاً ويتولد بتألف أطرافه وتفاعل متفرقاته العدل الاجتماعي، وهي موضوعة على مصالح ومنافع مادية يحتاج إليها إرتقاء الاجتماع المادي، وعلى كمالات معنوية كالأخلاق الحسنة الفاضلة التي يدعو إليها صلاح الاجتماع كالصدق في القول والوفاء بالعهد والنصح وغير ذلك، وحيث كانت القوانين والأحكام وضعية غير حقيقية احتاجت إلى تتميم تأثيرها، بوضع أحكام مقررة أخرى في المجازاة لتكون هي الحافظة لحماها عن تعدي الأفراد المتهوسين وتساهل آخرين، ولذلك كلما قويت حكومة (أي حكومة كانت) على إجراء مقررات الجزاء لم يتوقف المجتمع في سيره ولا ضل سائره عن طريقه ومقصده، وكلما ضعفت اشتد الهرج والمرج في داخله وانحرف عن مسيره فمن التعاليم اللازمة تثبيتها في الاجتماع تلقين أمر الجزاء، وإيجاد الإِيمان به في نفوس الأفراد، ومن الواجب الاحتراز من أن يدخل في نفوسهم رجاء التخلص عن حكم الجزاء، وتبعة المخالفة والعصيان، بشفاعة أو رشوة أو بشيء من الحيل والدسائس المهلكة، ولذلك نقموا على الديانة المسيحية ما وقع فيها أن المسيح فدى الناس في معاصيهم بصلبه، فالناس يتكلون عليه في تخليصهم من يد القضاء يوم القيامة ويكون الدين إذ ذاك هادماً للإِنسانية، مؤخراً للمدنية، راجعاً بالإِنسان القهقرى كما قيل. وإن الإِحصاء يدل من أن المتدينين أكثر كذباً وأبعد من العدل من غيرهم وليس ذلك إلاَّ أنهم يتكلون بحقية دينهم، وإدخار الشفاعة في حقهم ليوم القيامة، فلا يبالون ما يعملون بخلاف غيرهم، فإنهم خلوا وغرائزهم وفطرهم ولم يبطل حكمها بما بطل به في المتدينين فحكمت بقبح التخلف عمّا يخالف حكم الإِنسانية والمدنية الفاضلة.
وبذلك عول جمع من الباحثين في تأويل ما ورد في خصوص الشفاعة في الاسلام وقد نطق به الكتاب وتواترت عليه السنة.
ولعمري لا الإِسلام تثبت الشفاعة بالمعنى الذي فسروها به، ولا الشفاعة التي تثبتها تؤثر الأثر الذي زعموه لها، فمن الواجب أن يحصل الباحث في المعارف الدينية وتطبيق ما شرعه الإِسلام على هيكل الاجتماع الصالح والمدنية الفاضلة تمام ما رامه الإِسلام من الأصول والقوانين المنطبقة على الاجتماع كيفية ذلك التطبيق، ثم يحصل ما هي الشفاعة الموعودة وما هو محلها وموقعها بين المعارف التي جاء بها.
فيعلم أولاً: أن الذي يثبته القرآن من الشفاعة هو أن المؤمنين لا يخلدون في النار يوم القيامة بشرط أن يلاقوا ربهم بالإِيمان المرضي والدين الحق فهو وعد وعده القرآن مشروطاً ثم نطق بأن الإِيمان من حيث بقائه على خطر عظيم من جهة الذنوب ولا سيما الكبائر ولا سيما الادمان منها والامرار فيها، فهو شفا جرف الهلاك الدائم، وبذلك يتحصل رجاء النجاة وخوف الهلاك، ويسلك نفس المؤمن بين الخوف والرجاء فيعبد ربه رغبة ورهبة، ويسير في حياته سيراً معتدلاً غير منحرف لا إلى خمود القنوط، ولا إلى كسل الوثوق.
وثانياً: أن الإِسلام قد وضع من القوانين الاجتماعية من مادياتها ومعنوياتها ما يستوعب جميع الحركات والسكنات الفردية والاجتماعية، ثم إعتبر لكل مادة من موادها ما هو المناسب له من التبعة والجزاء من دية وحد وتعزير إلى أن ينتهي إلى تحريم مزايا الاجتماع واللوم والذم والتقبيح، ثم تحفَّظ على ذلك بعد تحكيم حكومة أولياء الأمر، بتسليط الكل على الكل بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ثم أحيى ذلك بنفخ روح الدعوة الدينية المضمنة بالانذار والتبشير بالعقاب والثواب في الآخرة، وبنى أساس تربيته بتلقين معارف المبدأ والمعاد على هذا الترتيب.
فهذا ما يرومه الإِسلام بتعليمه، جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصدَّقه التجارب الواقع في عهده وعهد من يليه حتى لعبت به أيدي الولاة في السلطنة الأموية ومن شايعهم في استبدادهم ولعبهم بأحكام الدين وابطالهم الحدود والسياسات الدينية حتى آل الأمر إلى ما آل إليه اليوم وارتفعت أعلام الحرية وظهرت المدنية الغربية ولم يبق من الدين بين المسلمين إلاَّ كصبابة في إناء فهذا الضعف البين في سياسة الدين وارتجاع المسلمين القهقرى هو الموجب لتنزلهم في الفضائل والفواضل وانحطاطهم في الأخلاق والآداب الشريفة وانغمارهم في الملاهي والشهوات وخوضهم في الفواحش والمنكرات، هو الذي أجرأهم على انتهاك كل حرمة واقتراف كل ما يستشنعه حتى غير المنتحل بالدين لا ما يتخيله المعترض من استناد الفساد إلى بعض المعارف الدينية التي لا غاية لها، وفيها إلاَّ سعادة الإِنسان في آجله وعاجله والله المعين، والاحصاء الذي ذكروها إنما وقع على جمعية المتدينين وليس عليهم قيِّم ولا حافظ قوي وعلى جمعية غير المنتحلين، والتعليم والتربية الاجتماعيان قيمان عليهم حافظان لصلاحهم الاجتماعي فلا يفيد فيما أراده شيئاً.