التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ
٤٨
ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
٤٩
وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
٥٠
وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ
٥١
إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ
٥٢
قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ
٥٣
قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٥٤
قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ
٥٥
قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ
٥٦
وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ
٥٧
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
٥٨
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
٥٩
قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ
٦٠
قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
٦١
قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ
٦٢
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ
٦٣
فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٦٤
ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ
٦٥
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ
٦٦
أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٦٧
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
٦٨
قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ
٦٩
وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ
٧٠
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ
٧١
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ
٧٢
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ
٧٣
وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ
٧٤
وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ
٧٥
وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
٧٦
وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٧٧
-الأنبياء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
لما استوفى الكلام في النبوة بانياً لها على المعاد عقبه بالإِشارة إلى قصص جماعة من أنبيائه الكرام الذين بعثهم إلى الناس وأيدهم بالحكمة والشريعة وأنجاهم من أيدي ظالمي أُممهم وفي ذلك تأييد لما مر في الآيات من حجة التشريع وإنذار وتخويف للمشركين وبشرى للمؤمنين.
وقد عد فيها من الأنبياء موسى وهارون وإبراهيم ولوطاً وإسحاق ويعقوب ونوحاً وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذا الكفل وذا النون وزكريا ويحيى وعيسى سبعة عشر نبياً، وقد ذكر في الآيات المنقولة سبعة منهم فذكر أولاً موسى وهارون وعقبهما بإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط وهم قبلهما ثم عقبهم بنوح وهو قبلهم.
قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين } رجوع بوجه إلى تفصيل ما أجمل في قوله سابقاً: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم } الآية بذكر ما أُوتي النبيون من المعارف والشرائع وأُيدوا بإهلاك أعدائهم بالقضاء بالقسط.
والآية التالية تشهد أن المراد بالفرقان والضياء والذكر التوراة آتاها الله موسى وأخاه هارون شريكه في النبوة.
والفرقان مصدر الفرق لكنه أبلغ من الفرق، وذكر الراغب أنه على ما قيل اسم لا مصدر وتسمية التوراة الفرقان لكونها فارقة أو لكونها يفرق بها بين الحق والباطل في الاعتقاد والعمل، والآية نظيرة قوله:
{ { وإِذْ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } [البقرة: 53] وتسميتها ضياء لكونها مضيئه لمسيرهم إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وتسميتها ذكراً لاشتمالها على ما يذكر به الله من الحكم والمواعظ والعبر.
ولعل كون الفرقان أحد أسماء التوراة هو الموجب لإِتيانه باللام بخلاف ضياء وذكر، وبوجه آخر هي الفرقان للجميع لكنها ضياء وذكر للمتقين خاصة لا ينتفع بها غيرهم ولذا جيء بالضياء والذكر منكرين ليتقيدا بقوله: { للمتقين } بخلاف الفرقان وقد سميت التوراة نوراً وذكراً في قوله تعالى:
{ { فيها هدى ونور } [المائدة: 44] وقوله: { فاسألوا أهل الذكر } الآية 7 من السورة.
قوله تعالى: { وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون } الإِشارة بهذا إلى القرآن وإنما سمي ذكراً مباركاً لأنه ثابت دائم كثير البركات ينتفع به المؤمن به والكافر في المجتمع البشري وتتنعم به الدنيا سواء عرفته أو أنكرته أقرت بحقه أو جحدته.
يدل على ذلك تحليل ما نشاهد اليوم من آثار الرشد والصلاح في المجتمع العام البشري والرجوع بها القهقري إلى عصر نزول القرآن فما قبله فهو الذكر المبارك الذي يسترشد بمعناه وان جهل الجاهلون لفظه، وأنكر الجاحدون حقه وكفروا بعظيم نعمته، وأعانهم على ذلك المسلمون بإهمالهم في أمره، وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً.
قوله تعالى: { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } انعطاف إلى ما قبل موسى وهارون ونزول التوراة كما يفيده قوله: { من قبل } والمراد أن إيتاء التوراة لموسى وهارون لم يكن بدعاً من أمرنا بل أُقسم لقد آتينا قبل ذلك إبراهيم رشده.
والرشد خلاف الغي وهو إصابة الواقع، وهو في إبراهيم عليه السلام اهتداؤه الفطري التام إلى التوحيد وسائر المعارف الحقة، وإضافة الرشد إلى الضمير الراجع إلى إبراهيم تفيد الاختصاص وتعطي معنى اللياقة، ويؤيد ذلك قوله بعده: { وكنا به عالمين } وهو كناية عن العلم بخصوصية حاله ومبلغ استعداده.
والمعنى: وأقسم لقد أعطينا إبراهيم ما يستعد له ويليق به من الرشد وإصابة الواقع وكنا عالمين بمبلغ استعداده ولياقته، والذي آتاه الله سبحانه - كما تقدم - هو ما أدركه بصفاء فطرته ونور بصيرته من حقيقة التوحيد وسائر المعارف الحقة من غير تعليم معلم أو تذكير مذكر أو تلقين ملقن.
قوله تعالى: { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } التمثال الشيء المصور والجمع تماثيل، والعكوف الإِقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له كذا ذكره الراغب فيهما.
يريد عليه السلام بهذه التماثيل الأصنام التي كانوا نصبوها للعبادة وتقريب القرابين وكان سؤاله عن حقيقتها ليعرف ما شأنها وقد كان أول وروده في المجتمع وقد ورد في مجتمع ديني يعبدون التماثيل والأصنام، والسؤال مع ذلك مجموع سؤالين اثنين وسؤاله أبيه عن الأصنام كان قبل سؤاله قومه على ما أُشير إليه في سورة الأنعام ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } هو جواب القوم ولما كان سؤاله عليه السلام عن حقيقة الأصنام راجعاً بالحقيقة إلى سؤال السبب لعبادتهم اياها تمسكوا في التعليل بذيل السنة القومية فذكروا أن ذلك من سنة آبائهم وجدودهم يعبدونها.
قوله تعالى: { قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين } ووجه كونهم في ضلال مبين ما سيورده في محاجة القوم بعد كسر الأصنام من قوله: { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم }.
قوله تعالى: { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين } سؤال تعجب واستبعاد وهو شأن المقلد التابع من غير بصيرة إذا صادف إنكاراً لما هو فيه استبعد ولم يكد يذعن بأنه مما يمكن أن ينكره منكر ولذا سألوه أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين والمراد بالحق - على ما يعطيه السياق - الجد أي أتقول ما تقوله جداً أم تلعب به؟.
قوله تعالى: { قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين } هو عليه السلام - كما ترى - يحكم بأن ربهم هو رب السماوات وأن هذا الرب هو الذي فطر السماوات والأرض وهو الله سبحانه، وفي ذلك مقابلة تامة لمذهبهم في الربوبية والألوهية فإنهم يرون أن لهم إلهاً أو آلهة غير ما للسماوات والأرض من الإِله أو الآلهة وهم جميعاً غير الله سبحانه ولا يرونه تعالى إلهاً لهم ولا لشيء من السماوات والأرض بل يعتقدون أنه إله الآلهة ورب الأرباب وفاطر الكل.
فقوله: { بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن } رد لمذهبهم في الألوهية بجميع جهاته وإثبات أن لا إله إلا الله وهو "التوحيد".
ثم كشف عليه السلام بقوله: { وأنا على ذلكم من الشاهدين } عن أنه معترف مقر بما قاله ملتزم بلوازمه وآثاره شاهد عليه شهادة إقرار والتزام فإن العلم بالشيء غير الالتزام به وربما تفارقا كما قال تعالى:
{ { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } [النمل: 14]. وبهذا التشهد يتم الجواب عن سؤالهم أهو مجد فيما يقول أم لاعب؟ والجواب لا بل أعلم بذلك وأتدين به.
هذا ما يعطيه السياق في معنى الآية، ولهم في تفسيرها أقاويل أُخر، وكذا في معاني آيات القصة السابقة واللاحقة وجوه أُخر أضربنا عنها لعدم جدوى في التعرض لها فلا سياق الآيات يساعد عليها ولا مذاهب الوثنية توافقها.
قوله تعالى: { وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } معطوف على قوله: { بل ربكم } الخ أي قال لأكيدن أصنامكم "الخ" والكيد التدبير الخفي على الشيء بما يسوؤه، وفي قوله: { بعد أن تولوا مدبرين } دلالة على أنهم كانوا يخرجون من البلد أو من بيت الأصنام أحياناً لعيد كان لهم أو نحوه فيبقى الجو خالياً.
وسياق القصة وطبع هذا الكلام يستدعي أن يكون قوله: { وتالله لأكيدن أصنامكم } بمعنى تصميمه العزم على أن يكيد أصنامهم فكثيراً ما يعبر عن تصميم العزم بالقول يقال: لأفعلن كذا لقول قلته أي لعزم صممته.
ومن البعيد أن يكون مخاطباً به القوم وهم أُمة وثنية كبيرة ذات قوة وشوكة وحمية وعصبية ولم يكن فيهم يومئذ - وهو أول دعوة إبراهيم - موحد غيره فلم يكن من الحزم أن يخبر القوم بقصده أصنامهم بالسوء وخاصة بالتصريح على أن ذلك منه بالكيد يوم تخلو البلدة أو بيت الأصنام من الناس كمن يفشي سراً لمن يريد أن يكتمه منه اللهم إلا أن يكون مخاطباً به بعض القوم ممن لا يتعداهم القول وأما إعلان السر لعامتهم فلا قطعاً.
قوله تعالى: { فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون } قال الراغب الجذ كسر الشيء وتفتيته ويقال لحجارة الذهب المكسورة ولفتات الذهب جذاذاً ومنه قوله تعالى: { فجعلهم جذاذاً } انتهى فالمعنى فجعل الأصنام قطعاً مكسورة إلا صنماً كبيراً من بينهم.
وقوله: { لعلهم إليه يرجعون } ظاهر السياق أن هذا الترجي لبيان ما كان يمثله فعله أي كان فعله هذا حيث كسر الجميع إلا واحداً كبيراً لهم فعل من يريد بذلك أن يرى القوم ما وقع على أصنامهم من الجذ ويجدوا كبيرهم سالماً بينهم فيرجعوا إليه ويتهموه في أمرهم كمن يقتل قوماً ويترك واحداً منهم ليتهم في أمرهم.
وعلى هذا فالضمير في قوله: { إليه } راجع إلى { كبيراً لهم } ويؤيد هذا المعنى أيضاً قول إبراهيم الآتي: { بل فعله كبيرهم هذا } في جواب قولهم: { أأنت فعلت هذا بآلهتنا }.
والجمهور من المفسرين على أن ضمير { إليه } لإِبراهيم عليه السلام والمعنى فكسر الأصنام وأبقى كبيرهم لعل الناس يرجعون إلى إبراهيم فيحاجهم ويبكتهم ويبين بطلان أُلوهية أصنامهم، وذهب بعضهم إلى أن الضمير لله سبحانه والمعنى فكسرهم وأبقاه لعل الناس يرجعون إلى الله بالعبادة لما رأوا حال الأصنام وتنبهوا من كسرها أنها ليست بآلهة كما كانوا يزعمون.
وغير خفي أن لازم القولين كون قوله: { إلا كبيراً لهم } مستدركاً وإن تكلف بعضهم في دفع ذلك بما لا يغني عن شيء، وكان المانع لهم من إرجاع الضمير إلى { كبير } عدم استقامة الترجي على هذا التقدير لكنك عرفت أن ذلك لبيان ما يمثله فعله عليه السلام لمن يشهد صورة الواقعة لا لبيان ترج جدي من إبراهيم عليه السلام.
قوله تعالى: { قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين } استفهام بداعي التأسف وتحقيق الأمر للحصول على الفاعل المرتكب للظلم ويؤيد ذلك قوله تلواً: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم } الخ فقول بعضهم: إن { من } موصولة ليس بسديد.
وقوله: { إنه لمن الظالمين } قضاء منهم بكونه ظالماً يجب أن يساس على ظلمه إذ قد ظلم الآلهة بالتعدي إلى حقهم وهو التعظيم وظلم الناس بالتعدي إلى حقهم وهو احترام آلهتهم وتقديس مقدساتهم وظلم نفسه بالتعدي إلى ما ليس له بحق وارتكاب ما لم يكن له أن يرتكبه.
قوله تعالى: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } المراد بالذكر - على ما يستفاد من المقام - الذكر بالسوء أي سمعنا فتى يذكر الآلهة بالسوء فإن يكن فهو الذي فعل هذا بهم إذ لا يتجرئ لإِرتكاب مثل هذا الجرم إلا مثل ذاك المتجري.
وقوله: { يقال له إبراهيم } برفع إبراهيم وهو خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هو إبراهيم كذا ذكره الزمخشري.
قوله تعالى: { قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون } المراد بإتيانه على أعين الناس إحضاره في مجمع من الناس ومرآهم وهو حيث كسرت الأصنام كما يظهر من قول إبراهيم عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } بالإِشارة إلى كبير الأصنام.
وكأن المراد بشهادتهم أن يشهدوا عليه بأنه كان يذكرهم بالسوء فيكون ذلك ذريعة إلى أخذ الإِقرار منه بالجذ والكسر، وأما ما قيل: أن المراد شهادتهم عقاب إبراهيم على ما فعل فبعيد.
قوله تعالى: { قالوا ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم } الإِستفهام - كما قيل - للتقرير بالفاعل فإن أصل الفعل مفروغ عنه معلوم الوقوع، وفي قولهم { بآلهتنا } تلويح إلى أنهم ما كانوا يعدونه من عبدة الأصنام.
قوله تعالى: { قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون } ما أخبر عليه السلام به بقوله: { بل فعله كبيرهم هذا } دعوى بداعي إلزام الخصم وفرض وتقدير قصد به إبطال أُلوهيتها كما سيصرح به في قوله: { أفتعبدون ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم } الخ. وليس بخبر جدي البتة، وهذا كثير الورود في المخاصمات والمناظرات فالمعنى قال: بل شاهد الحال وهو صيرورة الجميع جذاذاً وبقاء كبيرهم سالماً يشهد أن قد فعله كبيرهم هذا وهو تمهيد لقوله: { فاسألوهم } الخ.
وقوله: { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } أمر بأن يسألوا الأصنام عن حقيقة الحال وأن الذي فعل بهم هذا من هو؟ فيخبروهم به إن كانوا ينطقون فقوله: { إن كانوا ينطقون } شرط جزاؤه محذوف يدل عليه قوله { فاسألوهم }.
فتحصّل أن الآية على ظاهرها من غير تكلف إضمار أو تقديم وتأخير أو محذور تعقيد، وأن صدرها المتضمن لدعوى استناد الفعل إلى كبيرهم إلزام للخصم وتوطئة وتمهيد لذيلها وهو أمرهم بسؤال الأصنام إن نطقوا لينتهي إلى اعتراف القوم بأنهم لا ينطقون.
وربما قيل: إن قوله: { إن كانوا ينطقون } قيد لقوله: { بل فعله كبيرهم } والتقدير: بل إن كانوا ينطقون فعله كبيرهم، وإذ كان نطقهم محالاً فالفعل منه كذلك وقوله: { فاسألوا } جملة معترضة.
وربما قيل: إن فاعل قوله: { فعله } محذوف والتقدير بل فعله من فعله ثم ابتدأ فقيل: كبيرهم هذا فاسألوهم الخ. وربما قيل: غير ذلك وهي وجوه غير خالية من التكليف لا يخلو الكلام معها من التعقيد المنزه عنه كلامه تعالى.
قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون } تفريع على قوله: { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } فإنهم لما سمعوا منه ذلك وهو يرون أن الأصنام جمادات لا شعور لها ولا نطق تمت عند ذلك عليهم الحجة فقضى كل منهم على نفسه أنه هو الظالم دون إبراهيم فقوله: { فرجعوا إلى أنفسهم } استعارة بالكناية عن تنبههم وتفكرهم في أنفسهم، وقوله: { فقالوا إنكم أنتم الظالمون } أي قال كل لنفسه مخاطباً لها: إنك أنت الظالم حيث تعبد جماداً لا ينطق.
وقيل: المعنى فرجع بعضهم إلى بعض وقال بعضهم لبعض إنكم أنتم الظالمون وأنت خبير بأن ذلك لا يناسب المقام وهو مقام تمام الحجة على الجميع واشتراكهم في الظلم ولو بني على قول بعضهم لبعض في مقام هذا شأنه لكان الأنسب أن يقال: إنا نحن الظالمون كما في نظائره قال تعالى:
{ { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين } [القلم: 30-31] وقال: { { فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون } [الواقعة: 65-67]. قوله تعالى: { ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } قال الراغب: النكس قلب الشيء على رأسه ومنه نكس الولد إذا خرج رجله قبل رأسه قال تعالى: { ثم نكسوا على رؤسهم }. انتهى فقوله: { ثم نكسوا على رؤسهم } كناية أو استعارة بالكناية عن قلبهم الباطل على مكان الحق الذي ظهر لهم والحق على مكان الباطل كأن الحق علا في قلوبهم الباطل فنكسوا على رؤوسهم فرفعوا الباطل وهو كون إبراهيم ظالماً على الحق وهو كونهم هم الظالمين فخصموا إبراهيم بقولهم: { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون }.
ومعنى قولهم: { لقد علمت } الخ. أن دفاعك عن نفسك برمى كبير الأصنام بالفعل وهو الجذ وتعليق ذلك باستنطاق الآلهة مع العلم بأنهم لا ينطقون دليل على أنك أنت الفاعل الظالم فالجملة كناية عن ثبوت الجرم وقضاء على إبراهيم.
قوله تعالى: { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم } إلى قوله { أفلا تعقلون } لما تفوهوا بقولهم: { ما هؤلاء ينطقون } وسمعه إبراهيم لم يشتغل بالدفاع فلم يكن قاصداً لذلك من أول بل استفاد من كلامهم لدعوته الحقة فخصمهم بلازم قولهم وأتمّ الحجة عليهم في كون أصنامهم غير مستحقه للعبادة أي غير آلهة.
فما حصل تفريع قوله: { أفتعبدون ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم } أن لازم كونهم لا ينطقون أن لا يعلموا شيئاً ولا يقدروا على شيء، ولازم ذلك أن لا ينفعوكم شيئاً ولا يضروكم، ولازم ذلك أن يكون عبادتهم لغواً إذ العبادة إما لرجاء خير أو لخوف شرّ وليس عندهم شيء من ذلك فليسوا بآلهة.
وقوله: { أُف لكم ولما تعبدون من دون الله } تزجر وتبرّ منهم ومن آلهتهم بعد إبطال أُلوهيتها، وهذا كشهادته على وحدانيته تعالى بعد إثباتها في قوله فيما مر: { وأنا على ذلكم من الشاهدين }، وقوله: { أفلا تعقلون } توبيخ لهم.
قوله تعالى: { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين } هو عليه السلام وإن أبطل بكلامه السابق أُلوهية الأصنام وكان لازمه الضمنيّ أن لا يكون كسرهم ظلماً وجرماً لكنه لوّح بكلامه إلى أن رميه كبير الأصنام بالفعل وأمرهم أن يسألوا الآلهة عن ذلك لم يكن لدفع الجرم عن نفسه بل كان تمهيداً لإِبطال أُلوهية الآلهة وبهذا المقدار من السكوت وعدم الرد قضوا عليه بثبوت الجرم وأن جزاءه أن يحرق بالنار.
ولذلك قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم بتعظيم أمرهم ومجازاة من أهان بهم وقولهم: { إن كنتم فاعلين } تهييج وإغراء.
قوله تعالى: { قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } خطاب تكويني للنار تبدلت به خاصة حرارتها وإحراقها وإفنائها برداً وسلاماً بالنسبة إلى إبراهيم عليه السلام على طريق خرق العادة، وبذلك يظهر أن لا سبيل لنا إلى الوقوف على حقيقة الأمر فيه تفصيلاً إذ الأبحاث العقلية عن الحوادث الكونية إنما تجري فيما لنا علم بروابط العلية والمعلولية فيه من العاديات المتكررة، وأما الخوارق التي نجهل الروابط فيها فلا مجرى لها فيها. نعم نعلم إجمالاً أن لهمم النفوس دخلاً فيها وقد تكلمنا في ذلك في مباحث الإِعجاز في الجزء الأول من الكتاب.
والفصل في قوله: { قلنا } الخ. لكونه في معنى جواب سؤال مقدر وتقدير الكلام بما فيه من الحذف إيجازاً نحو من قولنا: فأضرموا ناراً وألقوه فيها فكأنه قيل: فماذا كان بعده فقيل: قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، وعلى هذا النحو الفصل في كل { قال } و { قالوا } في الآيات السابقة من القصة.
قوله تعالى: { وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين } أي احتالوا عليه ليطفئوا نوره ويبطلوا حجته فجعلناهم الأخسرين حيث خسروا ببطلان كيدهم وعدم تأثيره وزادوا خسارة حيث أظهره الله عليهم بالحفظ والإِنجاء.
قوله تعالى: { ونجّيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } الأرض المذكورة هي أرض الشام التي هاجر إليها إبراهيم، ولوط أول من آمن به وهاجر معه كما قال تعالى:
{ { فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي } [العنكبوت: 26]. قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } النافلة العطية وقد تكرر البحث عن مضمون الآيتين.
قوله تعالى: { وجعلناهم أئمه يهدون بأمرنا } إلى آخر الآية. الظاهر - كما يشير إليه ما يدل من الآيات على جعل الإِمامة في عقب إبراهيم عليه السلام - رجوع الضمير في { جعلناهم } إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
وظاهر قوله: { أئمة يهدون بأمرنا } أن الهداية بالأمر يجري مجرى المفسر لمعنى الإِمامة، وقد تقدم الكلام في معنى هداية الإِمام بأمر الله في الكلام على قوله تعالى:
{ { إني جاعلك للناس إماماً } [البقرة: 124] في الجزء الأول من الكتاب.
والذي يخص المقام أن هذه الهداية المجعولة من شؤون الإِمامة ليست هي بمعنى إراءة الطريق لأن الله سبحانه جعل إبراهيم عليه السلام إماماً بعد ما جعله نبياً - كما أوضحناه في تفسير قوله: { إني جاعلك للناس إماماً } فيما تقدم - ولا تنفك النبوة عن الهداية بمعنى إراءة الطريق فلا يبقى للإِمامة إلا الهداية بمعنى الإِيصال إلى المطلوب وهي نوع تصرف تكويني في النفوس بتسييرها في سير الكمال ونقلها من موقف معنوي إلى موقف آخر.
وإذ كانت تصرفاً تكوينياً وعملاً باطنياً فالمراد بالأمر الذي تكون به الهداية ليس هو الأمر التشريعي الاعتباري بل ما يفسره في قوله:
{ { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } [يس: 82-83] فهو الفيوضات المعنوية والمقامات الباطنية التي يهتدي إليها المؤمنون بأعمالهم الصالحة ويتلبسون بها رحمة من ربهم.
وإذ كان الإِمام يهدي بالأمر - والباء للسببية أو الآلة - فهو متلبس به أولاً ومنه ينتشر في الناس على اختلاف مقاماتهم فالإِمام هو الرابط بين الناس وبين ربهم في إعطاء الفيوضات الباطنية وأخذها كما أن النبي رابط بين الناس وبين ربهم في أخذ الفيوضات الظاهرية وهي الشرائع الإِلهية تنزل بالوحي على النبي وتنتشر منه وبتوسطه إلى الناس وفيهم، والإِمام دليل هاد للنفوس إلى مقاماتها كما أن النبي دليل يهدي الناس إلى الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة، وربما تجتمع النبوة والإِمامة كما في إبراهيم وابنيه.
وقوله { وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } إضافة المصدر إلى معموله تفيد تحقق معناه في الخارج فإن أُريد أن لا يفيد الكلام ذلك جيء بالقطع عن الإِضافة أو بأن وأنّ الدالتين على تأويل المصدر نص على ذلك الجرجاني في دلائل الإِعجاز فقولنا: يعجبني إحسانك وفعلك الخير، وقوله تعالى:
{ { ما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] أيدلّ على الوقوع قبلاً، وقولنا: يعجبني أن تحسن وأن تفعل الخير وقوله تعالى: { { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] لا يدل على تحقق قبلي، ولذا كان المألوف في آيات الدعوة وآيات التشريع الإِتيان بأن والفعل دون المصدر المضاف كقوله: { { أُمرت أن أعبد الله } [الزمر: 11]، و { { أن لا تعبدوا إلا إياه } [الإسراء: 23] { وأن أقيموا الصلاة } [الأنعام: 72]. وعلى هذا فقوله: { وأوحينا إليهم فعل الخيرات } الخ. يدل على تحقق الفعل أي أن الوحي تعلق بالفعل الصادر عنهم أي أن الفعل كان يصدر عنهم بوحي مقارن له ودلالة إلهية باطنية هو غير الوحي المشرّع الذي يشرّع الفعل أولاً ويترتب عليه إتيان الفعل على ما شرّع.
ويؤيد هذا الذي ذكر قوله بعد: { وكانوا لنا عابدين } فإنه يدل بظاهره على أنهم كانوا قبل ذلك عابدين لله ثم أُيدوا بالوحي وعبادتهم لله إنما كانت بأعمال شرّعها لهم الوحي المشرع قبلاً فهذا الوحي المتعلق بفعل الخيرات وحي تسديد ليس وحي تشريع.
فالمحصل أنهم كانوا مؤيدين بروح القدس والطهارة مسددين بقوة ربانية تدعوهم إلى فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهي الإِنفاق المالي الخاص بشريعتهم.
والقوم حملوا الوحي في الآية على وحي التشريع فأشكل عليهم الأمر أولاً من جهة أن فعل الخيرات بالمعنى المصدري ليس متعلقاً للوحي بل متعلقة حاصل الفعل، وثانياً أن التشريع عام للأنبياء وأُممهم وقد خص في الآية بهم، ولذا ذكر الزمخشري أن المراد بفعل الخيرات وما يتلوه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة المصدر المبني للمفعول، والمعنى وأوحينا إليهم أن يفعل الخيرات - بالبناء للمجهول - وهكذا، وبه يندفع الاشكالان إذ المصدر المبني للمفعول وحاصل الفعل كالمترادفين فيندفع الإِشكال الأول، والفاعل فيه مجهول ينطبق على الأنبياء وأُممهم جميعاً فيندفع الإِشكال الثاني وقد كثر البحث حول ما ذكره.
وفيه أولاً: منع ما ذكره من اتحاد معنى المصدر المبني للمفعول وحاصل الفعل.
وثانياً: ما قدمناه من أن إضافة المصدر إلى معموله تفيد تحقق الفعل ولا يتعلق الوحي التشريعي به.
وقد تقدمت قصه إبراهيم عليه السلام في تفسير سورة الأنعام وقصة يعقوب عليه السلام في تفسير سورة يوسف من الكتاب، وستجيء قصة إسحاق في تفسير سورة الصافّات إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: { ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً } إلى آخر الآيتين. الحكم بمعنى فصل الخصومات أو بمعنى الحكمة والقرية التي كانت تعمل الخبائث سدوم التي نزل بها لوط في مهاجرته مع إبراهيم عليهما السلام، والمراد بالخبائث الأعمال الخبيثة، والمراد بالرحمة الولاية أو النبوة ولكل وجه، وقد تقدمت قصة لوط عليه السلام في تفسير سورة هود من الكتاب.
قوله تعالى: { ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له } إلى آخر الآيتين، أي واذكر نوحاً إذ نادى ربه قبل إبراهيم ومن ذكر معه فاستجبنا له، ونداؤه ما حكاه سبحانه من قوله: { رب إني مغلوب فانتصر } والمراد بأهله خاصته إلا امرأته وابنه الغريق، والكرب الغم الشديد، وقوله: { ونصرناه من القوم } كأن النصر مضمن معنى الإِنجاء ونحوه ولذا عدي بمن، والباقي ظاهر.
وقد تقدمت قصة نوح عليه السلام في تفسير سورة هود من الكتاب.
(بحث روائي)
في روضة الكافي: علي بن إبراهيم عن أبيه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان عن حجر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خالف إبراهيم صلى الله عليه قومه وعاب آلهتهم إلى قوله فلما تولوا عنه مدبرين إلى عيد لهم دخل إبراهيم صلى الله عليه إلى آلهتهم بقدوم فكسرها إلا كبيراً لهم ووضع القدوم في عنقه فرجعوا إلى آلهتهم فنظروا إلى ما صنع بها فقالوا: لا والله ما اجترى عليها ولا كسرها إلا الفتى الذي كان يعيبها ويبرأ منها فلم يجدوا له قتلة أعظم من النار.
فجمع له الحطب واستجادوه حتى إذا كان اليوم الذي يحرق فيه برز له نمرود وجنوده وقد بني له بناء لينظر إليه كيف تأخذه النار؟ ووضع إبراهيم في منجنيق، وقالت الأرض: يا رب ليس على ظهري أحد يعبدك غيره يحرق بالنار؟ قال الرب إن دعاني كفيته.
فذكر أبان عن محمد بن مروان عمن رواه عن أبي جعفر صلى الله عليه وآله وسلم: أن دعاء إبراهيم صلى الله عليه يومئذ كان: يا أحد يا أحد يا صمد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ثم قال: توكلت على الله فقال الرب تبارك وتعالى: كفيت فقال للنار: كوني برداً! قال: فاضطربت أسنان إبراهيم من البرد حتى قال الله عز وجل وسلاماً على إبراهيم وانحط جبرئيل فإذا هو جالس مع إبراهيم يحدثه في النار.
قال نمرود من اتخذ إلهاً فليتخذ مثل إله إبراهيم. قال: فقال عظيم من عظمائهم: إني عزمت على النار أن لا تحرقه فأخذ عنق من النار نحوه حتى أحرقه قال: فآمن له لوط فخرج مهاجراً إلى الشام هو وسارة ولوط.
وفيه أيضاً عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعدة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعاً عن الحسن بن محبوب عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن إبراهيم صلى الله عليه لما كسر أصنام نمرود أمر به نمرود فاوثق وعمل له حيرا وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار ثم قذف إبراهيم في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم سليماً مطلقاً من وثاقه.
فأخبر نمرود خبره فأمر أن ينفوا إبراهيم من بلاده وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله فحاجهم إبراهيم عند ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي ومالي فحقي عليكم أن تردوا علي ما ذهب من عمري في بلادكم، واختصموا إلى قاضي نمرود وقضى على إبراهيم أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، وقضى على أصحاب نمرود أن يردوا على إبراهيم ما ذهب من عمره في بلادهم، فأُخبر بذلك نمرود فأمرهم أن يخلوا سبيله وسيبل ماشيته وماله وأن يخرجوه، وقال: إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضر بآلهتكم. الحديث.
وفي العلل بإسناده إلى عبد الله بن هلال قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما أُلقي إبراهيم عليه السلام في النار تلقاه جبرئيل في الهواء وهو يهوي فقال: يا إبراهيم ألك حاجة فقال: أما إليك فلا.
أقول: وقد ورد حديث قذفه بالمنجنيق في عدة من الروايات من العامة والخاصة وكذا قول جبريل له: ألك حاجة؟ وقوله: أما إليك فلا، رواه الفريقان.
وفي الدر المنثور أخرج الفاريابي وابن أبي شيبة وابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله: { قلنا يا نار كوني برداً } قال: بردت عليه حتى كادت تؤذيه حتى قيل: وسلاماً قال: لا تؤذيه.
وفي الكافي والعيون عن الرضا عليه السلام في حديث في الإِمامة قال: ثم أكرمه الله عز وجل يعني إبراهيم بأن جعلها يعني الإِمامة في ذريته وأهل الصفوة والطهارة فقال: عز وجل: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً قرناً حتى ورثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله جل جلاله: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين } فكانت خاصة.
فقلدها علي عليه السلام بأمر الله عز وجل على رسم ما فرض الله تعالى فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإِيمان بقوله تعالى: { قال الذين أُوتوا العلم والإِيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } فهي في ولد علي بن أبي طالب عليه السلام خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي المعاني بإسناده عن يحيى بن عمران عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } قال: ولد الولد نافلة.
وفي تفسير القمي في قوله: { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } قال: كانوا ينكحون الرجال.
أقول: والروايات في قصص إبراهيم عليه السلام كثيرة جداً لكنها مختلفة اختلافاً شديداً في الخصوصيّات مما لا يرجع إلى منطوق الكتاب، وقد اكتفينا منها بما قدمناه وقد أوردنا ما هو المستخرج من قصصه من كلامه تعالى في تفسير سورة الأنعام في الجزء السابع من الكتاب.