التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
٣٨
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
٣٩
ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
٤٠
ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ
٤١
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ
٤٢
وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ
٤٣
وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
٤٤
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ
٤٥
أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ
٤٦
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ
٤٧
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ
٤٨
قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
٤٩
فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٥٠
وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ
٥١
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٢
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
٥٣
وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٥٤
وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
٥٥
ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
٥٦
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٥٧
-الحج

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تتضمن الآيات إذن المؤمنين في القتال وهي - كما قيل - أول ما نزلت في الجهاد وقد كان المؤمنون منذ زمان يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأذن لهم في قتال المشركين فيقول لهم: لم أُؤمر بشيء في القتال، وكان يأتيه كل يوم وهو بمكة قبل الهجرة أفراد من المؤمنين بين مضروب ومشجوج ومعذب بالفتنة يشكون إليه ما يلقونه من عتاة مكة من المشركين فيسليهم ويأمرهم بالصبر وانتظار الفرج حتى نزلت الآيات وهى تشتمل على قوله: {أُذن للذين يقاتلون} الخ.
وهي - كما تقدم - أول ما نزلت في الجهاد، وقيل: أول ما نزل فيه قول تعالى:
{ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } [البقرة: 190]، وقيل: إنه قوله: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } } [التوبة: 111]. والاعتبار يستدعي أن تكون آية سورة الحج هي التي نزلت أولاً وذلك لاشتمالها على الإِذن صريحاً واحتفافها بالتوطئة والتمهيد وتهييج القوم وتقوية قلوبهم وتثبيت أقدامهم بوعد النصر تلويحاً وتصريحاً وذكر ما فعل الله بالقرى الظالمة قبلهم وكل ذلك من لوازم تشريع الأحكام الهامة وبيانها وإبلاغها لأول مرة وخاصة الجهاد الذي بناؤه على أساس التضحية والتفدية وهو أشق حكم اجتماعي وأصعبه في الإِسلام وأمسه بحفظ المجتمع الديني قائماً على ساقه فإن إبلاغ مثله لأول مرة أحوج إلى بسط الكلام واستيقاظ الأفهام كما هو مشاهد في هذه الآيات.
فقد افتتحت أولاً بأن الله هو مولى المؤمنين المدافع عنهم. ثم نص على إذنهم في القتال وذكر أنهم مظلومون والقتال هو السبيل لحفظ المجتمعات الصالحة ووصفهم بأنهم صالحون لعقد مجتمع ديني يعمل فيه الصالحات ثم ذكر ما فعله بالقرى الظالمة قبلهم وأنه سيأخذهم كما أخذ الذين قبلهم.
قوله تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوّان كفور} المدافعة مبالغة في الدفع، والخوان اسم مبالغة من الخيانة وكذا الكفور من الكفران والمراد بالذين آمنوا المؤمنون من الأُمة وإن انطبق بحسب المورد على المؤمنين في ذلك الوقت لأن الآيات تشرع القتال ولا يختص حكمه بطائفة دون طائفة، والمورد لا يكون مخصصاً.
والمراد بكل خوّان كفور المشركون، وإنما كانوا مكثرين في الخيانة والكفران لأن الله حملهم أمانة الدين الحق وجعلها وديعة عند فطرتهم لينالوا بحفظه ورعايته سعادة الدارين وعرفهم إياه من طريق الرسالة فخانوه بالجحد والإِنكار وغمرهم بنعمه الظاهره والباطنة فكفروا بها ولم يشكروه بالعبودية.
وفي الآية تمهيد لما في الآية التالية من الإِذن في القتال فذكر تمهيداً أن الله يدافع عن الذين آمنوا وإنما يدفع عنهم المشركين لأنه يحب هؤلاء ولا يحب أُولئك لخيانتهم وكفرهم فهو إنما يحب هؤلاء لأمانتهم وشكرهم فهو إنما يدافع عن دينه الذي عند المؤمنين.
فهو تعالى مولاهم ووليهم الذي يدفع عنهم أعداءه كما قال:
{ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } [محمد: 11]. قوله تعالى: {أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} ظاهر السياق أن المراد بقوله: {أُذن} إنشاء الإِذن دون الاخبار عن إذن سابق وإنما هو إذن في القتال كما يدل عليه قوله: {للذين يقاتلون} الخ، ولذا بدَّل قوله: {الذين آمنوا} من قوله: {الذين يقاتلون} ليدل على المأذون فيه.
والقراءة الدائرة {يقاتلون} بفتح التاء مبنياً للمفعول أي الذين يقاتلهم المشركون لأنهم الذين أرادوا القتال وبدؤهم به، والباء في {بأنهم ظلموا} للسببية وفيه تعليل الإِذن في القتال أي أُذن لهم فيه بسبب أنهم ظلموا، وأما ما هو الظلم فتفسيره قوله: {الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق} الخ.
وفي عدم التصريح بفاعل {أُذن} تعظيم وتكبير ونظيره ما في قوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} من ذكر القدرة على النصر دون فعليته فإن فيه إشارة إلى أنه مما لا يهتم به لأنه هين على من هو على كل شيء قدير.
والمعنى أُذن - من جانب الله - للذين يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون بسبب أنهم ظلموا - من جانب المشركين - وإن الله على نصرهم لقدير، وهو كناية عن النصر.
قوله تعالى: {الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} إلى آخر الآية بيان جهة كونهم مظلومين وهو أنهم أُخرجوا من ديارهم وقد أخرجهم المشركون من ديارهم بمكة بغير حق يجوز لهم إخراجهم.
ولم يخرجوهم بحمل وتسفير بل آذوهم وبالغوا في إيذائهم وشدَّدوا بالتعذيب والتفتين حتى اضطروهم إلى الهجرة من مكة والتغرب عن الوطن وترك الديار والأموال فقوم إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإخراجهم إياهم إلجاؤهم إلى الخروج.
وقوله: {إلا أن يقولوا ربنا الله} استثناء منقطع معناه ولكن أخرجوا بسبب أن يقولوا ربنا الله، وفيه إشارة إلى أن المشركين انحرفوا في فهمهم وألحدوا عن الحق إلى حيث جعلوا قول القائل ربنا الله وهو كلمة الحق يبيح لهم أن يخرجوه من داره.
وقيل: الاستثناء متصل والمستثنى منه هو الحق والمعنى أُخرجوا بغير حق إلا الحق الذي هو قولهم: ربنا الله. وأنت خبير بأنه لا يناسب المقام فإن الآية في مقام بيان أنهم أُخرجوا من ديارهم بغير حق لا أنهم إنما أُخرجوا بهذا الحق لا بحق غيره.
وتوصيف الذين آمنوا بهذا الوصف - كونهم مخرجين من ديارهم - وهو وصف بعضهم وهم المهاجرون من باب توصيف الكل بوصف البعض بعناية الاتحاد والائتلاف فإن المؤمنين إخوة وهم يد واحدة على من سواهم، وتوصيف الأُمم بوصف بعض الأفراد في القرآن الكريم فوق حد الإِحصاء.
وقوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً} الصوامع جمع صومعة وهي بناء في أعلاه حدة كان يتخذ في الجبال والبراري ويسكنه الزهاد والمعتزلون من الناس للعبادة، والبيع جمع بيعة بكسر الباء معبد اليهود والنصارى، والصلوات جمع صلاة وهي مصلى اليهود سمي بها تسمية للمحل باسم الحال كما أُريد بها المسجد في قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} إلى قوله {ولا جنباً إلا عابري سبيل}.
وقيل: هي معرب (صلوثا) بالثاء المثلثة والقصر وهي بالعبرانية المصلى، والمساجد جمع مسجد وهو معبد المسلمين.
والآية وإن وقعت موقع التعليل بالنسبة إلى تشريع القتال والجهاد، ومحصلها أن تشريع القتال إنما هو لحفظ المجتمع الديني من شر أعداء الدين المهتمين بإطفاء نور الله فلولا ذلك لانهدمت المعابد الدينية والمشاعر الإِلهية ونسخت العبادات والمناسك.
لكن المراد بدفع الله الناس بعضهم ببعض أعمَّ من القتال فإن دفع بعض الناس بعضاً ذباً عن منافع الحياة وحفظاً لاستقامة حال العيش سنة فطريه جارية بين الناس والسنن الفطرية منتهية إليه تعالى ويشهد به تجهيز الإِنسان كسائر الموجودات بأدوات وقوى تسهل له البطش ثم بالفكر الذي يهديه إلى اتخاذ وسائل الدفع والدفاع عن نفسه أو أي شأن من شؤون نفسه مما تتم به حياته وتتوقف عليه سعادته.
والدفع بالقتال آخر ما يتوسل إليه من الدفع إذا لم ينجع غيره من قبيل آخر الدواء الكي ففيه إقدام على فناء البعض لبقاء البعض وتحمل لمشقة في سبيل راحة سنة جارية في المجتمع الإِنساني بل في جميع الموجودات التي لها نفسية ما واستقلال ما.
ففي الآية إشارة إلى أن القتال في الإِسلام من فروع هذه السنة الفطرية الجارية وهي دفع الناس بعضهم بعضاً عن شؤون حياتهم، وإذا نسب إلى الله سبحانه كل ذلك دفعه الناس بعضهم ببعض حفظاً لدينه عن الضيعة.
وإنما اختص انهدام المعابد بالذكر مع أن من المعلوم أنه لولا هذا الدفع لم يقم أصل الدين على ساقه وانمحت جميع آثاره لأن هذه المعابد والمعاهد هي الشعائر والأعلام الدالة على الدين المذكرة له الحافظة لصورته في الأذهان.
وقوله: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} قسم مع تأكيد بالغ على نصره تعالى من ينصره بالقتال ذباً عن الدين الإِلهي ولقد صدق الله وعده فنصر المسلمين في حروبهم ومغازيهم فأيدهم على أعدائه ورفع ذكره ما كانوا ينصرونه.
والمعنى أُقسم لينصرن الله من ينصره بالدفاع عن دينه إن الله لقوي لا يضعفه أحد ولا يمنعه شيء عما أراد عزيز منيع الجانب لا يتعدى إلى ساحة عزته ولا يعادله شيء في سلطنته وملكه.
ويظهر من الآية أنه كان في الشرائع السابقة حكم دفاعي في الجمله وإن لم يبين كيفيته.
قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} الخ توصيف آخر للذين آمنوا المذكورين في أول الآيات، وهو توصيف المجموع من حيث هو مجموع من غير نظر إلى الأشخاص والمراد من تمكينهم في الأرض إقدارهم على اختيار ما يريدونه من نحو الحياة من غير مانع يمنعهم أو مزاحم يزاحمهم.
يقول تعالى: إن من صفتهم أنهم إن تمكنوا في الأرض وأُعطوا الحرية في اختيار ما يستحبونه من نحو الحياة عقدوا مجتمعاً صالحاً تقام فيه الصلاة وتؤتى فيه الزكاة ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وتخصيص الصلاة من بين الجهات العبادية والزكاة من بين الجهات المالية بالذكر لكون كل منهما عمدة في بابها.
وإذ كان الوصف للذين آمنوا المذكورين في صدر الآيات والمراد به عقد مجتمع صالح وحكم الجهاد غير خاص بطائفة خاصة فالمراد بهم عامة المؤمنين يومئذ بل عامة المسلمين إلى يوم القيامة والخصيصة خصيصتهم بالطبع فمن طبع المسلم بما هو مسلم الصلاح وإن كان ربما غشيته الغواشي.
وليس المراد بهم خصوص المهاجرين بأعيانهم سواء كانت الآيات مكية أو مدنية وإن كان المذكور من جهة المظلومية هو إخراجهم من ديارهم وذلك لمنافاته عموم الموصوف المذكور في صدر الآيات وعموم حكم الجهاد لهم ولغيرهم قطعاً.
على أن المجتمع الصالح الذي عقد لأول مرة في المدينة ثم انبسط فشمل عامة جزيرة العرب في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أفضل مجتمع متكون في تاريخ الإِسلام تقام فيه الصلاة وتؤتى فيه الزكاة وتؤمر فيه بالمعروف وتنهى فيه عن المنكر مشمول للآية قطعاً وكان السبب الأول ثم العامل الغالب فيه الأنصار دون المهاجرين.
ولم يتفق في تاريخ الإِسلام للمهاجرين، خاصة أن يعقدوا وحدهم مجتمعاً من غير شركة من الأنصار فيقيموا الحق ويميطوا الباطل فيه اللهمَّ إلا أن يقال: إن المراد بهم أشخاص الخلفاء الراشدين أو خصوص عليّ عليه السلام على الخلاف بين أهل السنة والشيعة، وفي ذلك إفساد معنى جميع الآيات.
على أن التاريخ يضبط من أعمال الصدر الأول وخاصة المهاجرين منهم أُموراً لا يسعنا أن نسميها إحياء للحق وإماتة للباطل سواء قلنا بكونهم مجتهدين معذورين أم لا فليس المراد توصيف أشخاصهم بل المجموع من حيث هو مجموع.
وقوله: {ولله عاقبة الأُمور} تأكيد لما تقدم من الوعد بالنصر وإظهار المؤمنين على أعداء الدين الظالمين لهم.
قوله تعالى: {وإن يكذّبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح} إلى قوله {فكيف كان نكير} فيه تعزية للنبى صلى الله عليه وآله وسلم أن تكذيب قومه له ليس ببدع فقد كذّبت أُمم قبلهم لأنبيائهم. وإنذار وتخويف للمكذبين بالإِشارة إلى ما انتهى إليه تكذيب من قبلهم من الأُمم وهو الهلاك بعذاب من الله تعالى.
وقد عدّ من تلك الأُمم قوم نوح وعاداً وهم قوم هود وثمود وهم قوم صالح وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وهم قوم شعيب، وذكر تكذيب موسى. قيل: ولم يقل: وقوم موسى لأن قومه بنو إسرائيل وكانوا آمنوا به، وإنما كذّبه فرعون وقومه.
وقوله: {فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير} الإِملاء الإِمهال وتأخير الأجل، والنكير الإِنكار، والمعنى فأمهلت الكافرين - الذين كذّبوا رسلهم من هذه الأُمم - ثم أخذتهم وهو كناية عن العقاب فكيف كان إنكاري لهم في تكذيبهم وكفرهم؟ وهو كناية عن بلوغ الإِنكار وشدة الأخذ.
قوله تعالى: {فكأيّن من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطّلة وقصر مشيد} قرية خاوية على عروشها أي ساقطة جدرانها على سقوفها فهي خربة، والبئر المعطّلة الخالية من الواردين والمستقين وشاد القصر أي جصّصه والشيد بالكسر الجصّ.
وقوله: {فكأيّن من قرية أهلكناها} ظاهر السياق أنه بيان لقوله في الآية السابقة: {فكيف كان نكير} وقوله: {وبئر معطلة وقصر مشيد} عطف على قرية.
والمعنى: فكم من قرية أهلكنا أهلها حال كونهم ظالمين فهي خربة ساقطة جدرانها على سقوفها، وكم من بئر معطّلة باد النازلون عليها فلا وارد لها ولا مستقي منها، وكم من قصر مجصّص هلك سكانها لا يرى لهم أشباح ولا يسمع منهم حسيس، وأصحاب الآبار أهل البدو وأصحاب القصور أهل الحضر.
قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فيكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} الخ، حثّ وتحضيض على الاعتبار بهذه القرى الهالكة والاثار المعطّلة والقصور المشيدة التي تركتها تلك الأُمم البائده بالسير في الأرض فإن السير فيها ربما بعث الإِنسان إلى أن يتفكر في نفسه في سبب هلاكهم ويستحضر الحجج في ذلك فيتذكر أن الذي وقع بهم إنما وقع لشركهم بالله وإعراضهم عن آياته واستكبارهم على الحق بتكذيب الرسل فيكون له قلب يعقل به ويردعه عن الشرك والكفر هذا إن وسعه أن يستقل بالتفكير.
وإن لم يسعه ذلك بعثه الاعتبار إلى أن يُصغي إلى قول المشفق الناصح الذي لا يريد به إلا الخير وعظة الواعظ الذي يميز له ما ينفعه مما يضره ولا عظة ككتاب الله ولا ناصح كرسوله فيكون له أُذن يسمع بها ما يهتدي به إلى سعادته.
ومن هنا يظهر وجه الترديد في الآية بين القلب والأُذن من غير تعرّض للبصر وذلك لأن الترديد في الحقيقة بين الإِستقلال في التعقل وتمييز الخير من الشر والنافع من الضارّ وبين الاتّباع لمن يجوز اتباعه وهذان شأن القلب والأُذن.
ثم لما كان المعنيان جميعاً - التعقل والسمع - في الحقيقة من شأن القلب أي النفس المدركة فهو الذي يبعث الإِنسان إلى متابعة ما يعقله أو سمعه من ناصح مشفق عدَّ إدراك القلب لذلك رؤية له ومشاهدة منه، ولذلك عدّ من لا يعقل ولا يسمع أعمى القلب ثم بولغ فيه بأن حقيقة العمي هي عمى القلب دون عمى العين لأن الذي يعمى بصره يمكنه أن يتدارك بعض منافعه الفائتة بعصا يتخذها أو بهاد يأخذه بيده وأما القلب فلا بدل له يتسلى به، وهو قوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.
وجعل الصدر ظرفاً للقلب من المجاز في النسبة، وفي الكلام مجاز آخر ثان من هذا القبيل وهو نسبة العقل إلى القلب وهو النفس، وقد تقدم التنبيه عليه مراراً.
قوله تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدّون} كان القوم يكذبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أخبرهم أن الله سبحانه وعده أن يعذبهم إن لم يؤمنوا به فكانوا يستعجلونه بالعذاب استهزاء به وتعجيزاً له قائلين: متى هذا الوعد؟ فردَّ الله عليهم بقوله: {ولن يخلف الله وعده} فإن كان المراد بالعذاب عذاب مشركي مكة فالذي وعدهم من العذاب هو ما ذاقوه يوم بدر وإن كان المراد به ما يقضى به بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين أُمته بعذاب موعود لم ينزل بعد وقد أخبر الله عنه في قوله:
{ ولكل أُمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم } [يونس: 47] إلى آخر الآيات.
وقوله: {وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدُّون} حكم بتساوي اليوم الواحد والألف سنة عند الله سبحانه فلا يستقلّ هذا ولا يستكثر ذلك حتى يتأثر من قصر اليوم الواحد وطول الألف سنة فليس يخاف الفوت حتى يعجل لهم العذاب بل هو حليم ذو أناة يمهلهم حتى يستكملوا دركات شقائهم ثم يأخذهم فيما قدّر لهم من أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ولذا عقّب الكلام بقوله في الآية التالية: {وكأيّن من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإليّ المصير}.
وقوله: {وإن يوماً عند ربك كألف سنة} رد لاستعجالهم بالعذاب بأن الله يستوي عنده قليل الزمان وكثيره، كما أن قوله: {ولن يخلف الله وعده} تسلية وتأييد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وردّ لتكذيبهم له فيما أخبرهم به من وعد الله وتعجيزهم له واستهزائهم به.
وقيل: معنى قوله: {وإن يوماً عند ربك} أن يوماً من أيام الآخرة التي سيعذبون فيها يعدل ألف سنة من أيام الدنيا التي يعدّونها. وقيل: المراد أن يوماً لهم وهم معذبون عند ربهم يعدل في الشدة ألف سنة يعذبون فيها من الدنيا.
والمعنيان لا يلائمان صدر الآية ولا الآية التالية كما هو ظاهر.
قوله تعالى: {وكأيّن من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإليّ المصير} الآية - كما مر - متممة لقوله: {وإن يوماًَ عند ربك كألف سنة} بمنزلة الشاهد على صدق المدّعى، والمعنى: قليل الزمان وكثيره عند ربك سواء وقد أملى لكثير من القرى الظالمة وأمهلها ثم أخذها بعد مهل.
وقوله: {وإليّ المصير} بيان لوجه عدم تعجيله العذاب لأنه لما كان مصير كل شيء إليه فلا يخاف الفوت حتى يأخذ الظالمين بعجل.
وقد ظهر بما مر أن الايه ليست تكراراً لقوله سابقاً: {فكأيّن من قرية} الخ، فلكل من الآيتين مفادها.
وفي الآية التفات من الغيبه إلى التكلم وحده لأن الكلام فيها في صفة من صفاته تعالى وهو الحلم والمطلوب بيان أن الله سبحانه هو خصمهم بنفسه إذ خاصموا نبيه.
قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني لكم نذير مبين} إلى قوله {أصحاب الجحيم} أمر بإعلام الرسالة بالإِنذار وبيان ما للإِيمان به والعمل الصالح من الأجر الجميل وهو المغفرة بالإِيمان والرزق الكريم وهو الجنة بما فيها من النعيم، بالعمل الصالح، وما للكفر والجحود من التبعة السيئة وهي صحابة الجحيم من غير مفارقة.
وقوله: {سعوا في آياتنا معاجزين} السعي الإِسراع في المشي وهو كناية عن بذل الجهد في أمر آيات الله لإِبطالها وإطفاء نورها بمعاجزة الله، والتعبير بلفظ المتكلم مع الغير رجوع في الحقيقة إلى السياق السابق بعد إيفاء الالتفات في الآية السابقة أعني قوله: {أمليت لها} الخ.
قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أُمنيّته} الخ، التمني تقدير الإِنسان وجود ما يحبه سواء كان ممكناً أو ممتنعاً كتمني الفقير أن يكون غنياً ومن لا ولد له أن يكون ذا ولد، وتمني الإِنسان أن يكون له بقاء لا فناء معه وأن يكون له جناحان يطير بهما، ويسمى صورته الخيالية التي يلتذّ بها أُمنيّة والأصل في معناه المني بالفتح فالسكون بمعنى التقدير وقيل: ربما جاء بمعنى القراءة والتلاوة يقال تمنيت الكتاب أي قرأته. والإِلقاء في الأُمنية المداخلة فيها بما يخرجها عن صرافتها ويفسد أمرها.
ومعنى الآية على أول المعنيين وهو كون التمني هو تمني القلب: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى وقدّر بعض ما يتمناه من توافق الأسباب على تقدّم دينه وإقبال الناس عليه وإيمانهم به ألقى الشيطان في أُمنيّته وداخل فيها بوسوسة الناس وتهييج الظالمين وإغراء المفسدين فأفسد الأمر على ذلك الرسول أو النبي وأبطل سعيه فينسخ الله ويزيل ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته بإنجاح سعي الرسول أو النبي وإظهار الحق والله عليم حكيم.
والمعنى: على ثاني المعنيين وهو كون التمني بمعنى القراءة والتلاوة: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا وقرأ آيات الله ألقى الشيطان شبهاً مضلة على الناس بالوسوسة ليجادلوه بها ويفسدوا على المؤمنين إيمانهم فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من الشبه ويذهب به بتوفيق النبي لردّه أو بإنزال ما يرده.
وفي الآية دلالة واضحة على اختلاف معنى النبوة والرسالة لا بنحو العموم والخصوص مطلقاً كما اشتهر بينهم أن الرسول هو من بعث وأُمر بالتبليغ والنبي من بعث سواء أُمر بالتبليغ أم لا، إذ لو كان كذلك لكان من الواجب أن يراد بقوله في الآية: {ولا نبى} غير الرسول أعني من لم يؤمر بالتبليغ، وينافيه قوله: {وما أرسلنا}.
وقد قدمنا في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب ما يدل من روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام أن الرسول هو من ينزل عليه الملك بالوحي فيراه ويكلمه والنبي هو من يرى المنام ويوحى إليه فيه، وقد استفدنا مضمون هذه الروايات من قوله تعالى:
{ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزَّلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً } [الإسراء: 95] في الجزء الثالث عشر من الكتاب.
وأما سائر ما قيل في الفرق بين الرسالة والنبوة كقول من قال إن الرسول من بعث بشرع جديد والنبي أعمّ منه وممن جاء مقرّراً لشرع سابق ففيه أنّا قد أثبتنا في مباحث النبوة أن الشرائع الإِلهية لا تزيد على خمسة وهي شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم، وقد صرَّح القرآن على رسالة جمع كثير منهم غير هؤلاء. على أن هذا القول لا دليل له.
وقول من قال: إن الرسول من كان له كتاب والنبي بخلافه وقول من قال: إن الرسول من له كتاب ونسخ في الجملة والنبي بخلافه، ويرد على القولين نظير ما ورد على القول الأول.
وفي قوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة، والوجه فيه العناية بذكر لفظ الجلالة وإسناد النسخ والإِحكام إلى من لا يقوم له شيء، ولذلك بعينه أعاد لفظ الجلاله ثانياً مع أنه من وضع الظاهر موضع المضمر ومنه أيضاً إعاده لفظ الشيطان ثانياً دون ضميره ليشار إلى أن الملقي هو الشيطان الذي لا يعبأ به وبكيده في قباله تعالى، وكان الظاهر أن يقال: فينسخ ما يلقيه ثم يحكم آياته.
قوله تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم} الخ، مرض القلب عدم استقامة حاله في التعقل بأن لا يذعن بما من شأنه أن يذعن به من الحق وهو الشك والارتياب، وقساوة القلب صلابته وغلظه مأخوذ من الحجر القاسي أي الصلب. وصلابته بطلان عواطفه الرقيقة المعينة في إدراك المعاني الحقة كالخشوع والرحمة والتواضع والمحبة فالقلب المريض سريع التصور للحق بطيء الإِذعان به، والقلب القسي بطيئهما معاً، وكلاهما سريع القبول للوساوس الشيطانية.
والإِلقاءات الشيطانية التي تفسد الأُمور على الحق وأهله وتبطل مساعي الرسل والأنبياء دون أن تؤثر أثرها وإن كانت مستندة إلى الشيطان نفسه لكنها كسائر الآثار لما كانت واقعة في ملكه تعالى، ولا يقع أثر من مؤثر أو فعل من فاعل إلا بإذنه، ولا يقع شيء بإذنه إلا استند إليه استناداً ما بمقدار الإِذن، ولا يستند إليه إلا ما فيه خير لا يخلو من مصلحه وغاية.
لذا ذكر سبحانه في هذه الآية أن لهذه الإِلقاءات الشيطانية مصلحة وهي أنها محنة يمتحن بها الناس عامة والامتحان من النواميس الإِلهية العامة الجارية في العالم الإِنساني ويتوقف عليه تلّبس السعيد بسعادته والشقي بشقائه، وفتنة يفتتن بها الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم خاصة فإن تلّبس الأشقياء بكمال شقائهم من التربية الإِلهية المقصودة في نظام الخلقة، قال تعالى:
{ كلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً } [الإسراء: 20]. وهذا معنى قوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم} فاللام في {ليجعل} للتعليل يعلل بها إلقاء الشيطان في أُمنية الرسول والنبي أي يفعل الشيطان كذا ليفعل الله كذا ومعناه أنه مسخر لله سبحانه لغرض امتحان العباد وفتنة أهل الشك والجحود وغرورهم.
وقد تبين أن المراد بالفتنة الابتلاء والامتحان الذي ينتج الغرور والضلال وبالذين في قلوبهم مرض أهل الشك من الكفار وبالقاسية قلوبهم أهل الجحود والعناد منهم.
وقوله: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} الشقاق والمشاقة المباينة والمخالفة وتوصيفه بالبعد توصيف له بحال موصوفه، والمعنى: وإن الظالمين - وهم أهل الجحود على ما يعطيه السياق أو هم وأهل الشك جميعاً - لفي مباينة ومخالفة بعيد صاحبها من الحق وأهله.
قوله تعالى: {وليعلم الذين أُوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم} الخ، المتبادر من السياق أنه عطف على قوله: {ليجعل} وتعليل لقوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} والضمير في {أنه} على هذا لما يتمناه الرسول والنبي المفهوم من قوله: {إذا تمنى} الخ، ولا دليل على إرجاعه إلى القرآن.
والمعنى: فينسخ الله ما يلقيه الشيطان ثم يحكم آياته ليعلم الذين أُوتوا العلم بسبب ذاك النسخ والإِحكام أن ما تمناه الرسول أو النبي هو الحق من ربك لبطلان ما يلقيه الشيطان فيؤمنوا به فتخبت أي تلين وتخشع له قلوبهم.
ويمكن أن يكون قوله: {وليعلم} معطوفاً على محذوف ومجموع المعطوف والمعطوف عليه تعليلاً لما بيّنه في الآية السابقة من جعله تعالى هذا الإِلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم.
والمعنى: إنما بيّنا هذه الحقيقة لغاية كذا وكذا وليعلم الذين أُوتوا العلم أنه الحق من ربك "الخ" على حد قوله:
{ وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا } [آل عمران: 140]، وهو كثير الورود في القرآن.
وقوله: {إن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} في مقام التعليل لكون علم الذين أُوتوا العلم غاية مترتبة على فعله تعالى فيفيد أنه تعالى إنما فعل ما فعل ليعلموا أن الأمر حق لأنه هاد يريد أن يهديهم فيهديهم بهذا التعليم إلى صراط مستقيم.
قوله تعالى: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم} الخ الآية - كما ترى - تخبر عن حرمان هؤلاء الذين كفروا من الإِيمان مدى حياتهم فليس المراد بهم مطلق الكفار لقبول بعضهم الإِيمان بعد الكفر فالمراد به عدة من صناديد قريش الذين لم يوفقوا للإِيمان ما عاشوا كما في قوله:
{ إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } [البقرة: 6]. وعقم اليوم كونه بحيث لا يخلف يوماً بعده وهو يوم الهلاك أو يوم القيامة، والمراد به في الآية على ما يعطيه سياق الآية الثالثة يوم القيامة.
والمعنى ويستمر الذين كفروا في شك من القرآن حتى يأتيهم يوم القيامة أو ياتيهم عذاب يوم القيامة وهو يوم يأتي بغتة لا يمهلهم حتى يحتالوا له بشيء ولا يخلف بعده يوماً حتى يقضى فيه ما فات قبله.
وإنما ردد بين يوم القيامة وبين عذابه لأنهم يعترفون عند مشاهده كل منهما بالحق ويطيح عنهم الريب والمرية قال تعالى:
{ قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } [يس: 52] وقال: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا } } [الأحقاف: 34]. وقد ظهر بما تقدم أن تقييد اليوم تارة بكونه بغتة وتارة بالعقم للدلالة على كونه بحيث لا ينفع معها حيلة ولا يقع بعدها تدارك لما فات قبله.
قوله تعالى: {الملك يومئذ لله يحكم بينهم} إلى قوله {عذاب مهين} قد تقدَّم مراراً أن المراد بكون الملك يومئذ لله، ظهور كون الملك له تعالى لأن الملك له دائماً وكذا ما ورد من نظائره من أوصاف يوم القيامة في القرآن ككون الأمر يومئذ لله وكون القوة يومئذ لله وهكذا.
ولسنا نعني به أن المراد بالملك مثلاً في الآية ظهور الملك مجازاً بل نعني به أن الملك قسمان ملك حقيقي حق وملك مجازي صوري، وللأشياء ملك مجازي صوري ملكها الله ذلك وله تعالى مع ذلك الملك الحق بحقيقة معناه حتى إذا كان يوم القيامة ارتفع كل ملك صوري عن الشيء المتلّبس به ولم يبقَ من الملك إلا حقيقته وهو لله وحده فمن خاصة يوم القيامة أن الملك يومئذ لله وعلى هذا القياس.
وقوله: {يحكم بينهم} أي ولا حاكم غيره لأن الحكم من فروع الملك فإذا لم يكن يومئذ لأحد نصيب في الملك لم يكن له نصيب في الحكم.
وقوله: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} وهؤلاء المعاندون المستكبرون {فأُولئك في عذاب مهين} بيان لحكمة تعالى.
(بحث روائي)
في المجمع روي عن الباقر عليه السلام أنه قال: لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتال ولا أُذن له فيه حتى نزل جبرئيل بهذه الآية: {أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} وقلده سيفاً.
وفيه كان المشركون يؤذون المسلمين. لا يزال يجيء مشجوج ومضروب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول لهم: أصبروا فإني لم أؤمر بالقتال حتى هاجر فأنزل الله عليه هذه الآية بالمدينة. وهي أول آية نزلت في القتال.
أقول: وروي في الدر المنثور عن جم غفير من أرباب الجوامع عن ابن عباس وغيره أنها أول آية نزلت في القتال. وما اشتمل عليه بعض هذه الروايات أنها نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة إن صحت الرواية فهو اجتهاد من الراوي لما مر أن الآية مطلقة وأنه لا يعقل توجيه حكم القتال إلى أشخاص من الأُمة بأعيانهم وهو حكم عام.
ونظير الكلام جار في قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض} الخ بل وفي قوله: {الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق} الخ على ما تقدم في البيان.
وفيه في قوله تعالى: {الذين أُخرجوا من ديارهم} وقال أبو جعفر عليه السلام: نزلت في المهاجرين وجرت في آل محمد الذين أُخرجوا من ديارهم وأُخيفوا.
أقول: وعلى ذلك يحمل ما في المناقب عنه عليه السلام في الآية: نحن. نزلت فينا وفي روضة الكافي عنه عليه السلام: جرت في الحسين عليه السلام.
وكذا ما في المجمع: في قوله تعالى: {وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} عنه عليه السلام: نحن هم. وكذا ما في الكافي والمعاني وكمال الدين عن الصادق والكاظم عليهما السلام في قوله تعالى: {وبئر معطلة وقصر مشيد} قالا: البئر المعطلة الإِمام الصامت والقصر المشيد الإِمام الناطق.
وفي الدر المنثور أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأُصول وأبو نصر السجّزيّ في الإِبانة والبيهقي في شعب الإِيمان والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ليس الأعمى من يعمى بصره ولكن الأعمى من تعمى بصيرته"
]. وفي الكافي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أُخرى. والمراد بمعاينة الملك على ما في غيره من الروايات نزول الملك عليه وظهوره له وتكليمه بالوحي، وقد تقدم بعض هذه الروايات في أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأُخرى} ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا.
ثم جاء جبريل بعد ذلك قال: أعرض علي ما جئتك به فلما بلغ (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) قال جبريل لم آتك بهذا. هذا من الشيطان فأنزل الله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي}. الآية.
أقول: الرواية مروية بطرق عديدة عن ابن عباس وجمع من التابعين وقد صححها جماعة منهم الحافظ ابن حجر.
لكن الأدلة القطعية على عصمته صلى الله عليه وآله وسلم تكذّب متنها وإن فرضت صحة سندها فمن الواجب تنزيه ساحته المقدسة عن مثل هذه الخطيئة مضافاً إلى أن الرواية تنسب إليه صلى الله عليه وآله وسلم أشنع الجهل وأقبحه فقد تلى (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) وجهل نه ليس من كلام الله ولا نزل به جبريل، وجهل أنه كفر صريح يوجب الإِرتداد ودام على جهله حتى سجد وسجدوا في آخر السورة ولم يتنبه ثم دام على جهله حتى نزل عليه جبريل وأمره أن يعرض عليه السورة فقرأها عليه وأعاد الجملتين وهو مصرّ على جهله حتى أنكره عليه جبريل ثم أنزل عليه آية تثبت نظير هذا الجهل الشنيع والخطيئة الفضيحة لجميع الأنبياء والمرسلين وهي قوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أُمنيّته}.
وبذلك يظهر بطلان ما ربما يعتذر دفاعاً عن الحديث بأن ذلك كان سبقاً من لسان دفعة بتصرف من الشيطان سهواً منه صلى الله عليه وآله وسلم وغلطاً من غير تفطّن. فلا متن الحديث على ما فيه من تفصيل الواقعة ينطبق على هذه المعذرة، ولا دليل العصمة يجوّز مثل هذا السهو والغلط.
على أنه لو جاز مثل هذا التصرف من الشيطان في لسانه صلى الله عليه وآله وسلم بإلقاء آية أو آيتين في القرآن الكريم لارتفع الأمن عن الكلام الإِلهي فكان من الجائز حينئذ أن يكون بعض الآيات القرآنية من إلقاء الشيطان ثم يلقي نفس هذه الآية {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} الآية فيضعه في لسان النبي وذكره فيحسبها من كلام الله الذي نزل به جبريل كما حسب حديث الغرانيق كذلك فيكشف بهذا عن بعض ما ألقاه وهو حديث الغرانيق ستراً على سائر ما ألقاه.
أو يكون حديث الغرانيق من الكلام الله، وآية {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيَ} الخ، وجميع ما ينافي الوثنية من كلام الشيطان ويستر بما ألقاه من الآية وأبطل من حديث الغرانيق على كثير من إلقاءاته في خلال الآيات القرآنية، وبذلك يرتفع الاعتماد والوثوق بكتاب الله من كل جهة وتلغو الرسالة والدعوة النبوية بالكلية جلّت ساحة الحق من ذلك.